وقال تجار إن حماية المنتجات المحلية من المنافسة الخارجية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يفقد المنتج المحلي الحافز لتطوير جودته أو تحسين كفاءته وخفض تكاليفه. وفي غياب المنافسة، يُجبر المواطن على شراء منتجات لا ترقى، من حيث الجودة أو التنوع أو السعر، إلى مستوى البدائل المستوردة.
وأضافوا أن حظر الاستيراد قد يدفع بعض التجار إلى اللجوء للسوق الموازية للحصول على العملات الأجنبية بهدف استيراد السلع بطرق غير رسمية، مما يزيد الطلب على النقد الأجنبي خارج القنوات الرسمية، ويؤدي في النهاية إلى مزيد من تدهور سعر الصرف بدلاً من استقراره. من جهتها، طالبت الغرفة القومية للمستوردين في السودان بمراجعة القرار، مشيرة إلى أنه يزيد من التهريب والتهرب الضريبي، ويعمل على إعاقة ملف انضمام السودان لمنظمة التجارة العالمية.
وصرح رئيس الغرفة، الصادق جلال الدين، بأنه إذا لم يتم إلغاء القرار، فستعمل الغرفة على نقضه عبر المحكمة؛ ليس دفاعاً عن مصلحة قطاع الاستيراد فحسب، بل تحقيقاً لمصلحة الاقتصاد السوداني ككل. وفي سياق متصل، تساءل مختصون عن جدوى “الحماية” في ظل عجز التصنيع، حيث صرح محمد سيد أحمد، المختص في شؤون الاستيراد لـ “العربي الجديد”، بأن حماية المنتج المحلي لا تكون بإغلاق الأسواق وخلق الأزمات، بل بتقليل الضرائب والرسوم، وتبسيط الإجراءات، وتوفير الطاقة للمصانع، ومنح الأراضي الصناعية، وتسهيل النقل، وتقديم الإعفاءات الجمركية للمواد الخام.
وأضاف: “أن تمنع الاستيراد بينما المنتج المحلي عاجز أصلاً عن تغطية الطلب، فهذه ليست حماية للاقتصاد بل صناعة مباشرة للأزمة”. وتوقع سيد أحمد حدوث ندرة في السلع وارتفاع في الأسعار واتساع في السوق الموازية، مؤكداً أن الاقتصاد لا يُدار بالمنع وإغلاق الأبواب، بل بالإنتاج والتحفيز وبناء بيئة حقيقية للاستثمار.
وفي ذات السياق، قال الخبير الاقتصادي إبراهيم توفيق لـ “العربي الجديد”، إن القرار لا يعكس رؤية اقتصادية حقيقية، بل يكشف عن أزمة عميقة في إدارة الاقتصاد تعتمد على المعالجات السطحية والقرارات المرتجلة لا على التخطيط. وأضاف: “في كل دول العالم، القاعدة الاقتصادية بسيطة: ما لا تنتجه.. تستورده، أما في السودان، فما لا ننتجه نمنعه، ثم نترك المواطن يواجه الندرة والجشع”.
وأشار بابكر محمد آدم، المختص في شؤون التجارة، إلى أن قرار حظر الاستيراد بصيغته الحالية ينقل عبء دعم الصناعة الوطنية إلى المواطن دون تدخل حكومي فعّال لتقوية القطاع الإنتاجي، كما يتعارض مع مبادئ تحرير التجارة الدولية. من جانبه، اعتبر الاقتصادي عبد الوهاب جمعة أن سياسات الحظر بدأت منذ عام 2011 ولكنها فشلت في تحقيق الاستقرار لأنها “تعالج الأعراض لا الأمراض”.
وأوضح لـ “العربي الجديد” أن خفض الطلب على العملة الصعبة عبر الحظر يخلق دوامات أزمات جديدة، لأن الكثير من السلع المحظورة (كمواد الخام والأعلاف) ضرورية لإعادة البناء، وحظرها يحدث أزمة إنتاجية ترفع الأسعار وتنعش القنوات غير الرسمية.
واختتم جمعة بالإشارة إلى أن التضخم الذي بدأ يتناقص مؤخراً قد يعاود الارتفاع، والأخطر هو أن سعر الصرف لا يتحدد بحظر الاستيراد، بل بجانب “العرض” من العملات الأجنبية الناتج من الصادرات والاستثمار الأجنبي وتحويلات المغتربين، وهي جوانب لا يعالجها قرار الحظر الحالي.
المصدر:
الراكوبة