آخر الأخبار

قيادي منشق عن الدعم يطرح شروط مشاركة الإسلاميين في مستقبل السودان - المشهد السوداني

شارك

طرح القيادي المنشق عن قوات الدعم السريع، فارس النور، من السعودية، رؤية سياسية تتضمن شروطًا لعودة الإسلاميين إلى الحياة السياسية في السودان، داعيًا إلى فك ارتباطهم التنظيمي بمؤسسات الدولة والقوات النظامية والخدمة المدنية، مقابل إنهاء ما وصفه بالاجتثاث الجماعي وضمان حقهم في التنظيم والمنافسة الديمقراطية على قدم المساواة مع بقية القوى السياسية.

وقال النور، في مقال نشرته صحيفة الشرق الأوسط السعودية، إن الإسلاميين، بعد ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ وما ارتبط بتلك الفترة من اتهامات بالفساد والانتهاكات وتسييس مؤسسات الدولة، ينبغي أن يعودوا إلى العمل السياسي ضمن دولة مدنية وقواعد ديمقراطية واضحة.

ويرى أن هذه العودة يجب أن تستند إلى قانون للأحزاب يقوم على مبدأ المواطنة، بحيث لا يسمح بتأسيس أحزاب على أساس ديني يمنحها ادعاءً بامتلاك شرعية دينية في مواجهة منافسيها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حق أصحاب المرجعيات الإسلامية في المشاركة السياسية، شأنهم شأن بقية المواطنين، وفق الدستور وقواعد الديمقراطية.

وشدد النور على أن المسؤولية عن الجرائم يجب أن تكون فردية وقضائية، لا أن تُحمّل لجماعة بأكملها بسبب انتمائها السياسي، محددًا معادلة المشاركة السياسية للإسلاميين في الخروج من الدولة العميقة والقبول بقواعد الدولة المدنية، مقابل إنهاء الإقصاء الجماعي وفتح الطريق أمام عودتهم الطبيعية إلى السياسة.

وفي رؤيته بشأن المؤسسة العسكرية، اعتبر النور أن تفكيك الجيش السوداني لا يخدم مصلحة البلاد، لكنه شدد في المقابل على أن استمرار الجيش في إدارة الحكم والاقتصاد والسياسة ليس من مصلحته ولا من مصلحة السودان.

واقترح في هذا الإطار مرحلة انتقالية تمتد سبع سنوات، تُحافظ خلالها على وحدة القوات المسلحة، مع منحها دورًا متفقًا عليه داخل مؤسسة رئاسة انتقالية محدودة الصلاحيات، بينما تتولى حكومة مدنية إدارة شؤون الدولة والاقتصاد والخدمات وملف الإعمار.

وبحسب التصور الذي طرحه، يفترض أن يشهد الدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية تراجعًا تدريجيًا طوال السنوات السبع، وصولًا إلى عودتها الكاملة إلى وظيفتها الدستورية والمهنية. ويلخص النور هذه المعادلة في حماية المؤسسة العسكرية مقابل خروجها النهائي من العمل السياسي.

تسوية سودانية كبرى
وفي مقال حمل عنوان «السودان والتسوية… كيف يربح الجميع من السلام؟»، دعا النور إلى إعادة صياغة السؤال الذي يحكم الصراع السوداني بعد سنوات من الحرب والاستقطاب. فبدل أن يبحث كل طرف عن الوسيلة التي تمكنه من هزيمة خصمه، يرى أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعرفة كيفية تحقيق مكاسب من السلام تفوق ما يمكن لأي طرف أن يحققه عبر الحرب.

ويصف النور الوضع السوداني بتعبير شعبي مستوحى من «جلابية (مشمشه)» كثرت فيها الرقع، بحيث يؤدي إصلاح جانب إلى ظهور خلل في جانب آخر. ويستشهد في ذلك بسلسلة من الانقلابات واتفاقات السلام والتسويات التي أوقفت أزمات أو حروبًا، لكنها فتحت في المقابل الطريق أمام أزمات وصراعات جديدة، أو دفعت أطرافًا مستبعدة إلى حمل السلاح وتعطيل مؤسسات الدولة.

ومن هذا المنطلق، يرى أن السودان لا يحتاج إلى إضافة «رقعة» جديدة إلى أزماته، وإنما إلى إعادة نسج بنيان الدولة على أسس مختلفة.

ويؤكد أن الدعوة إلى التسوية ليست محاولة لتجاوز الجرائم أو منح حصانات، وإنما تستند إلى قراءة للواقع الذي وصلت إليه البلاد، حيث تتداخل أدوار القوات المسلحة والدعم السريع والحركات المسلحة والإسلاميين والقوى المدنية، بينما يبدو إلغاء أي طرف للآخر بالقوة أمرًا بالغ الكلفة على السودان.

واقترح النور عقد «مؤتمر للتسوية السودانية الكبرى»، على ألا ينحصر هدفه في التفاوض حول توزيع الوزارات والمناصب، بل أن يضع أمام كل طرف ثلاثة أسئلة رئيسية تتعلق بمأزقه، والضمانات التي يحتاج إليها للخروج منه، والتنازل التاريخي الذي يمكن أن يقدمه للسودان في المقابل.

ويرى أن أساس التسوية يجب أن يقوم على مبدأ واضح: يحصل كل طرف على ضمانة، ويقدم مقابلها تنازلًا تاريخيًا، مع التأكيد على عدم منح حصانة لأي جريمة يثبتها القضاء.

الإسلاميون والدولة المدنية
وفي ما يتعلق بالإسلاميين، أعاد النور التأكيد على أن مشاركتهم المستقبلية في الحياة السياسية يجب أن ترتبط بفك أي صلة تنظيمية لهم بمؤسسات الدولة والقوات النظامية والخدمة المدنية، باعتبار أن حكم الإنقاذ استمر ثلاثة عقود وخلف اتهامات بالفساد والانتهاكات وتسييس المؤسسات.

وفي المقابل، يرى أن من الضروري إنهاء الاجتثاث الجماعي وضمان حق الإسلاميين، مثل غيرهم، في التنظيم والمنافسة السياسية الديمقراطية.

ويشترط النور أن تتم هذه العودة في إطار دولة مدنية وقانون أحزاب يستند إلى المواطنة، ولا يسمح بقيام أحزاب دينية تمنح نفسها ادعاء الشرعية الدينية في مواجهة الخصوم السياسيين، مع عدم المساس بحق أصحاب المرجعيات الإسلامية في المشاركة السياسية وفق الدستور والديمقراطية.

ويؤكد مجددًا أن الجرائم يجب أن تُحاسب على أساس المسؤولية الفردية والقضائية، لا بناءً على الانتماء السياسي، معتبرًا أن المعادلة المطلوبة هي خروج الإسلاميين من الدولة العميقة وقبولهم بقواعد الدولة المدنية مقابل عودتهم الطبيعية إلى المجال السياسي.

الجيش والدعم السريع
وعن الجيش، يكرر النور أن السودان ليس من مصلحته تفكيك قواته المسلحة، كما أن استمرار المؤسسة العسكرية في تحمل مسؤوليات الحكم والاقتصاد والسياسة لا يمثل خيارًا مناسبًا للبلاد.

ويطرح لذلك مرحلة انتقالية مدتها سبع سنوات، تحافظ على وحدة القوات المسلحة وتمنحها دورًا متفقًا عليه في مؤسسة رئاسة انتقالية ذات صلاحيات محدودة، في حين تتولى حكومة مدنية إدارة الدولة والاقتصاد والخدمات والإعمار.

وخلال المرحلة نفسها، ينبغي، وفق رؤيته، تقليص الحضور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية بصورة تدريجية وفق مسار يقودها في النهاية إلى أداء دورها الدستوري والمهني فقط.

أما قوات الدعم السريع، فيرى النور أنه لا يمكن التعامل مع بقائها كجيش مستقل إلى أجل غير محدد، لكنه في الوقت نفسه لا يرى أن توقيع اتفاق سلام سيؤدي تلقائيًا إلى اختفاء عشرات الآلاف من المقاتلين.

ويقترح أن يكون الحل عبر عملية شاملة لإصلاح القطاع الأمني يشارك فيها جميع الأطراف، وتضم الدمج والتسريح وإعادة التأهيل، وصولًا إلى تأسيس مؤسسة عسكرية قومية ومهنية واحدة.

اتفاقات السلام وحقوق المناطق المتأثرة بالحرب
ويرى النور أن أي تسوية سياسية مطالبة كذلك بمراعاة الحقوق والاستحقاقات السياسية التي نتجت عن اتفاقات السلام والتفاهمات السابقة، حتى لا يشعر أي طرف بأن انتقاله من السلاح إلى الدولة يعني خسارة المكاسب التي حققها عبر مسارات السلام.

ويطرح تحويل هذه الاستحقاقات بصورة تدريجية إلى مشاركة سياسية مدنية تحكمها قواعد الدستور والانتخابات، مع الحفاظ على حقوق المناطق التي تضررت من الحروب واستحقاقاتها في التنمية والمشاركة العادلة.

لكن النور يشدد على أن النتيجة النهائية التي ينبغي الوصول إليها لا تقبل المساومة، وتتمثل في دولة واحدة وجيش واحد وقيادة واحدة وسلاح شرعي واحد.

القوى المدنية ومخاطر الانتقال الفوري
ويضع النور القوى المدنية، التي يصفها بأنها صاحبة المصلحة الأكبر في الدولة المدنية، أمام مسؤولية التعامل مع واقع تشكل عبر عقود من الحكم العسكري والحرب وتعدد الجيوش وشبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

ويعتبر أن الانتقال من هذا الواقع إلى حكم مدني كامل ومستقر لن يتحقق بمجرد اتفاق سياسي أو ضغط دولي، داعيًا إلى قبول التدرج في استعادة الحكم المدني، باعتباره طريقًا واقعيًا للوصول إلى الديمقراطية وحمايتها، وليس تراجعًا عنها.

ويحذر من أن الإصرار على قيام حكم مدني كامل وفوري مع إقصاء العسكريين والإسلاميين، في ظل تعدد الجيوش واستمرار الحرب وشبكات النفوذ داخل الدولة، قد يؤدي إلى إفشال التجربة المدنية قبل أن تبدأ.

وبحسب تصوره، تتولى القوى المدنية الجهاز التنفيذي والاقتصاد والخدمات والإعمار، بينما يتراجع الدور العسكري تدريجيًا وفق جدول دستوري ملزم.

وفي الوقت نفسه، يرفض النور احتكار أي من «صمود» أو «تأسيس» أو الكتلة الديمقراطية أو غيرها للشرعية السياسية دون تفويض انتخابي حديث، داعيًا إلى تشكيل حكومة انتقالية واسعة بدلًا من حكومة تمثل معسكرًا واحدًا.

ويلخص هذه الرؤية بالقول إن المطلوب هو قيادة عملية استعادة الدولة المدنية، في مقابل قبول التدرج والتعدد ورفض احتكار الشرعية.

سبع سنوات لإعادة تأسيس الدولة
ويرى النور أن السنوات السبع المقترحة للمرحلة الانتقالية يجب ألا تكون مجرد فترة انتظار لإجراء الانتخابات، وإنما مشروعًا متكاملًا لإعادة تأسيس السودان.

ويشمل هذا المشروع، بحسب رؤيته، وقف الحرب وتوحيد الجيش وإصلاح مؤسسات الدولة وإعادة النازحين واللاجئين ومعالجة قضايا الأراضي وبناء نظام حكم فيدرالي، إلى جانب إعداد دستور دائم وإجراء انتخابات حقيقية.

ويربط نجاح هذه العملية بوجود مشروع دولي وإقليمي واسع لإعمار السودان، بمشاركة دول الجوار والمجتمع الدولي، وخصوصًا دول الخليج، للمساهمة في إعادة بناء البنية التحتية والخدمات والمدن التي دمرتها الحرب، إلى جانب توفير فرص العمل.

ويحذر من أن السلام الذي لا ينعكس على حياة المواطنين بصورة ملموسة قد يفقد شرعيته في وقت سريع.

العدالة والانتخابات
وفي ملف العدالة والانتخابات، يحدد النور ثلاث قواعد يرى أنها ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة: عدم تحميل المسؤولية بصورة جماعية، وعدم ملاحقة الأشخاص بسبب انتمائهم السياسي، وعدم منح حصانة لأي جريمة يثبتها القضاء.

وبعد انتهاء السنوات السبع الانتقالية، يقترح إجراء انتخابات حرة، تعقبها دورة دستورية أولى تمتد خمس سنوات، مع الحفاظ خلالها على قدر من التوافق بشأن القضايا السيادية الكبرى، تفاديًا لتحول أول انتخابات بعد الحرب إلى جولة جديدة من الصراع.

وبعد تلك المرحلة، يرى أن جميع الاستثناءات والامتيازات ينبغي أن تنتهي، ليصبح صندوق الانتخابات الطريق الطبيعي والوحيد للوصول إلى السلطة.

صفقة تاريخية لإنهاء الصراع
ويضع النور في ختام تصوره ما يسميه «الصفقة التاريخية»، ومضمونها أن يتخلى الإسلاميون عن الدولة العميقة ويقبلوا بقواعد الدولة المدنية، بينما يتخلى الجيش عن الحكم، وتتخلى قوات الدعم السريع والحركات المسلحة عن فكرة الجيوش المستقلة، في حين تتخلى القوى المدنية عن احتكار الشرعية وعن تصور الانتقال المدني الفوري المنفصل عن تعقيدات الواقع السوداني.

وفي مقابل هذه التنازلات، يرى أن يحصل جميع الأطراف على موقع مشروع وآمن داخل دولة واحدة، بينما يحصل الشعب السوداني على الضمانة الأهم، وهي السلام والدولة الواحدة والجيش الواحد والإعمار، وصولًا إلى انتخابات يختار عبرها السودانيون من يحكم البلاد.

وبهذه الصيغة، يدعو النور إلى الانتقال من سؤال «من يهزم من؟» إلى سؤال آخر يتمحور حول كيفية تحقيق السلام ومكاسب الجميع من إنهاء الحرب.

ويخلص إلى أن السودان لا يحتاج إلى منتصر جديد يفرض إرادته على الطرف المهزوم، وإنما إلى رجال دولة يمتلكون شجاعة تقديم التنازلات التاريخية وقيادة مجتمعاتهم نحو السلام.

ويرى أن الانتصار الحقيقي الذي يستحقه السودان يتمثل في انتصار الدولة على الحرب، والشراكة على الإقصاء، ومنطق رجال الدولة القادرين على قيادة المجتمع نحو السلام على منطق المعسكرات وحسابات المصالح الضيقة.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط السعودية.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا