كشفت دراسة حديثة أن البشر عاشوا في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية خلال فترات كان يعتقد سابقا أنها شديدة القسوة والجفاف، لدرجة تجعل الحياة فيها شبه مستحيلة، بما في ذلك ذروة العصر الجليدي الأخير، حسب النتائج المنشورة يوم 23 مارس /آذار في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications).
استندت الدراسة إلى أدلة أثرية وبيئية من موقع يعرف باسم "مأوى بحيص الصخري" في إمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة. ويعد هذا الموقع من أهم المواقع التي تقدم سجلا زمنيا طويلا ومفصلا لوجود الإنسان في المنطقة، يمتد من نحو 60 ألف سنة إلى 16 ألف سنة مضت، بل وتشير الأدلة إلى فترات أقدم أيضا، حسب الدراسة.
يقع موقع بحيص على بعد نحو 60 كيلومترا من ساحل الخليج العربي، في منطقة صحراوية اليوم؛ ورغم أن الموقع كان معروفا من قبل لاحتوائه على آثار من عصور أحدث مثل العصر الحديدي، فإن الحفريات الحديثة كشفت طبقات أقدم بكثير مدفونة تحت السطح، تعود إلى العصر الحجري القديم، وهو الزمن الذي عاش فيه الإنسان الأول قبل ظهور الزراعة والاستقرار.
ويوضح المؤلف المشارك في الدراسة كنوت بريتسكي، الباحث في علم الآثار في جامعة فريدريش شيلر في يينا بألمانيا، أن هذه الطبقات تعني ببساطة، أن الأرض في الموقع تشبه سجلا تاريخيا متراكما، حيث تمثل كل طبقة فترة زمنية مختلفة. ومن خلال دراسة هذه الطبقات، تمكن الفريق من تتبع وجود الإنسان في المكان عبر عشرات الآلاف من السنين، ومعرفة متى عاش هناك، ومتى غادر، ثم عاد مرة أخرى.
يقول بريتسكي في تصريحات للجزيرة نت إن الدراسة كشفت عن أربع فترات رئيسية عاش فيها الإنسان في هذا الموقع، تعود إلى نحو 125 ألف سنة، ثم 60 ألف سنة، ثم 35 ألف سنة، وأخيرا نحو 16 ألف سنة.
وإلى جانب ذلك، توسع نتائج موقع بحيص نطاق السجلات المعروفة، وتثبت وجود استيطان متكرر في المنطقة بدأ على الأقل قبل 210 ألف سنة مضت.
ويضيف بريتسكي: "وهذا التكرار في الوجود البشري يشير إلى أن الإنسان لم يكن يمر بالمنطقة مرورا عابرا، بل كان يعود إليها مرارا، ما يعني أن الظروف كانت تسمح بالحياة في أوقات معينة".
وتظهر هذه الأدوات تطورا واضحا عبر الزمن. ففي الفترات الأقدم، استخدم الإنسان أدوات بسيطة نسبيا تعتمد على كسر الحجارة للحصول على شظايا حادة؛ أما في الفترات الأحدث، فقد ظهرت أدوات أكثر دقة وتعقيدا، مثل الشفرات الصغيرة المصقولة، ما يدل على تطور في المهارات والتقنيات.
وحسب الباحث، فإن هذا التغير في شكل الأدوات لا يعكس فقط تقدما تقنيا، بل يشير أيضا إلى تغير في سلوك الإنسان وقدرته على التكيف مع البيئة المحيطة، سواء من حيث طرق الصيد أو استغلال الموارد.
وفي الوقت نفسه، أظهرت التحليلات البيئية أن فترات وجود الإنسان في الموقع تزامنت مع فترات كانت فيها المنطقة أكثر رطوبة مما هي عليه اليوم. فبدلا من الصحراء الجافة، كانت هناك مصادر مياه مثل بحيرات صغيرة أو أنهار موسمية أو ينابيع، وهو ما وفر بيئة مناسبة للحياة.
كما تشير الدراسة إلى أن شبه الجزيرة العربية لم تكن صحراء قاحلة بشكل دائم، بل كانت تمر بفترات تصبح فيها صالحة للسكن. كما تظهر النتائج أن الإنسان لم يكن مجرد متأثر بالبيئة، بل كان قادرا على التكيف معها، فيتحرك عندما تسوء الظروف، ويستقر عندما تتحسن. وهذا ما يعرف بالاستيطان المرن، أي أن وجود الإنسان لم يكن ثابتا، بل مرتبطا بتغير المناخ وتوفر الموارد.
ويرى بريتسكي أن هذه النتائج تحمل أهمية خاصة لفهم كيفية انتشار الإنسان العاقل خارج أفريقيا. "فالفترة بين 70 ألفا و50 ألف سنة تعد مرحلة مفصلية في هجرة البشر إلى بقية أنحاء العالم". وتشير الدراسة إلى أن جنوب شبه الجزيرة العربية ربما كان أحد الممرات الرئيسية التي عبر منها الإنسان في رحلته نحو آسيا وأوروبا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة