مسعد والبرهان: للحدث أكثر من صورة
تقرير: شوقي عبد العظيم
جدل كثيف اكتنف مواقع التواصل الاجتماعي بمجرد أن أطلق كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، منشورًا على منصة «إكس»، أشار فيه إلى مأدبة غداء جمعته بالقائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في وجود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في منطقة العلمين يوم الأحد الماضي. والحقيقة أن الجدل انتقل سريعًا من «السوشيال ميديا» إلى وسائل الإعلام جميعها.
ولا خلاف على أن ما صرّح به بولس مهم جدًا ومؤهَّل لإثارة الجدل، وبالذات إذا جاء مقرونًا بالأحداث التي سبقته، وهذا ما سوف نتتبعه تفصيلًا.
قبل ذلك، من المفيد الإشارة إلى أن منشور كبير المستشارين كُتب بعناية فائقة ودقة في استخدام العبارات، التي يكشف تحليلها الكثير، أو على الأقل يترك الأفق مفتوحًا أمام الجدل الذي أشرنا إليه سابقًا.
الممانعة والرفض: البرهان القائد
في اللحظات الأولى للمنشور، أطبق صمت مريب على دعاة الحرب من أنصار النظام القديم وداعميهم على مواقع التواصل الاجتماعي – «البلابسة» – لأن المنشور يهدم ركنًا مهمًا من أركان صورة القائد البرهان: قائد الحرب، وقائد الممانعة، وقائد رفض الحلول التفاوضية، ومن ثم رفض الهدنة المفضية إلى إنهاء الحرب.
وهذا تحديدًا يفسر الإنكار المستمر لمثل هذه اللقاءات. فمنذ اللقاء الأول الذي جمع البرهان ومسعد بولس في سويسرا في أغسطس 2025، استخدم دعاة الحرب أسلوبًا واحدًا يبدأ بالتشكيك في اللقاء، ثم التقليل منه. وهذه السياسة مدعومة من حكومة الجيش التي لا تنفي ولا تؤكد الحدث، وتكتفي بعبارات التعبئة المعتادة التي يطلقها البرهان في مناسبات عامة، كما حدث في أمري أمس الأول، عندما خطب في حشد من الناس قائلًا: «لا قاعدين نتكلم مع زول ولا قاعدين نفاوض زول، وح نقتلع التمرد من جذوره».
غير أن ما كتبه بولس أربك المنهج نوعًا ما، لذا كان لا بد من ترتيبات جديدة للإبقاء على صورة الممانعة المرتبطة بقائد الجيش البرهان، الذي لن يتنازل عن وعده للسودانيين بالقضاء على المتمردين من عناصر قوات الدعم السريع، تعويضًا للدمار الذي لحق بحياتهم جراء الحرب التي تمسك باستمرارها.
وفي أقصى درجات التقليل من اللقاء، انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي وفي المواقع الإلكترونية الداعمة للحرب أن البرهان وبولس جمعتهما طاولة غداء بدعوة من الرئيس السيسي، ولكن لم يكن هناك كلام ولا حديث بينهما، ولا يحزنون، وأن ما كتبه مسعد بولس تعبير عن سعادته برؤية البرهان من بعيد خلال حفل الغداء، لا أكثر. ولا يعلم أحد إن كان الرأي العام السوداني قد اشترى من هؤلاء هذا التبسيط أم لا.
لماذا الجدل؟ هل تنازل البرهان؟
أن يتحدث مسعد بولس عن لقائه بالفريق البرهان، ولو عابرًا كما أراد دعاة الحرب، في حد ذاته أمر يجب الوقوف عنده، ويحمل دلالات مختلفة، لجهة أن موقف مسعد والإدارة الأمريكية من البرهان وحكومته لا يزال جديدًا.
ومعلوم أن إدارة ترامب رفضت منح البرهان تأشيرة دخول إلى أمريكا لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، وظلت تعلن خلال أيام الجمعية أنها لا تعترف بشرعية البرهان وحكومته، وتتعامل معها على أنها حكومة أمر واقع، لا أكثر ولا أقل. ومن روّج لهذا الموقف مسعد نفسه، صاحب المنشور.
والتحول الذي يمكن رصده بسهولة في مكتوب مسعد لا يقابله أي ضغوط مارسها البرهان ونظامه على الإدارة الأمريكية تستوجب هذا التحول. وتظل الفرضية الوحيدة المنطقية أن ثمة تنازلات تمت من قبل البرهان، قابلها الموقف الجديد منه الذي عبّر عنه منشور بولس.
وهذا تحديدًا سر الجدل الخفي، لأن كل طرف أراد أن ينظر إلى الواقعة من الزاوية التي تخدم أجندته، وإن لم تكن تقول الحقيقة.
لغة الخطاب
كما أشرنا سابقًا، لا يمكن أن يعبِّر مسعد بولس عن سعادته برؤية البرهان دون أن يكون هناك حدث يستوجب هذه السعادة. وهذه هي الملاحظة الأولى في المنشور المثير للجدل، ويسندها منطق الدبلوماسية والعلاقات الدولية التي لا تستخدم فيها عبارات الترحيب والسعادة اعتباطًا.
وقطعًا، العلاقة بين البرهان ومسعد ليست علاقة شخصية ولا علاقة عاطفية، وما يؤكد ذلك ما جاء بعد المقدمة المحشوة بالمجاملات الدبلوماسية المتعمدة، والغموض وعدم الإفصاح عن سر السعادة أو تفاصيل ما جاء في اللقاء، من حديث مباشر عن موقف الولايات المتحدة من الحرب في السودان.
حيث قال مسعد: «وفي هذا السياق، جددت التأكيد على موقف الولايات المتحدة الثابت الداعم للشعب السوداني، والمؤيد للحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، والتأكيد مجددًا على استمرار جهود الولايات المتحدة، بالتعاون مع الشركاء المصريين والإقليميين والدوليين، للدفع نحو حل سياسي للأزمة والمساهمة في إنهاء الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية».
وهذا يشير بوضوح إلى أن اللقاء ارتبط بالقضية السودانية، مما دفع مسعد إلى تجديد موقف بلاده، بحسب ما جاء في المنشور.
ولكن الأهم ما لاحظه معظم من اطلعوا على المنشور، وهو وصف بولس للبرهان بـ«رئيس مجلس السيادة الانتقالي». وكما أشرنا، كان قبل أيام قليلة، في لقاء تلفزيوني، يصفه بـ«رئيس الجيش» أو قائد الجيش، وقال إنهم لا يعترفون به رئيسًا شرعيًا، وأنهم يلتقون به من باب حكومة الأمر الواقع، غير أنه بدّل موقفه بأن يصفه بـ«رئيس المجلس السيادي الانتقالي»، وهذا ما يشير إلى تغير في الموقف. ومعلوم أن تغيير المواقف لن يكون من طرف واحد، ولا يكون مجانًا.
القائم بالأعمال وبولس
قبل مأدبة الغداء أو لقاء البرهان وبولس، راج أن لقاءً سيتم. تحدثت إلى أحد الزملاء الصحفيين مستفسرًا إن كان لي علم باللقاء، وإن لم يكن، طلب مني التواصل مع المصادر الخاصة للتأكيد أو النفي.
وبالفعل، تواصلت مع عدد من المصادر. الأول نفى علمه باللقاء، ولكنه قال إن القائم بالأعمال الأمريكي في السودان، جوناثان هوارد، سيصل إلى القاهرة في ذات التوقيت الذي سيصل فيه الفريق البرهان.
سألته: هل سيلتقي بالبرهان؟ تردد في الإجابة، ومارس الطريقة الدبلوماسية في الرد، وقال: «لم يتم تنويرنا بذلك».
كان سؤالي التالي: هل سيحضر مسعد إلى القاهرة؟
كان رده: «لا أعلم إن كان سيحضر أم لا». ولكن القول الفصل كان لدى المصدر الثاني، الذي أكد حضور القائم بالأعمال إلى القاهرة.
ولكن ماذا عن مسعد بولس؟ وهل سيحضر إلى القاهرة في الوقت الذي سيحضر فيه البرهان؟.
