لم يعد القطب المغناطيسي الشمالي في مكانه الذي اعتادته الخرائط عقودا. فوفق أحدث النماذج الجيوفيزيائية الدولية، واصل القطب انجرافه المتسارع نحو سيبيريا، ودخل رسميا في عام 2025 نطاقا جغرافيا لم يسجل له مثيل من قبل، في تحوّل غير مرئي للعين لكنه بالغ الأثر على عالم يعتمد على الدقة.
هذا التغير، الذي أكدته النسخة الجديدة من "النموذج المغناطيسي العالمي" (WMM2025) المطور من قبل "الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي" (NOAA) و"هيئة المسح الجيولوجي البريطانية" (BGS)، لا يعني انقلابا في أقطاب الأرض، لكنه يفرض إعادة معايرة فورية لأنظمة الطيران والملاحة البحرية والأقمار الصناعية، وحتى البنى الدفاعية والتقنية الدقيقة.
تشير البيانات إلى أن القطب المغناطيسي الشمالي بات اليوم أقرب إلى روسيا منه إلى كندا، بعد أن قطع أكثر من 2200 كيلومتر منذ بدء القياسات المنتظمة في القرن التاسع عشر.
وبين عامي 1990 و2020 بلغت سرعة انجرافه ذروتها بنحو 60 كيلومترا سنويا، قبل أن تتباطأ حاليا إلى نحو 35 كيلومترا سنويا، وهي سرعة ما تزال أعلى بكثير من المعدلات التاريخية.
هذا الانجراف سببه تغيرات عميقة في تدفقات الحديد السائل داخل لب الأرض الخارجي، على عمق يقارب 2900 كيلومتر من سطح الأرض، حيث يتولد المجال المغناطيسي للأرض ويُعرف بـ"الدينامو الجيولوجي"، إذ تتحرك كتل ضخمة من الحديد والنيكل المنصهرين بفعل الحرارة ودوران الأرض.
هذه الحركات تولِّد تيارات كهربائية هائلة، تنشئ بدورها المجال المغناطيسي الذي يحمي الأرض ويوجّه البوصلات.
اعتمد العلماء على بيانات أقمار صناعية متخصصة مثل "سوارم" (Swarm) و"شامب" (CHAMP) تقيس شدة واتجاه المجال المغناطيسي بدقة عالية، ثم تدمج هذه البيانات في نماذج رياضية متقدمة تحدث كل خمس سنوات. وقد استدعى التسارع غير المتوقع في حركة القطب إصدار تصحيح طارئ خارج الجدول عام 2019، في سابقة تعكس حساسية الأنظمة الحديثة لأي انحراف مغناطيسي.
وأما الأثر العملي المباشر فأظهر بأن زاوية الانحراف بين "الشمال الحقيقي الجغرافي" و"الشمال المغناطيسي" تتغير مع الزمن، وفي بعض مناطق ألاسكا تجاوز التغير 10 درجات في عقدين فقط، مما قد يسبب أخطاء خطيرة في الملاحة إن لم تحدث الأنظمة باستمرار، كما تتوسع مناطق "العمى المغناطيسي" قرب القطبين، حيث تصبح البوصلة عديمة الجدوى.
تمر الشمس كل 11 سنة في دورة نشاط شمسي تظهر فيها البقع الشمسية وتختفي، وينقلب بسببها اتجاه مجال الشمس المغناطيسي، لكن رغم تزامن الخبر مع ذروة غير متوقعة نسبيا في الدورة الشمسية رقم 25، يؤكد العلماء أن انجراف القطب المغناطيسي ليس سببه النشاط الشمسي، فالشمس تؤثر أساسا في الطقس الفضائي والعواصف المغناطيسية المؤقتة، بينما حركة القطب ناتجة عن عمليات داخلية عميقة في لب الأرض.
ومع ذلك، فإن النشاط الشمسي القوي قد يزيد من تعقيد المشهد مؤقتا عبر تشويش الإشارات والأنظمة المعتمدة على المجال المغناطيسي.
يؤكد الباحثون أن النماذج الحالية لا تشير إلى انقلاب وشيك في أقطاب الأرض، وأنها ظاهرة نادرة تحدث كل مئات آلاف السنين، لكن التسارع والتباطؤ المفاجئَين في حركة القطب يطرحان تساؤلات علمية كبرى حول ما يجري في أعماق الكوكب، ومدى جاهزية البنية التقنية العالمية لمواكبة عالم مغناطيسي متغير.
في النهاية يذكّرنا انجراف القطب المغناطيسي الشمالي بأن الأرض ليست مسرحا ثابتا نعيش فوقه، بل هي كيان حيّ يتحرك ويتغيّر في أعماقه ببطء لا نشعر به، لكن آثاره تمتد إلى كل تقنية نعتمد عليها.
وبينما نعيد ضبط بوصلات الطائرات والأقمار الصناعية، نعيد في الوقت ذاته اكتشاف حقيقة قديمة: أن فهمنا للكوكب لا يكتمل عند سطحه، وأن التقدّم العلمي ليس ترفا معرفيا، بل ضرورة لحياة آمنة في عالم يتغيّر حتى من تحت أقدامنا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة