مهندس النظم الإنسانية، إسماعيل هجانة لـ(الراكوبة) :
# ما يجري يكشف أن الأزمة أصبحت مرتبطة ببيئة يجري فيها تسييس العمل الإنساني وإخضاعه للاعتبارات الأمنية والعسكرية.
# بورتسودان قد تستخدم ملف التأشيرات بالنسبة للموظفين الدوليين، ككرت ضغط على المنظمات لإخضاعها لقراراتها.
# حكومة بورتسودان منعت الأمم المتحدة سابقاً من فتح مكاتبها في عدد من المناطق الواقعة خارج سيطرتها، ما أثّر بصورة كبيرة على التنسيق والاستجابة الإنسانية وأضعف وجود الأمم المتحدة ودورها المباشر في تلك المناطق.
يهدد الصراع المحتدم بين طرفي الصراع في السودان، العمل الإنساني الذي تقوم به المنظمات بالانهيار، وذلك بعد اشتراط حكومة “تأسيس” على المنظمات الإنسانية التسجيل لديها وافتتاح مقرات لها في مدينة نيالا بدارفور، في المقابل تلقت ذات المنظمات تحذيرات مغلظة من حكومة بورتسودان بعدم التعامل مع سلطات نيالا. وأثار هذا الصراع المخاوف حيال خروج المنظمات من دارفور مما قد يعرض حياة الملايين هناك للخطر.
حول هذا الموضوع تحاور (الراكوبة) مهندس النظم الإنسانية واستراتيجي التحكم في التنفيذ ومؤسس Global Aid HANDs، وصاحب نظرية هجانة للتنفيذ المتحكم في البيئات الهشة، الأستاذ إسماعيل هجانة.
نص الحوار
كيف تنظر لقرار حكومة الجيش بمنع المنظمات الإنسانية من التعامل مع حكومة تأسيس؟
وعندما تتحول بيئة العمل الإنساني إلى ساحة صراع سيادي وإداري وأداة ضغط وصراع سياسي، تصدر مثل هذه القرارات غير المسؤولة التي تدعي السيادة في بلد أصبح يعاني من انقسام وطني حاد، وفيه دستوران وحكومتان من ناحية واقعية. ففي ظل هذه التعقيدات فإن أول من يدفع الثمن هم المدنيون، وليس المؤسسات السياسية أو العسكرية.
المشكلة الأساسية ليست فقط في القرار نفسه، بل في أثره العملي على وصول المساعدات، حركة المنظمات، الشراكات المحلية، عمليات التحويل والتمويل، التصاريح، سلاسل الإمداد، حماية العاملين الإنسانيين، واستمرارية الخدمات الأساسية في مناطق واسعة متأثرة بالحرب.
في البيئات المنقسمة أو الهشة، العمل الإنساني يحتاج إلى قدر عالٍ من المرونة التشغيلية وإيجاد آليات فعالة وواقعية تستجيب لهذه التغييرات الجوهرية على أرض الواقع، ويكون لها القدرة على الاستجابة والتجاوب مع مختلف السلطات الواقعية الموجودة على الأرض لضمان وصول المساعدات للمدنيين أينما كانوا، لأن الاحتياجات الإنسانية لا تتوقف عند خطوط السيطرة العسكرية أو السياسية.
إذا أُدير الملف بمنطق الإغلاق الكامل أو العقوبات الإدارية الواسعة، فقد نشهد تعطّل برامج إنسانية حيوية، وتأخير الاستجابة، وزيادة مخاطر المجاعة والنزوح، وتراجع الخدمات الصحية والحماية، وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية وتعقيدها.
وفي تقديري، أي مقاربة مستدامة يجب أن توازن بين الاعتبارات السياسية والسيادية للحكومات والأمنية من جهة، وبين ضرورة حماية المسار الإنساني وعدم تسييس المساعدات من جهة أخرى، لأن انهيار البيئة الإنسانية ستكون له آثار كارثية طويلة المدى على المدنيين وعلى استقرار السودان نفسه.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن جمعية الهلال الأحمر السوداني نفسها، والتي تحولت بفعل سياسات الأمانة العامة في بورتسودان إلى واحدة من واجهات العمل الأمني والاستخباري وفقاً لأدلة ووقائع موثقة ومتداولة داخل الوسط الإنساني، تم أيضاً تجريف معظم مشروعاتها بصورة واسعة، وأصبحت اليوم تعاني من تراجع كبير في حجم البرامج والمشروعات الإنسانية مقارنة بتاريخها ودورها المعروف.
وهذا يكشف بوضوح أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بمسألة “السيطرة” أو “الولاء” أو حتى طبيعة الجهة الإنسانية نفسها، بل أصبحت مرتبطة ببيئة كاملة يجري فيها تسييس العمل الإنساني وإخضاعه للاعتبارات الأمنية والعسكرية بصورة أضرت حتى بالمؤسسات التي كانت تُعتبر تاريخياً جزءاً من المنظومة المقبولة لدى السلطات.
هذه السياسات في النهاية تُضعف الثقة الدولية في البيئة الإنسانية السودانية ككل، وتخلق حالة خوف وتردد لدى المانحين والمنظمات الدولية، لأن أي مؤسسة إنسانية عندما تفقد استقلاليتها وحيادها أو يُنظر إليها باعتبارها جزءاً من الصراع أو من الأجهزة الأمنية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على التمويل والشراكات والوصول الإنساني، ويقود في النهاية إلى انهيار المساحات الإنسانية التي يعتمد عليها ملايين المدنيين للبقاء على قيد الحياة.
هل تتوقع أن تستجيب المنظمات لتحذيرات بورتسودان وترفض التعامل مع تأسيس؟
ممكن جداً، ووارد أن تستجيب بعض المنظمات لهذه الضغوط، خاصة في ظل التهديدات المباشرة وغير المباشرة التي تتعرض لها المنظمات الدولية والسودانية بصورة مستمرة. هنالك أدوات ضغط فعالة جداً تستخدمها حكومة بورتسودان، من أخطرها ملف التأشيرات بالنسبة للموظفين الدوليين، سواء عبر رفض منح التأشيرات، أو إلغائها، أو تصنيف بعض الموظفين باعتبارهم غير مرغوب فيهم. وهذه أدوات مؤثرة جداً على قرارات المنظمات، لأن هنالك تداخلاً معقداً بين الاعتبارات الشخصية والأمنية والإدارية وبين استمرار عمل المنظمة نفسها داخل السودان.
لكن في المقابل، أعتقد أن هذا القرار سيجد مقاومة كبيرة أيضاً، لأن المجتمع الدولي يدرك خطورة الوضع الإنساني الحالي. وحتى الآن هنالك تحركات سريعة جداً مرتبطة بمحاولات الوصول إلى هدنة إنسانية أو تفاهمات إنسانية تمنع انهيار البيئة الإنسانية بصورة كاملة، خاصة مع تصاعد المخاوف من الآثار الكارثية لهذا القرار على المدنيين وعلى عمليات الإغاثة.
تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة تعكس بوضوح أن الملف السوداني عاد ليصبح ضمن الأولويات الإنسانية والسياسية العاجلة، مع تركيز واضح على الوضع الإنساني باعتباره أولوية قصوى. وهذا يرتبط أيضاً بالنقاشات الجارية داخل أروقة الاتحاد الأوروبي والجهات المانحة، لأن هنالك قلقاً متزايداً من أن تتحول أموال المانحين وأدوات العمل الإنساني إلى جزء من أدوات الصراع بدلاً من أن تذهب لحماية المدنيين المتضررين من الحرب.
وكما هو معروف، فإن حكومة بورتسودان منعت الأمم المتحدة سابقاً من فتح مكاتبها في عدد من المناطق الواقعة خارج سيطرتها، وهذا أثّر بصورة كبيرة على التنسيق والاستجابة الإنسانية وأضعف وجود الأمم المتحدة ودورها المباشر في تلك المناطق. وفي ظل هذا الفراغ، تحاول بعض شبكات ومنتديات المنظمات الدولية أن تلعب دوراً أكبر، خاصة بدعم من الاتحاد الأوروبي، لكن حتى الآن ما زالت الفجوة الإنسانية أكبر من قدرات الاستجابة المتاحة.
وفي تقديري، لا أعتقد أن حكومة تأسيس ستخضع بسهولة لهذا القرار، بل ستعمل على مقاومته ومحاولة بناء مسارات بديلة للعمل الإنساني. وهذا ظهر أيضاً في التصريحات التي قدمها وزير الشؤون الإنسانية وهيئة الوصول الإنساني في حكومة تأسيس، والتي تحدثت عن أن تسجيل المنظمات والفاعلين الإنسانيين يهدف إلى تنظيم العمل الإنساني وتعزيز فرص الوصول والتنسيق وتسهيل الاستجابة داخل المناطق المتأثرة بالحرب.
لذلك أعتقد أن الخلاف هنا لم يعد إدارياً فقط، بل أصبح يعكس رؤيتين مختلفتين تماماً تجاه العمل الإنساني نفسه؛ رؤية تتحدث عن حوكمة العمل الإنساني وتوسيع فرص الوصول للمدنيين، ورؤية أخرى ما زالت تتعامل مع العمل الإنساني باعتباره جزءاً من أدوات الصراع والضغط والحرب والتجويع.
كيف سيكون تعامل حكومة تأسيس مع المنظمات حال رفضت التسجيل وفتح مقرات في نيالا؟
في تقديري، حكومة تأسيس ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع هذا الملف بقدر كبير من الواقعية، لأن الوضع الإنساني في دارفور وكردفان والنيل الأزرق أكبر من أن يُدار بمنطق التصعيد الكامل أو إغلاق المساحات الإنسانية. نحن نتحدث عن ملايين المدنيين الذين يعتمدون بصورة مباشرة على المساعدات الإنسانية، وبالتالي أي قطيعة شاملة مع المنظمات الدولية ستكون لها نتائج كارثية على الأرض.
لكن في المقابل، من الصعب أيضاً أن تقبل أي سلطة تسيطر فعلياً على الأرض بوجود منظمات تعمل داخل مناطق نفوذها دون أي شكل من أشكال التنسيق أو التسجيل أو تنظيم العلاقة التشغيلية، خاصة في ظل التعقيدات الأمنية والإدارية واللوجستية الحالية. لذلك أعتقد أن حكومة تأسيس ستسعى إلى فرض نوع من التنظيم أو الترتيبات الإدارية المرتبطة بالوصول الإنساني، ليس فقط من زاوية السيطرة السياسية، وإنما أيضاً من زاوية إدارة الحركة الإنسانية نفسها داخل مناطق الحرب.
حتى الآن، التصريحات الصادرة من مسؤولي حكومة تأسيس، خاصة ما يتعلق بهيئة الوصول الإنساني، تحاول تقديم الأمر باعتباره جزءاً من حوكمة وتنظيم العمل الإنساني وتسهيل الوصول والتنسيق مع الفاعلين الإنسانيين الموجودين على الأرض. لكن التحدي الحقيقي سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على الوصول إلى صيغة تمنع انهيار البيئة الإنسانية وتحافظ في نفس الوقت على استقلالية العمل الإنساني وعدم تحويله إلى جزء من الصراع السياسي والعسكري.
وأعتقد أن كثيراً من المنظمات ستجد نفسها في وضع بالغ التعقيد؛ فهي من جهة تخشى فقدان وجودها القانوني وعلاقاتها مع بورتسودان والجهات الدولية، ومن جهة أخرى لا تستطيع عملياً تجاهل مناطق يعيش فيها ملايين المحتاجين للمساعدات وتقع خارج سيطرة الحكومة الموجودة في بورتسودان.
لذلك قد نشهد خلال الفترة القادمة ظهور ترتيبات مرنة أو تفاهمات غير معلنة أو صيغ تشغيل مؤقتة تحاول من خلالها المنظمات الحفاظ على قدرتها على العمل والوصول الإنساني دون الدخول في مواجهة مباشرة مع أي من الطرفين، لأن البديل في النهاية سيكون مزيداً من الانهيار الإنساني ومزيداً من تعقيد الأزمة السودانية.
إلى أي مدى يمكن أن يؤدي تعدد السلطات والسياسات الإنسانية المتعارضة داخل السودان إلى انهيار منظومة الوصول الإنساني نفسها، وليس فقط تعطيل بعض البرامج أو المشروعات؟
في تقديري، الخطر الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل فقط في تعطيل بعض البرامج أو تأخير وصول المساعدات، وإنما في احتمال انهيار منظومة الوصول الإنساني نفسها كلياً. وهذه نقطة خطيرة جداً قد لا ينتبه لها كثيرون خارج دوائر العمل الإنساني المعقدة.
عندما تدخل دولة في حالة الانقسام الوطني الحاد، بما في ذلك الانقسام السياسي والعسكري العميق، والثقافي والاجتماعي والديني، وتظهر سلطات متعددة لكل منها سياسات مختلفة تجاه العمل الإنساني، فإن الأزمة لا تعود مرتبطة بالإغاثة فقط، إنما تتحول إلى أزمة حوكمة إنسانية كاملة. هنا تبدأ المنظمات في فقدان القدرة على بناء سلاسل تشغيل مستقرة، وتصبح كل خطوة مرتبطة بالتفاوض والضغوط والاعتبارات الأمنية والسياسية، من التأشيرات والتصاريح وحتى حركة الشاحنات والتحويلات البنكية وحماية الموظفين.
المشكلة الأكبر أن المنظومة الإنسانية العالمية نفسها بُنيت تاريخياً على افتراض وجود دولة مركزية واحدة قادرة على تنظيم الوصول الإنساني والتعامل مع الفاعلين الدوليين. وهي في الأصل أزمة دولية في تعريف مفهوم الدولة الواحدة والسيادة التقليدية، وقصور واضح في فهم التعقيدات الحديثة التي نشأت بعد الاستقلال في عدد من الدول الهشة والمنقسمة، كنموذج السودان واليمن والصومال وأوكرانيا وغيرها. لكن في السودان اليوم نحن أمام واقع مختلف تماماً؛ سلطات متعددة، جغرافيا منقسمة، خطوط سيطرة متغيرة، وحرب مفتوحة تستخدم فيها المساعدات الإنسانية نفسها كجزء من أدوات الضغط والصراع.
وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي لمنظومة الوصول الإنساني، لأن المنظمات تجد نفسها بين خيارات شديدة الخطورة؛ إما فقدان الوصول للمناطق المتضررة، أو الدخول في حالة صدام مع إحدى السلطات، أو العمل داخل بيئة قانونية وسياسية ضبابية تهدد وجودها واستمراريتها. ومع الوقت تبدأ المنظمات في تقليص عملياتها، أو نقل موظفيها، أو تجميد التمويل، أو تقليل الأنشطة عالية المخاطر، والنتيجة النهائية يدفع ثمنها المدنيون.
ومن واقع خبرتي في الحوكمة والنظم الإنسانية والتحكم في التنفيذ، أعتقد أن السودان دخل بالفعل مرحلة تتجاوز الأزمة الإنسانية التقليدية إلى ما يمكن تسميته بأزمة “تفكك البنية التشغيلية للعمل الإنساني”. أي أن المشكلة لم تعد فقط في نقص التمويل أو صعوبة الوصول، بل في انهيار البيئة التشغيلية نفسها التي تسمح بوجود عمل إنساني مستقر ومحايد وفعال.
لذلك أعتقد أن أي معالجة حقيقية للوضع الحالي يجب أن تذهب أبعد من البيانات السياسية وردود الأفعال المؤقتة، نحو بناء آليات إنسانية أكثر مرونة وقدرة على العمل داخل البيئات المنقسمة، مع ضمان استقلالية العمل الإنساني وحمايته من التحول إلى جزء من أدوات الحرب أو أدوات إعادة تشكيل النفوذ السياسي والعسكري داخل السودان.
إذا لم يحدث ذلك، فإننا قد نصل إلى مرحلة تصبح فيها المناطق الأكثر تضرراً من الحرب هي نفسها المناطق الأقل وصولاً للمساعدات، وهذه واحدة من أخطر صور الانهيار الإنساني التي يمكن أن تواجه أي بلد يعيش حرباً بهذا الحجم والتعقيد.
هل تعتقد أن الأزمة الحالية كشفت فشل النموذج التقليدي لإدارة العمل الإنساني في البيئات المنقسمة والهشة، خاصة فيما يتعلق بعلاقة المنظمات بالسلطات الواقعية على الأرض، ومسألة الحياد والاستقلالية والحوكمة التشغيلية؟
نعم، وبصورة واضحة جداً. الأزمة السودانية كشفت أن النموذج التقليدي للعمل الإنساني، المبني على افتراض وجود دولة مركزية مستقرة وسلطة واحدة قادرة على تنظيم الوصول الإنساني، أصبح عاجزاً عن التعامل مع البيئات المنقسمة والمعقدة الحديثة.
ما يحدث اليوم يوضح أن الحياد الإنساني لم يعد مجرد إعلان مبادئ، بل أصبح معركة تشغيلية يومية مرتبطة بالوصول والتفاوض والحماية والتمويل واستقلال القرار الإنساني نفسه. كثير من المنظمات وجدت نفسها بين ضغوط السلطات المختلفة، وابتزاز التأشيرات، وتعقيدات الحركة، وخطر أن تتحول المساعدات إلى جزء من أدوات الحرب أو النفوذ السياسي.
ومن واقع خبرتي في الحوكمة والنظم الإنسانية والتحكم في التنفيذ، أعتقد أن السودان كشف الحاجة إلى نموذج إنساني جديد أكثر مرونة وواقعية، قادر على العمل داخل البيئات المنقسمة دون أن يفقد استقلاليته أو يتحول إلى أداة في الصراع. لأن الأزمة الحالية أثبتت أن انهيار الحوكمة التشغيلية للعمل الإنساني قد يكون أخطر من نقص التمويل نفسه.
من واقع خبرتك في الحوكمة والنظم الإنسانية والتحكم في التنفيذ، كيف يمكن بناء نموذج إنساني جديد قادر على العمل داخل البيئات المنقسمة والمعقدة مثل السودان، دون أن يتحول العمل الإنساني إلى أداة من أدوات الحرب أو الصراع السياسي؟
في تقديري، بناء نموذج إنساني جديد للعمل داخل البيئات المنقسمة مثل السودان يبدأ أولاً بالاعتراف بأن الواقع تغيّر، وأن النموذج التقليدي القائم على مركزية الدولة الواحدة لم يعد كافياً لإدارة الأزمات المعقدة الحديثة. لا يمكن الاستمرار في إدارة العمل الإنساني بعقلية قديمة بينما الأرض نفسها أصبحت منقسمة سياسياً وعسكرياً وتشغيلياً.
النموذج الجديد يجب أن يُبنى على المرونة التشغيلية، والحياد العملي، وحوكمة الوصول الإنساني، وليس فقط على الخطابات النظرية. أي أن تكون الأولوية لوصول المساعدات للمدنيين أينما كانوا، مع بناء آليات واضحة تضمن استقلالية القرار الإنساني وتحميه من الاختراق السياسي أو العسكري أو الأمني.
وفي الحالة السودانية تحديداً، هنالك مشكلة تاريخية عميقة يجب الاعتراف بها، وهي أن الدولة السودانية القديمة تعاملت مع ملف العمل الإنساني والتنموي باعتباره ملفاً أمنياً واستخبارياً في المقام الأول، وليس ملفاً إنسانياً مستقلاً قائماً على مبادئ الوصول الإنساني والاستجابة الإنسانية والحياد. لذلك ظلت إدارة المنظمات والعمل الإنساني مرتبطة عملياً بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية، سواء عبر جهاز الأمن والمخابرات أو الاستخبارات العسكرية، وكانت تُدار بعقلية السيطرة والرقابة والاختراق أكثر من إدارتها بعقلية الحماية الإنسانية أو تسهيل الوصول للمدنيين.
هذا الإرث ما يزال يؤثر بصورة مباشرة على طريقة فهم الدولة للعمل الإنساني حتى اليوم، ولذلك كثير من القرارات الحالية تُبنى من منظور أمني بحت، لا من منظور إنساني أو تشغيلي أو مرتبط بحماية المدنيين. وهنا تظهر الأزمة الحقيقية، لأن العمل الإنساني عندما يُختزل إلى ملف أمني يفقد حياده واستقلاليته ويتحول تدريجياً إلى جزء من معادلات الحرب والصراع والنفوذ.
ومن واقع خبرتي في الحوكمة والنظم الإنسانية والتحكم في التنفيذ، أعتقد أن أكبر خطأ وقعت فيه المنظومة الإنسانية خلال السنوات الماضية هو أنها ركزت على التمويل والمشروعات أكثر من تركيزها على بناء بيئة تشغيلية resilient قادرة على الصمود داخل البيئات الهشة والمتغيرة. لذلك بمجرد انهيار البيئة السياسية أو الأمنية تبدأ المنظومة الإنسانية نفسها في التفكك.
ما نحتاجه اليوم هو نموذج يقوم على تعدد مسارات الوصول، والقدرة على العمل عبر آليات تنسيق مرنة، وبناء نظم تشغيل إنسانية قادرة على التكيف مع الواقع المتغير دون أن تفقد استقلاليتها أو تتحول إلى جزء من أدوات الحرب. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصبح المساعدات الإنسانية نفسها جزءاً من معادلة السيطرة والتجويع وإعادة تشكيل النفوذ داخل مناطق النزاع.
وفي تقديري، مستقبل العمل الإنساني في السودان وفي البيئات المشابهة سيتوقف على قدرة المجتمع الدولي والمنظمات والفاعلين المحليين على الانتقال من عقلية “إدارة المشروعات” إلى عقلية “حوكمة البيئة الإنسانية” نفسها، لأن حماية المسار الإنساني أصبحت اليوم أهم من أي مشروع منفرد أو تدخل قصير المدى.
إلى أي مدى يمكن أن تستجيب المنظمات الوطنية المحلية لقرارات بورتسودان المتعلقة بمنع التعامل مع حكومة تأسيس، في ظل الضغوط الأمنية والسياسية والتمويلية المعقدة التي تواجهها، وكيف سينعكس ذلك على استقلالية العمل الإنساني والوصول إلى المدنيين في مناطق الحرب؟
أعتقد أن موقف المنظمات الوطنية المحلية سيكون معقداً ومختلفاً من منظمة إلى أخرى، لأن المنظمات السودانية اليوم تعمل تحت ضغوط هائلة ومتشابكة؛ ضغوط أمنية وسياسية وتشغيلية ومالية، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بالاستمرار القانوني والوصول والتمويل وحماية العاملين.
بعض المنظمات قد تضطر للاستجابة لهذه القرارات خوفاً من فقدان التسجيل أو التعرض للاستهداف أو إيقاف التمويل أو منع الحركة والعمل، خاصة أن البيئة الحالية شديدة الحساسية، وفيها تدخلات أمنية وإدارية واسعة في ملف العمل الإنساني. لكن في المقابل، هنالك منظمات أخرى تدرك أن الواقع الإنساني على الأرض أصبح أكبر من حدود الاعترافات السياسية التقليدية، وأن ملايين المدنيين في دارفور وكردفان والنيل الأزرق يعيشون خارج سيطرة بورتسودان ويحتاجون لاستجابة إنسانية مستمرة.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن كثيراً من المنظمات التي تعمل حالياً في مناطق حكومة تأسيس تم استدعاء مديريها إلى بورتسودان في يناير 2024، وتم توجيه رسائل مباشرة لهم بأن العمل الإنساني في دارفور وكردفان لن يُسمح به خارج الإطار الذي تضعه وتوجهه الأجهزة الأمنية. وبصورة عملية، أصبحت التوصيات المتعلقة بالتمويل أو السماح بالشراكات مع المنظمات الدولية مرتبطة إلى حد كبير بمدى رضا الأجهزة الأمنية عن المنظمة نفسها وعن إدارتها وتوجهاتها.
وعلى سبيل المثال، تعرضت منظمات لعمليات تضييق مباشرة بسبب رفضها لهذا التوجه أو تمسكها باستقلالية العمل الإنساني. ومن بينها Global Aid HANDs التي تم إغلاقها وسحب ترخيصها ومسحها من السجلات الإنسانية في بورتسودان بعد أن أبدت معارضتها الواضحة لتحويل العمل الإنساني إلى أداة خاضعة للإدارة الأمنية والتوجيه السياسي.
لذلك أعتقد أننا سنشهد حالة انقسام وتباين داخل القطاع الإنساني المحلي نفسه؛ بعض المنظمات ستتجه نحو التكيف الكامل مع قرارات بورتسودان حفاظاً على وجودها القانوني وفرص التمويل، وبعضها سيحاول العمل عبر صيغ مرنة أو هادئة تحفظ له القدرة على الوصول الإنساني دون الدخول في مواجهة مباشرة، بينما قد تظهر شبكات وتحالفات إنسانية جديدة تحاول ملء الفراغ الناتج عن انهيار أو تراجع بعض المؤسسات التقليدية.
وفي تقديري، أخطر ما تواجهه المنظمات الوطنية اليوم ليس فقط الضغط السياسي، بل غياب بيئة إنسانية مستقرة ومحايدة تسمح لها بالعمل كمؤسسات إنسانية مستقلة. لأن العمل الإنساني في السودان أصبح محاصراً بين سلطات متعددة، وبيئات أمنية معقدة، واستقطاب سياسي حاد، وهذا يضع المنظمات المحلية أمام اختبارات صعبة جداً تتعلق بالبقاء والاستقلالية والوصول الإنساني في آنٍ واحد.
كيف يمكن للمنظمات الدولية الحفاظ على حيادها ووصولها الإنساني في السودان، وهي عملياً بين ضغوط السلطات المتصارعة واحتياجات ملايين المدنيين في مناطق الحرب؟
الخيارات أمام المنظمات الدولية ما تزال كثيرة، لكنها تحتاج إلى قدر أكبر من الجرأة والشجاعة والواقعية في التعامل مع التعقيدات الجديدة في السودان، بعيداً عن النماذج التقليدية الجامدة التي تفترض وجود دولة مركزية مستقرة وسلطة واحدة تتحكم في كامل الجغرافيا. الواقع اليوم مختلف، وأي منظمة تريد الحفاظ على حيادها ووصولها الإنساني يجب أن تبني نماذج تشغيل أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الانقسام القائم.
وفي تقديري، أحد أفضل الخيارات هو بناء هياكل تشغيل منفصلة ومرنة داخل السودان نفسه، بحيث تعمل العمليات الموجودة في مناطق بورتسودان بإدارة قانونية وتشغيلية مختلفة عن العمليات الموجودة في مناطق تحالف السودان التأسيسي أو المناطق الخارجة عن سيطرة بورتسودان. كثير من المنظمات الدولية أصلاً لديها امتدادات قانونية ومؤسسية متعددة مرتبطة بدول مختلفة، وبالتالي يمكن عملياً بناء نماذج تشغيل أكثر استقلالية ومرونة دون أن تصبح المنظمة رهينة بالكامل لسلطة واحدة أو لمسار سياسي واحد.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن تعمل إحدى المنظمات عبر كيان مسجل في دولة أوروبية لإدارة العمليات المرتبطة ببورتسودان، بينما تعمل عبر كيان آخر أو شراكة تشغيلية مختلفة لإدارة العمليات في مناطق أخرى، بما يسمح بالحفاظ على الوصول الإنساني وتقليل الهيمنة السياسية والأمنية على القرار الإنساني نفسه.
ومن واقع عملي في الحوكمة والنظم الإنسانية والتحكم في التنفيذ، أعتقد أن هذا يرتبط مباشرة بما أطرحه ضمن مفهوم Strategic Institutional Resilience، أي بناء مؤسسات وأنظمة تشغيل قادرة على الاستمرار والتكيف والحفاظ على فعاليتها واستقلاليتها حتى في ظل الانقسامات السياسية والحروب وانهيار المركز التقليدي للدولة.
الاستدامة في البيئات الهشة لم تعد تعني فقط استمرار التمويل أو بقاء المشروعات، بل تعني قدرة المؤسسة نفسها على إعادة تشكيل نماذج التشغيل، وتوزيع المخاطر، وتعدد مسارات الوصول، والحفاظ على الحياد والاستقلالية التشغيلية وسط بيئة شديدة التقلب والتسييس.
لأن الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط في الحرب نفسها، بل في أن يتحول العمل الإنساني إلى جزء من منظومة السيطرة والنفوذ، وهنا تفقد المنظمات دورها الإنساني الحقيقي وتتحول تدريجياً إلى أدوات ضمن الصراع بدلاً من أن تكون آليات لحماية المدنيين وإنقاذ حياتهم.
ما حجم المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات الآن في دارفور وكردفان، وفي حال توقفت كيف يتم سد الفجوة؟
بحسب بيانات الأمم المتحدة وخطط الاستجابة الإنسانية، فإن السودان دخل عام 2026 كأكبر أزمة إنسانية من حيث عدد المحتاجين للمساعدات، حيث تشير تقديرات OCHA إلى أن أكثر من 33 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية وحماية، بينهم ملايين في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. كما تجاوزت خطة الاستجابة الإنسانية للعام 2026 حاجز 4 مليارات دولار، في وقت ما تزال فيه الفجوة التمويلية ضخمة جداً ولم يتم تمويل الخطة إلا بنسبة محدودة حتى الآن.
وإذا قارنا ذلك بعام 2025، سنجد أن خطة الاستجابة حينها كانت تقدر بحوالي 2.7 مليار دولار، ورغم ذلك لم تحصل أيضاً إلا على جزء محدود من التمويل المطلوب، بينما تضاعفت الاحتياجات الإنسانية بصورة غير مسبوقة نتيجة اتساع الحرب والانهيار الاقتصادي والنزوح والمجاعة.
ومن واقع خبرتي، المشكلة اليوم ليست فقط في حجم الاحتياجات، بل في أن دارفور وكردفان أصبحت تمثل قلب الأزمة الإنسانية نفسها، حيث تعتمد قطاعات واسعة من السكان بصورة شبه كاملة على المساعدات المتعلقة بالغذاء والصحة والتغذية والمياه والحماية.
وبالتالي فإن أي تعطيل واسع لعمل المنظمات أو تقييد لحركتها سيخلق فجوة لا توجد حالياً أي جهة قادرة عملياً على سدها، خاصة مع انهيار البنية الخدمية المحلية وضعف قدرة المؤسسات الرسمية على الاستجابة.
وهذا ما يفسر حالة القلق الكبيرة داخل أوساط الأمم المتحدة والمانحين الدوليين، لأن أي انهيار إضافي في منظومة الوصول الإنساني قد يقود مباشرة إلى توسع المجاعة وارتفاع معدلات الوفيات وانهيار الخدمات الأساسية في مناطق واسعة من السودان.
وفي تقديري، الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في نقص التمويل، بل في انهيار البيئة التشغيلية للعمل الإنساني نفسها. لأن المانحين يمكن أن يوفروا الأموال، لكن عندما تنهار منظومة الوصول الإنساني، وتصبح المساعدات رهينة للصراع السياسي والعسكري، فإن التمويل وحده يفقد قيمته العملية. وهنا ندخل مرحلة أكثر خطورة، وهي تحول الأزمة الإنسانية من أزمة نقص موارد إلى أزمة انهيار منظومة إنسانية كاملة، حيث تصبح المناطق الأكثر تضرراً هي نفسها المناطق الأقل قدرة على استقبال المساعدات، وهذه واحدة من أخطر المراحل التي يمكن أن تصل إليها أي كارثة إنسانية في العالم.
المصدر:
الراكوبة