يرتكز مشروع الكاتبة المغربية الزهرة رميج في كتاباتها الإبداعية عامةً، والروائية خاصةً، على فضح كل أشكال الفساد والاستبداد، ومقاومته بكل السبل، وعلى رأسها العلم، إذ لا تكتفي في أعمالها بإدانة المجتمع وإبراز مظاهره السلبية كافة، وتقديم نظرة سوداوية للواقع، بل تسعى إلى فتح كوةً من النور لشخصياتها لتتشبث بالأمل وتعمل على إصلاح هذا الواقع المأساوي مهما بلغت درجة فظاعته.
فالكتابة، في نظرها، لا تكتسب معناها إلا إذا كانت مقاومةً لأشكال الرداءة التي يتخبط فيها المجتمع، ووسيلةً للإعلاء من شأن قيم الحب والعدل والجمال. ولعل هذا ما تجلى في معظم أعمالها الروائية، فقد تناولت تجربة الاعتقال السياسي، والقهر الذي تعانيه المرأة في البادية المغربية، والنضال الطلابي بالجامعات في سبعينيات القرن الماضي، ووضعية الفئات المهمشة، وغيرها من المواضيع، مقدمةً من خلالها شهادةً عن العصر، وعن حقب معينة من تاريخ المغرب، وتسائلها، وتنزع عنها وعن شخصياتها أقنعةً وأوهامًا عديدةً، وتكشف عن أمراض كثيرة تنخر المجتمع المغربي.
وهو ما عمقته في روايتها الأخيرة "رسائل دامية"، الصادرة عن "دار الفاصلة للنشر" بالمغرب عام 2025، إذ سلطت الضوء على واقع خادمات البيوت في المغرب، من خلال شخصية الخادمة الشابة "دامية"، بهدف الكشف عن أشكال العبودية التي تتعرض لها هذه الفئة الهشة من المجتمع، والغوص في مستنقعاته وأعطابه، وإبراز وجهه الآخر الذي تخفيه الواجهة البراقة للبيوت الراقية، والأسرار المتوارية خلف الأبواب المغلقة.
كما تبرز صورة أخرى مفارقة لبعض أوجه معاناة نساء ورجال الطبقة الغنية، التي لا يستطيع المال ولا الجاه فك شفراتها النفسية المتأزمة.
وكل ذلك في دلالة على الخلل الذي نعيشه، والذي نجحت الكاتبة في رسمه بمختلف مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقيمية عبر شخصيات هذه الرواية، إذ جعلت بطلة الرواية "دامية" تختزل أوجاع المجتمع ورذيلته كافة، لكنها في الوقت نفسه تنتفض ضد هذا الواقع، وتسعى إلى تغييره والتحرر من عبودية العصر الجديد، والارتقاء بوضعها الاجتماعي والإنساني عبر الانفتاح على العلم والمعرفة، والبحث عن عمل مناسب يصون كرامتها ويحقق لها إنسانيتها.
الكتابة لا تكتسب معناها إلا إذا كانت مقاومة لأشكال الرداءة التي يتخبط فيها المجتمع، ووسيلة للإعلاء من شأن قيم الحب والعدل والجمال
فمنذ روايتها الأولى "أخاديد الأسوار" عام 2007، التي تناولت فيها تجربة الاعتقال السياسي وأثره على الأفراد والمجتمع، وخاصةً أقارب المعتقل. وقد مزجت فيها بين السيرة الذاتية والتخييل، واستعرضت فيها تجربة معاناتها مع زوجها المعتقل السياسي السابق، ومعاناة جيل بأكمله تجرع المرارة في سبيل الإيمان بالتغيير.
ثم رواية "عزوزة" عام 2010، وهي الرواية الثانية للكاتبة، التي حققت لها شهرةً واسعةً في المغرب والمشرق، ونُشرت منها طبعات متعددة في دور نشر مغربية وعربية، وأُنجز حولها الكثير من الدراسات والأبحاث والأطاريح الجامعية، الأمر الذي جعل اسم الكاتبة يرتبط بهذه الرواية دون غيرها، إلى حد أنها أضحت تنافس حتى أعمالها الجديدة في حفلات التوقيع، إذ لا يزال قراء كثيرون يأتون بنسخ جديدة منها للحصول على توقيع خاص من الكاتبة.
مرورًا برواياتها الأخرى: "الناجون" (عام 2012)، و"الغول الذي يلتهم نفسه" (عام 2013)، و"قاعة الانتظار" (عام 2019)، وسيرتها الذاتية "الذاكرة المنسية" (عام 2017)، يظل الصدق في تناول القضايا المجتمعية ديدن الكاتبة والميزة الأساسية لكتاباتها وإبداعاتها، ناهيك عن لغتها الجميلة والآسرة، وبراعتها في رسم شخصياتها الروائية المدروسة بعناية، وأدواتها السردية المحكمة.
وهو ما يجعلها قلمًا روائيًا استثنائيًا في المغرب، تُعقد له سنويًا لقاءات مختلفة، ويحج إليها القراء من مختلف المدن في حفلات توقيع أعمالها للتعبير عن حبهم لها، وعن مدى إسهام كتاباتها في تغيير حياتهم أو سلوكهم، وهو ما تنشره بحب وتواضع على صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي.
وعن رواية "رسائل دامية" وروايتها الناجحة "عزوزة"، ومفهوم الكتابة لديها، ودور الترجمة، أجرى موقع الجزيرة نت هذا الحوار الخاص مع الروائية المغربية الزهرة رميج.
شكرًا على تهنئتك، وأنا سعيدة بقراءتك لروايتي الجديدة "رسائل دامية" وبانطباعك الإيجابي عنها. كتاباتي، كما تعلمين، تستمد مواضيعها من الواقع المغربي، فالكتابة عندي شكل من أشكال المقاومة ضد مظاهر المجتمع السلبية، وإعلاء لقيم الحرية والعدالة الاجتماعية، ومن ثم فضح للمظاهر السلبية المسكوت عنها.
ومن هذه المظاهر العبودية التي مورست، ولا تزال تمارس بأشكال مختلفة على الفئة الهشة داخل المجتمع، وهي فئة الخادمات داخل البيوت، وخاصة الخادمات الصغيرات اللواتي يحرمن من طفولتهن، ويتعرضن في سن مبكرة للعنف بكل أشكاله: الجسدي، والنفسي، والجنسي.
ما جعلني أختار الخادمة بطلة لروايتي هو، من جهة، رغبتي في إسماع صوت هذه الفئة المهمشة غير القادرة على نقل معاناتها للآخرين، ومن جهة أخرى، الغوص في مستنقع المجتمع، وكشف وجهه الآخر الذي تخفيه الواجهة البراقة. ولم أجد من هو أقدر على ذلك من هذه الفئة التي تدخل جميع البيوت، وتكتشف الأسرار التي تخفيها الأبواب المغلقة.
أما عن كيفية تمكني من التعبير عن معاناة الخادمة بلسانها، فهذا يعود إلى ما يتمتع به المبدع الروائي من قدرة على التماهي مع شخوصه، بناء على ما يتحلى به من قدرة على الإنصات للآخرين، والتأمل العميق لما يجري حوله، والاهتمام بقضايا مجتمعه. وأنا شخصيًا لا أعيش في برج عالٍ، وإنما أعيش الواقع المغربي بكل تجلياته، وأتفاعل مع كل ما يحدث بداخله.
ما جعلني أختار الخادمة بطلة لروايتي هو رغبتي في إسماع صوت هذه الفئة المهمشة غير القادرة على نقل معاناتها للآخرين
اختياري أسلوب الرسائل لا علاقة له بعودة الرواية إلى توظيف الرسائل، وإنما فرض نفسه علي في هذه الرواية التي أردت لها أن تكون صوتًا لمن لا صوت لهم، وما كان ممكنًا نقل معاناة بطلة الرواية نقلًا شاملًا ومؤثرًا، إن لم أُعطِ الكلمة لدامية لتتكلم بنفسها عن معاناتها عن طريق كتابة الرسائل لمشغلتها الأولى التي تعتبرها النقطة المضيئة في حياتها.
ذلك أن كتابة الرسائل تجعل الإنسان يبوح بكل ما يجول في خاطره، ويكشف أسراره الدفينة، لأن القلم يحرر الكاتب من القيود كافة، ويجعله يكسر المحرمات (الطابوهات)، ويلتزم الصدق عندما يكون المخاطَب من أحب الناس إليه.
وقد ذكرت دامية في إحدى رسائلها أنها لو كانت تجلس وجهًا لوجه مع تلك السيدة لما استطاعت أن تبوح لها بما باحت به في الرسائل.
وللعلم، فإن فكرة هذه الرواية وأسلوبها ليسا وليدًا سنة أو سنتين. لقد فكرت في كتابتها قبل أكثر من عشر سنوات، وكتبت عام 2014 أول رسالة فيها، ولكني لم أستطع الاسترسال في كتابتها.
وفي زمن الحجر الصحي عام 2020 عثرت على تلك الرسالة، فانفتحت شهيتي لكتابة الرواية لفترة محددةٍ قبل أن أتخلى عنها مجددًا لفائدة يوميات كورونا التي صدرت تحت عنوان "العالم في كبسولة".
