دراسة نُشرت في مجلة "PLOS ONE" وشملت أكثر من 5 آلاف، بحثت في عدد الخيالات الجنسية التي يمر بها المشاركون وتنوعها، وقارنت هذه المعطيات بسمات الشخصية الخمس الكبرى، المعروفة باسم "Big Five". وتشمل هذه السمات الانفتاح على التجارب، والضمير والانضباط، والانبساط، والوداعة والتوافق مع الآخرين، والعُصابية، أي الميل إلى القلق والتوتر والمشاعر السلبية.
وجد الباحثون أن الأشخاص الذين سجلوا مستويات أعلى من العُصابية كانوا أكثر ميلًا إلى القول إنهم يتخيلون الجنس بصورة متكررة مقارنة بمن سجلوا مستويات أقل. وتشير العُصابية إلى الميل إلى الاجترار الفكري والوعي المفرط بالذات، وإلى اختبار المشاعر السلبية بصورة أكثر حدة، مثل الغضب والقلق والانفعال والتوتر والحزن.
وقد ربطت أبحاث سابقة ارتفاع مستويات العُصابية بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق واضطرابات تعاطي المواد واضطرابات الأكل وغيرها من المشكلات النفسية. كما ارتبطت هذه السمة بزيادة احتمالات بعض المشكلات الجسدية، ومنها أمراض القلب والالتهابات واضطرابات الجهاز المناعي ومتلازمة القولون العصبي. وفي المجال الجنسي، ارتبطت العُصابية أيضًا بانخفاض الرضا الجنسي، وزيادة المشاعر السلبية، وارتفاع احتمال حدوث مشكلات في الوظيفة الجنسية.
وكان الأشخاص الذين سجلوا مستويات مرتفعة من العُصابية في هذه الدراسة أكثر ميلًا إلى الإبلاغ عن خيالات جنسية متكررة، ولا سيما عندما كانت لديهم ميول اكتئابية ومستويات أعلى من المشاعر السلبية.
ينقل موقع "بي بي سي" عن الدكتور جيمس رافنهيل، عالم النفس في جامعة رويال هولواي في لندن، والذي لم يشارك في الدراسة، قوله إن الأشخاص الذين ترتفع لديهم العُصابية يميلون إلى اختبار مزاج سلبي وعدم استقرار عاطفي، وقد يجدون صعوبة أكبر في التعامل مع الضغوط. ويشير إلى أن الخيال الجنسي قد يوفر، إلى جانب كونه وسيلة للهروب من المشاعر السلبية العامة، فرصة لاختبار مشاعر أكثر إيجابية وإشباعًا مرتبطة بالعلاقة الجنسية، ولو بقي ذلك في نطاق الخيال.
وهذا يعني أن كثرة الخيالات الجنسية لا تعني بالضرورة وجود رغبة أكبر في ممارسة الجنس، فقد تكون لدى بعض الأشخاص مرتبطة أيضًا بطريقة التعامل مع المشاعر والضغوط النفسية.
في المقابل، ارتبطت سمة الضمير والانضباط بانخفاض واضح في تكرار الخيالات الجنسية. وكان هذا العامل، بحسب الدراسة، أقوى مؤشر على انخفاض عدد الخيالات. كما ارتبطت الوداعة والتوافق مع الآخرين بانخفاض الخيالات الجنسية، وإن كان تأثيرها أقل من تأثير الضمير والانضباط. ولم يقتصر هذا الانخفاض على نوع واحد من الخيالات، بل ظهر في مجالات متعددة، بما فيها الخيالات الاستكشافية والحميمية وغير الشخصية والخيالات ذات الطابع السادي المازوخي.
ويطرح الباحثون احتمال أن يكون الأشخاص الأكثر التزامًا بالقواعد والمسؤولية والمعايير الاجتماعية أقل ميلًا إلى الانخراط في خيالات تتجاوز هذه المعايير أو تتحدى التصورات التقليدية.
قد يبدو منطقياً أن الأشخاص الأكثر انفتاحًا على التجارب الجديدة أو الأكثر انبساطًا واجتماعية ستكون لديهم خيالات جنسية أكثر، لكن الدراسة لم تجد علاقة مهمة بين هاتين السمتين وتكرار الخيالات الجنسية. وقد اعتبر الباحثون أن غياب العلاقة بين الانفتاح على التجارب والخيالات الجنسية أمر مفاجئ إلى حد ما، خصوصًا أن أبحاثًا سابقة كانت قد أشارت إلى وجود علاقة بينهما.
من المهم هنا عدم الخلط بين الخيال الجنسي والسلوك الجنسي الفعلي. فالإنسان قد يتخيل شيئًا من دون أن يرغب في ممارسته في الواقع، كما أن وجود خيال معين لا يعني بالضرورة أنه يعكس رغبة أو سلوكًا حقيقيًا. كذلك لا يمكن استخدام نتائج هذه الدراسة للحكم على شخصية فرد بعينه. فالبحث يتحدث عن ارتباطات إحصائية بين مجموعات كبيرة من الأشخاص، وليس عن قواعد ثابتة تنطبق على كل إنسان.
وفي النهاية، تشير النتائج إلى أن الخيالات الجنسية قد تكون مرتبطة ببعض جوانب الشخصية والحالة العاطفية، لكنها ليست "اختبار شخصية" يمكن من خلاله تحديد طبيعة الإنسان بدقة. وربما تكون الرسالة الأهم من الدراسة هي أن الخيال الجنسي أكثر تعقيدًا مما يبدو: فقد يرتبط بالشخصية، والمشاعر، وطريقة التعامل مع الضغوط، لكنه لا يقدم وحده صورة كاملة عن الإنسان أو عن رغباته أو سلوكه.
تحرير: ي ب
المصدر:
DW