في الحقيقة، كانت إجابته مدهشة، فقال: «بولس لن يحضر لأنه موجود مسبقًا بالعلمين، مشاركًا في لقاءات أفريقية مع القيادة المصرية تتعلق بالاقتصاد في القارة».
سألته: هل مخطط أن يلتقي البرهان؟
أجاب بطريقة أكثر دبلوماسية من المصدر الأول، وقال: «العلمين منطقة محصورة، ومن الوارد جدًا أن يلتقيا».
كان غرض كل هذا البحث والتقصي أن نكتب خبرًا مسبقًا حول لقاء البرهان ومسعد، ولكن في ظل عدم الإفصاح بات من الصعب التأكيد، ولم يكن في الوقت متسع.
بعد هذا البحث بساعات معدودة، خرج منشور مسعد إلى العلن وكشف جزءًا كبيرًا من الحقيقة، والجميع في انتظار ما تبقى، وهذا ما سيتكشَّف قريبًا.
رد البرهان: مجلس الأمن والدفاع يقرر
كما جرت العادة، تحيّن البرهان فرصة لقاء جماهيري للحفاظ على صورة الممانع بعد منشور مسعد. اللقاء كان هذه المرة في أمري بالولاية الشمالية.
وقبل أن نورد تفاصيل الرد، من المهم الإشارة إلى أن البرهان برع جدًا في تقديم خطاب حمّال أوجه للرأي العام، سواء كان المحلي أو العالمي، للدرجة التي يمكن لكل مجموعة أن تأخذ ما تريد من الخطاب وتدعي أنه يتماشى مع موقفها.
والهدف من هذه الطريقة تجنُّب المواجهة مع الرأي العام المحلي والعالمي أطول فترة ممكنة، وهذا ما يعرف اختصارًا بـ«شراء الوقت».
وفعلًا، في أول ظهور له، أعاد البرهان خطاب التعبئة المتكرر منذ اليوم الأول للحرب، بأنه لن يفاوض ولن يقبل بهدنة، وأنه سوف يقتلع المتمردين من جماعة الدعم السريع من جذورهم ويطهر أرض السودان منهم.
ولن ينتهي خطاب البرهان عند هذه النقطة قبل أن يضيف الفقرة التي تجعل منه حمّال أوجه ومربكًا، لذلك قال: «قرار التفاوض أو الهدنة ليس بمزاج البرهان أو مناوي، ولكن قرار مجلس الأمن والدفاع».
وذكر كلامًا يفيد بأن الدولة التي يجلس على رأسها دولة مؤسسات، وهم يحترمون هذه المؤسسات، حتى يفهم من يريد أن يفهم أن قرار الهدنة، حال تمت إجازته من مجلس الأمن والدفاع، سيقبل به البرهان ومناوي.
ورطة البرهان.. ورطة الجيش
منذ اللحظة الأولى للحرب، تنازل الجيش عن خطاب الحرب لصالح الإسلاميين. وفي واقع الأمر، هذا ما أرادوه تحديدًا، ووفر لهم فرصة الظهور في موقف المنقذ للسودانيين من صنيعتهم؛ الدعم السريع.
وأكثر من ذلك، إظهار الآخرين خائنين ومناصرين للدعم السريع ضد السودانيين. ولكن ما لم يضعه الجيش في الحسبان أنهم بعد أن ساد خطابهم، يصعب على الجيش الذي صمت تصدير خطاب مخالف.
ولو فعل، سيخسر كثيرًا من سمعته بسبب مواجهته الإسلاميين وخطابهم من جهة، وبسبب اكتشاف حقيقة الخطاب من قبل كثير من المؤيدين للحرب، وفقًا لخطاب الإسلاميين.
حادثة العلمين ولقاء مأدبة الغداء كشفا هذه الورطة التي يعيش فيها الفريق البرهان والجيش على حد سواء، في ظل وجود مستشارين تتضارب مواقفهم في كثير من الأحيان، وتتقاصر خبرتهم وتدريبهم عن الخروج من مأزق خطاب الإسلاميين الذي يصور إيقاف الحرب التي تقتل السودانيين وتشردهم خيانة.
ديسمبر