قبل الشروع في الكتابة تكون معظم رواياتي مجرد مشاريع تختمر لفترة طويلة في ذهني حتى يصبح تصوري لها واضحاً تماماً.
ولهذا، لا يؤثر الانقطاع في كتابتها على هذا التصور، خاصة أن الانقطاع لا يكون ناتجاً عن عجز في الكتابة أو غياب للإلهام، وإنما عن حالة نفسية مرتبطة بحياتي الخاصة، كما هو الحال مع روايتي "عزوزة" و"قاعة الانتظار" اللتين كانت كتابتهما تفتح جراحاً في أعماقي، وتدخلني في حالة من الكآبة، أو بحياتي العامة، كما هو الحال مع رواية "رسائل دامية" التي توقفت خلال فترة كتابتها مرتين.
المرة الأولى توقفت فيها بإرادتي بعد 3 أشهر من الكتابة لأتفرغ لكتابة يوميات كورونا، والمرة الثانية بسبب حرب إبادة غزة التي أفقدتني الرغبة في الكتابة، وجعلتني آنذاك أفقد إيماني بجدواها.
ولهذا، فإن الروايات رغم توقفي عن كتابتها إلا أن تفكيري فيها لا يتوقف، فتظل تُكتب في لاشعوري.
وقد عشت مع رواية "رسائل دامية" حالة غريبة، وهي أني في فترة الانقطاع كنت أجد نفسي في أحلامي الليلية أكتب فصولاً منها، لكني في الصباح أنسى ما كتبته.
هذا التفكير المستمر، -سواء منه الواعي أم اللاواعي-، هو الذي يسهل عودتي إليها، والتآلف مع أحداثها وشخصياتها بمجرد إعادة قراءة ما سبق لي أن كتبته، إذ لم تستعص علي قط أي رواية توقفت عن كتابتها ثم عدت إليها.
ولعل ذلك راجع أيضاً لكوني لا أفرض نفسي على الكتابة، وإنما أنتظر حتى تقبل علي بنفسها، وتسلمني زمامها.
توقفت خلال فترة كتابة "رسائل دامية" مرتين: الأولى لأتفرغ لكتابة يوميات كورونا، والمرة الثانية بسبب حرب إبادة غزة
كما أشرت سابقًا، فإن اختياري شخصية الخادمة مكنني من تناول مظاهر اجتماعية سلبية كثيرة، وجعلني أتوغل في المجتمع المغربي بكل طبقاته، الفقيرة منها والمتوسطة والغنية. فبحكم انتماء دامية لأحد الأحياء الهامشية، استطعت كشف مظاهر الفقر والجهل، وما يترتب عنهما من انحراف واستغلال، ومتاجرة بالدين، ومن نفاق اجتماعي.
وطرحت قضايا عديدة، منها الشعوذة، وزواج القاصرات، وزواج "الفاتحة" الذي لا يزال الكثيرون يلجؤون إليه رغم ما يترتب عنه من مآس، خاصة عدم تسجيل الأبناء في الحالة المدنية، وبالتالي حرمانهم من التسجيل في المدارس.
وقد سبق لي أن قرأت في إحدى الصحف قبل سنوات أن عدد غير المسجلين في الحالة المدنية بلغ 84 ألف شخص.
لا أكتفي بالإدانة وبالنظرة السوداوية للواقع، وإنما أحاول أن أفتح كوةً من النور بالتشبث بالأمل في إصلاح هذا الواقع المأساوي
ومثلما كشف انتماء البطلة للحي الشعبي عن هذه المظاهر، كشف اشتغالها كخادمة الاستغلال الذي تتعرض له هذه الفئة، سواء من السماسرة أو من المشغلين والمشغلات، أو من الفاسدين أمثال شخصية ياسين، الذي زج بها في وكر الدعارة، واستعبدها جنسيًا، وجعل منها بطلةً لأفلام إباحية يتاجر بها.
في هذه الرواية – كما في سائر رواياتي- لا أكتفي بالإدانة وبالنظرة السوداوية للواقع، وإنما أحاول أن أفتح كوةً من النور بالتشبث بالأمل في إصلاح هذا الواقع المأساوي. ولهذا، وضعت تلك السيدة الفاضلة في طريق الطفلة اليتيمة دامية لتكون شعاع النور الذي يقودها للخروج من ظلام المستنقع، ويجعلها تسير في طريق العلم والمعرفة لترتقي بحياتها، وتصبح شخصيةً مثقفةً وفاعلةً في المجتمع.
ما زلت حتى الآن غير مصدقة لهذا النجاح المستمر، وهذا العشق الكبير الذي تحظى به رواية "عزوزة" من القراء على اختلاف مستوياتهم وأعمارهم رغم مرور خمس عشرة سنةً على صدورها، والذي لم تستطع أي رواية أخرى من رواياتي أن تحظى به.
وما تزال تزاحم هذه الروايات حتى في حفلات توقيعها، إذ يحضر القراء معهم النسخ التي يتوفرون عليها لأوقعها لهم. وحتى الآن، يتصل بي القراء بحثًا عنها لكون الطبعات المغربية والمشرقية قد نفدت منذ سنتين تقريبًا.
انضافت فئة الأطفال الصغار إلى قراء "عزوزة" منذ عام 2021 عندما أُدرج مقتطفٌ من الرواية في مقرر اللغة العربية للسنة السادسة ابتدائي
والغريب أني خلال فترة كتابتها كثيرًا ما كنت أفكر في التخلي عنها؛ لكوني كنت أتخوف من عدم قبول القراء، وخاصة الشباب منهم، لرواية تدور أحداثها في البادية، ومن عدم تقبل النقد لرواية تنهج الأسلوب الكلاسيكي في زمن سيادة التجريب المبالغ فيه، الذي يولي الأهمية الكبرى للغة والأسلوب أكثر من الحكاية والفكرة.
ولذلك، لم أصدق هذا الحب الذي بلغ درجة العشق لشخصية "عزوزة" من كل الفئات العمرية والمستويات الثقافية، إذ انضافت فئة الأطفال الصغار إلى قراء "عزوزة" منذ عام 2021، عندما أدرج مقتطف من الرواية في مقرر اللغة العربية للسنة السادسة الابتدائية تحت عنوان "زواج الطفلة عزوزة"، فأصبح هؤلاء الأطفال يبحثون عنها في المكتبات، ومنهم من يتواصل معي بشأنها عبر فيسبوك، ويعبرون لي عن حبهم لشخصية "عزوزة"، ورغبتهم في قراءة الرواية. وهذا أمر مدهش، وحظ نادرًا ما يتحقق لعمل روائي.
أنا شخصياً لا أعرف بالضبط سر هذا النجاح الباهر، خاصة أنها أول رواية كتبتها، وكنت متخوفة جداً من عدم تقبل القراء لموضوعها وأسلوبها، كما أخبرتك.
ولكن بناءً على آراء القراء والنقاد، يمكن القول إن النجاح يعود إلى النفس السردي، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، وطريقة الوصف، ودقة اللغة وبساطتها التي وصفها نقاد كثيرون بالسهل الممتنع، والغوص في الواقع المغربي بكل تفاصيله وموروثه الثقافي الذي يجعل كل مغربي يجد نفسه فيها.
لقد عشق القراء المغاربة هذه الرواية لأنهم وجدوا أنفسهم فيها، فقد وجدوا فيها صورة المغربي الأصيل، لكوني اشتغلت على الثقافة الشعبية والعادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية وتعقيداتها، وما إلى ذلك من خصوصيات الشخصية المغربية. وقد أرجع الناقد المغربي عثماني الميلود هذا النجاح إلى كون القراء المغاربة لم يشبعوا بعد من رؤية صورتهم في الأدب المغربي.
وأنا شخصياً أفاجأ كثيراً عندما يتصل بي قراء، وخاصة الشباب منهم، ليخبروني أنهم وجدوا أنفسهم في الرواية.
كنت أتساءل مثلاً كيف لشابة عصرية مثقفة تنتمي للمدينة أن تقول: "عزوزة هي أنا". وكيف لشاب بنفس المواصفات أن يقول: "أحمد هو أنا". فهذا الشاب كتب رسالة سبق أن نشرتها في صفحتي على فيسبوك (Facebook) يعترف فيها أنه كان يتصرف مثل أحمد، ويعامل زوجته معاملة سيئة، ولكنه بعد قراءته للرواية أحس بتأنيب الضمير، وغير سلوكه معها.
أما بالنسبة إلى القراء العرب، وخاصة المغاربيين منهم، وعلى الأخص الجزائريين، فعشقهم نابع أيضاً من كون الواقع العربي واحداً مهما اختلفت بعض جزئياته وتفاصيله، وخاصة ما يتعلق بوضعية المرأة وسيادة الفكر الذكوري.
وقد أحب هذه الرواية أيضاً طلبة جامعيون في كوريا الجنوبية، حسب ما أخبرني به الناقد المصري محمد طلعت الجندي، الذي درسها في جامعة تشوسون (Chosun) بكوريا الجنوبية، وأخبره الطلبة أن واقع المرأة الكورية يشبه واقع المرأة المغربية، وخاصة فيما يتعلق بسلطة الحماة وصراعها مع زوجة الابن.
وحالياً، تشتغل طالبة هندية على الرواية في أطروحة دكتوراه تحت عنوان: "قضايا المرأة في رواية "عزوزة" للزهرة رميج ورواية "قبر" لكيه آر ميرا (K.R. Meera): دراسة مقارنة" في جامعة كاليكوت (Calicut)، كيرالا (Kerala). وقد حدثتني عن التشابه الكبير بين واقع المرأة في الروايتين.
وهذا يعني أن الكتابة الصادقة، التي تغوص في أعماق النفس البشرية، تجد صداها في نفوس القراء أينما كانوا، لأن النفس البشرية واحدة.
الكتابة مسؤولية، بمعنى أنها وسيلة لكشف المظاهر السلبية التي يتخبط فيها المجتمع، ومقاومة أشكال التخلف الفكري والاجتماعي كافة، وكل ما من شأنه أن يؤخر تطور المجتمع. وكذلك وسيلة لمقاومة الانهزامية، والعبثية، واللامعنى، واللاجدوى.
ومشروع كتابتي قائم على فضح أشكال الفساد والاستبداد، ومقاومته بأشكال المقاومة كافة، وعلى رأسها العلم. فمثلاً نجد "عزوزة" رغم كونها يتيمة ولا سند لها في الحياة، إلا أنها استطاعت أن تقاوم جبروت حماتها وزوجها مستعملة جسدها سلاحاً لكونها غير متعلمة، ولكنها نصحت ابنتها "حليمة" بأن تهتم بالعلم والفكر أكثر من اهتمامها بالجسد، لأن العلم والاستقلال المادي هو الذي يضمن لها التحرر من سيطرة الفكر الذكوري.
و"سامية" في رواية "الناجون" قاومت الاستبداد السياسي، ورغم الاعتقال والتعذيب وانكسار حلم اليسار، إلا أنها ظلت مؤمنة بمشروعية الحلم، وظلت تناضل هي ومجموعة من زملائها، كل بطريقته، من أجل تحقيق هذا الحلم.
وفي الرواية الأخيرة "رسائل دامية" استطاعت "دامية" أن تتحرر وترتقي بنفسها عن طريق التعلم بعدما غاصت في مستنقع المجتمع، وعاشت أبشع أنواع الاستغلال. وبالنسبة إلي، فالكتابة لا معنى لها إن لم تكن مقاومة لأشكال الرداءة التي يتخبط فيها المجتمع، ووسيلة للإعلاء من شأن قيم الحب والعدل والجمال.
مشروع كتابتي قائم على فضح أشكال الفساد والاستبداد، ومقاومته بأشكال المقاومة كافة، وعلى رأسها العلم
لكل من النشر في الخارج والداخل إيجابياته وسلبياته. فالنشر في دور عربية مهمة يساهم في التعريف بالكتاب وانتشاره على الصعيد العربي، بحكم مشاركة هذه الدور في المعارض الدولية للكتاب، ولكنه يجعل الكتاب غير متوفر في المغرب، إذ يقتصر وجوده فيه على فترة انعقاد المعرض الدولي للنشر والكتاب في المغرب التي لا تتجاوز 10 أيام. وبذلك يحرم الكتاب من أغلب القراء المغاربة.
أما النشر في دور مغربية فأهميته تكمن في توفر الكتاب داخل المغرب، وتمتعه بحظ أوفر من القراءة والدراسة، ولو أنه أحيانًا لا يتجاوز المغرب بحكم عدم مشاركة بعض الدور في المعارض الدولية، أو لكونها لا تحظى بنفس الأهمية التي تحظى بها الدور العربية الكبيرة لدى القارئ العربي.
لذلك، أعتبر أن أفضل وسيلة للنشر هي النشر المشترك بين دور عربية ودور مغربية، بحيث يكون الكتاب معروفًا على الصعيد العربي ومتاحًا للقارئ المغربي في أي وقت، خاصة وأنه المعني الأول بكتاباتي التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالواقع المغربي وقضاياه وأسئلته الحارقة، ولكن بعض دور النشر لا تقبل ذلك مع الأسف.
وتبقى معضلة الكتاب، حتى لو نشر في الداخل، هي عدم توزيعه على الصعيد الوطني وحرمانه من القراء الذين لا يجدونه حتى في المدن الكبيرة، بسبب الشروط المجحفة التي تفرضها شركات التوزيع التي تحتكر هذا المجال.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة