تشير بيانات أممية إلى أن النساء والفتيات يشكلن أكثر من 53% من إجمال النازحين، مما يعكس حجم العبء الذي تتحمله المرأة في ظل ظروف الحرب.
“لم يكن قرار الطلاق سهلاً لكن بات خياري الوحيد”، هكذا قالت كوثر بشارة، وهي سيدة ثلاثينية نزحت من الخرطوم إلى إحدى ولايات الشرق بعد شهرين من اندلاع الحرب في العاصمة. وأضافت “عشت مع زوجي أعواماً من الاستقرار النسبي، قبل أن تتغير ملامح حياتنا بالكامل مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان مصادر الدخل بسبب الحرب اللعينة”، وأردفت “كنا نختلف حول أبسط الأشياء، مصاريف الطعام، وإيجار المنزل، وحتى حاجات الأطفال. لم يعد هناك ما يكفي للجميع، ومع انتقالنا إلى مدينة جديدة تضاعفت الضغوط، إذ وجد زوجي نفسه عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من الحاجات اليومية، وهو ما اضطرني إلى تحمل أعباء إضافية”.
وواصلت “من المؤسف أن الخلافات اليومية تحولت إلى حال من التوتر المستمر، انعكست على الأطفال وأثرت في استقرار الأسرة، في ظل هذا الوضع المتأزم واستحالة استمرار العلاقة بيننا لجأت إلى الخلع، فهو لم يكن بسبب خلاف واحد، بل نتيجة تراكمات طويلة من الضغوط”.
وختمت بشارة حديثها بأن “ الحرب لم تدمر المدن فحسب، بل أعادت تشكيل العلاقات داخل البيوت، فحين يصبح العجز واقعاً يومياً، تتآكل الروابط تدريجاً”.
مع تصاعد وتيرة الحرب برز العامل الاقتصادي كأحد أبرز أسباب تفكك الأسر في السودان ، إذ فقد آلاف الرجال وظائفهم أو مصادر دخلهم، خصوصاً في العاصمة الخرطوم التي شهدت توقفاً شبه كامل للنشاط الاقتصادي.
ووفق إحصاءات حديثة صادرة من السلطة القضائية، فإن نحو 35 ألف حالة طلاق سجلت منذ اندلاع الحرب، تصدرت فيها ولاية الخرطوم القائمة، تلتها الجزيرة ثم ولايات دارفور، وارتفعت طلبات النفقة والخلع في الولايات التي استقبلت النازحين، مثل نهر النيل والبحر الأحمر وكسلا.
ويرى الباحث الاقتصادي والاجتماعي أحمد عبداللطيف أن “الانهيار الاقتصادي المفاجئ خلق فجوة حادة بين الالتزامات الأسرية والقدرة على الوفاء بها”، موضحاً أن فقدان الوظائف وارتفاع كلفة المعيشة أسهما في زيادة التوتر داخل الأسر.
وتابع عبداللطيف أن “الأسرة السودانية تقليدياً تقوم على دور اقتصادي واضح للرجل، وعندما يتعرض هذا الدور للاهتزاز، تتأثر بنية العلاقة الزوجية”، مشيراً إلى أن النزوح الداخلي فاقم الأزمة، إذ اضطرت الأسر إلى الانتقال إلى مناطق ذات كلفة معيشة أعلى، مع محدودية فرص العمل.
وأكد أن الحلول تتطلب تدخلات عاجلة، تشمل دعم سبل كسب العيش، وتوفير برامج حماية اجتماعية تستهدف الأسر المتضررة، إضافة إلى تعزيز الوعي بإدارة الموارد المحدودة داخل الأسرة.
وحذر الباحث الاقتصادي والاجتماعي من أن استمرار الأزمة الاقتصادية من دون معالجات جذرية، لأنها من دون أدنى شك ستؤدي إلى مزيد من التفكك الأسري، مع انعكاسات طويلة الأمد على الأطفال والاستقرار المجتمعي.
أدى النزوح الجماعي إلى تغيير جذري في بنية الأسرة السودانية، إذ وجدت آلاف الأسر نفسها موزعة بين ولايات مختلفة أو حتى خارج البلاد، مما أضعف الروابط اليومية بين الأزواج.
وتشير بيانات أممية إلى أن النساء والفتيات يشكلن أكثر من 53 في المئة من إجمال النازحين، مما يعكس حجم العبء الذي تتحمله المرأة في ظل هذه الظروف.
وتوضح الباحثة الاجتماعية مها عبدالهادي أن “النزوح لا يعني فقط فقدان المنزل، بل فقدان شبكة الدعم الاجتماعي التي كانت تحيط بالأسرة”، مشيرة إلى أن البعد الجغرافي بين أفراد الأسرة يؤدي إلى تآكل العلاقة تدريجاً.
واستطردت عبدالهادي أن “كثيراً من حالات الطلاق ارتبطت بانفصال الأزواج قسرياً، سواء بسبب البحث عن العمل في ولايات أخرى أو الهجرة خارج البلاد، مما خلق فجوة في التواصل والثقة”.
وأشارت إلى أن النساء في مراكز الإيواء يواجهن ضغوطاً مضاعفة، إذ يتحملن مسؤوليات جديدة في بيئات غير مستقرة، مما يزيد من احتمالات النزاعات الأسرية.
وترى الباحثة الاجتماعية أن “الحل يكمن في توفير مراكز دعم نفسي واجتماعي للنازحين، إضافة إلى برامج تعزز استقرار الأسر وتساعدها على التكيف مع الظروف الجديدة”.
فرضت الحرب واقعاً جديداً داخل الأسرة، إذ اضطرت كثير من النساء إلى الخروج لسوق العمل أو تحمل مسؤوليات مالية مباشرة، في ظل غياب أو ضعف دور المعيل الأساس. وتشير تقارير دولية إلى أن نحو مليون امرأة نازحة أصبحن معيلات لأسرهن بصورة مفاجئة، نتيجة فقدان الأزواج أو تشتتهم.
ويقول المتخصص في علم الاجتماع عادل حامد إن “تغير الأدوار داخل الأسرة قد يكون إيجاباً في بعض الحالات، لكنه في سياق الأزمات الحادة يتحول إلى مصدر صراع”، موضحاً أن التحول المفاجئ في توزيع المسؤوليات يخلق توتراً بين الأزواج.
وأوضح حامد أن “بعض الرجال يجدون صعوبة في تقبل هذا التغيير، خصوصاً في ظل الضغوط النفسية الناتجة من فقدان العمل، مما يؤدي إلى تصاعد الخلافات. والنساء، على رغم تحملهن أعباء إضافية، لا يجدن دائماً الدعم الكافي، سواء من الأسرة أو المجتمع، مما يزيد من شعورهن بالإنهاك”.
ودعا المتخصص في علم الاجتماع إلى “ضرورة تعزيز برامج التمكين الاقتصادي للنساء، إلى جانب حملات توعية تستهدف إعادة تعريف الأدوار داخل الأسرة بصورة أكثر مرونة”.
تزامن ارتفاع معدلات الطلاق مع زيادة في معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي، وفق تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان، الذي أشار إلى أن أكثر من 4.2 مليون امرأة وفتاة يحتجن إلى خدمات حماية عاجلة، ويعكس هذا الواقع تراجع منظومات الحماية التقليدية، سواء داخل الأسرة أو المجتمع.
توضح الناشطة الحقوقية نهى حيدر أن “تفكك الأسرة يضع النساء في مواجهة مباشرة مع أخطار عدة، من بينها العنف والاستغلال وغياب الاستقرار الأسري، مما يزيد من هشاشة أوضاع النساء”.
وزادت حيدر أن “مراكز النزوح تفتقر في كثير من الأحيان إلى آليات حماية فعالة، مما يجعل النساء عرضة لانتهاكات متكررة، خصوصاً في ظل ضعف الرقابة والأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً، إذ يؤدي الطلاق في بيئة النزوح إلى مضاعفة التأثيرات النفسية والاجتماعية عليهم”.
ولفتت الناشطة الحقوقية إلى أن “الحل يتطلب استجابة شاملة، تشمل تعزيز خدمات الحماية، وتوفير الدعم القانوني للنساء، إضافة إلى إدماج قضايا الأسرة ضمن خطط الاستجابة الإنسانية”.
اندبندنت عربية
المصدر:
الراكوبة