السفير/ عادل إبراهيم مصطفى
تحت عنوان: “هل يمكن لمستشار البرهان الذي أُدين قضائيًا في قضية عنف أسري أن يقنع العالم بجرائم الاغتصاب المنسوبة إلى قوات الدعم السريع؟”، كتبت الأستاذة لبنى أحمد حسين بصحيفة (الراكوبة) يوم 24 مارس الجاري مقالًا استنكرت فيه قرار قائد الجيش ورئيس سلطة بورتسودان الانقلابية بتعيين د.أمجد فريد مستشارًا للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية.
وقالت الكاتبة إن تعيين من تمت إدانته في قضية جنائية تتعلق بعنف أسري وإحداث أذى، في مثل هذا الموقع، يطرح تساؤلات جوهرية حول معايير الاختيار في التعيينات العامة، خاصة في أعلى مستويات السلطة، مثل مجلس السيادة. كما أشارت إلى أنه سبق لأمجد فريد العمل في مكتب رئيس وزراء حكومة الثورة د.عبد الله حمدوك، مبينةً أنه لم يكن قد صدر ضده حكم نهائي آنذاك.
يبدو أن الأستاذة لبنى قد أحسنت الظن بهذه السلطة حين تساءلت عن المعايير التي تتبعها في عملية الاختيار للوظائف العليا؛ إذ تبدو هذه المعايير — إن وُجدت — غير قابلة للإفصاح، لمجافاتها المبادئ الأساسية التي يُفترض توفرها فيمن يتولى الوظائف العامة، مثل الكفاءة، والنزاهة، والقدرة على التأثير الإيجابي. وبطبيعة الحال، يصعب تصور اعتماد مثل هذه القيم من قِبل سلطة تنكرت لتطلعات وأحلام الملايين من أبناء وبنات الشعب السوداني في إقامة دولة مدنية ديمقراطية تنعم بالحرية والسلام والعدالة، بإقدامها على الانقلاب على حكومة الثورة، في محاولة لإعادة تمكين دولة الإخوان المسلمين بعد أن أطاحت بها إرادة الشعب.
ولم يكن د.أمجد فريد أول من أثار تعيينه جدلًا واسعًا واستدعى التساؤل حول معايير الاختيار؛ فقد سبقه د.كامل إدريس، الذي تم تعيينه رئيسًا للوزراء. وهو من أُرغم على مغادرة منصب المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) قبل عامين من انتهاء فترة ولايته، وذلك بعد ثبوت قيامه — بحسب مصادر مطلعة — بتزوير شهادة ميلاده.
وباختصار غير مُخلّ، تتلخص حيثيات هذه القضية في الآتي: في عام 1982، وأثناء عمله سكرتيرًا ثانيًا ببعثة السودان لدى الأمم المتحدة في جنيف، أعلنت منظمة (WIPO) عن وظيفة شاغرة في الدرجة (P4). ومن بين شروط التقديم ألا يقل عمر المتقدم عن 35 عامًا ولا يزيد على 40 عامًا.
وحينها، كان عمره 29 عامًا، وفقًا لشهادة ميلاده الرسمية المحفوظة في ملف خدمته بوزارة الخارجية. ولتجاوز هذا الشرط، استخرج شهادة تسنين حدّدت تاريخ ميلاده بعام 1945، وقدّمها ضمن طلبه، ما أهّله للفوز بالوظيفة. وبذلك، كان التحايل — لا الاستحقاق — مدخلًا لنيله تلك الوظيفة الأممية المهمة، ومن ثم بناء مساره الوظيفي على هذا الأساس.
وفي عام 2006، عاد لاستخدام الشهادة الأصلية، حيث قام بإعادة تقديمها، وأصدر توجيهًا لمدير الموارد البشرية — وكان حينها من تنزانيا — لإيداعها في ملفه الوظيفي، على الأرجح بدافع تحسين مزايا التقاعد. غير أن المسؤول رفض تنفيذ هذا التوجيه، وقام بإبلاغ الدول الأعضاء في المنظمة بما حدث. وقد أدى ذلك إلى تشكيل لجنة تحقيق، انتهت إلى إرغامه على مغادرة منصبه قبل عامين من انتهاء ولايته.
وفي الدول التي تُدار بمؤسسات راسخة، تقوم معايير التعيين في المناصب العليا على أسس واضحة، تشمل الكفاءة المهنية، والسجل الأخلاقي النظيف، والشفافية، والخضوع للمساءلة. كما تخضع هذه التعيينات — في كثير من الأحيان — لإجراءات تدقيق صارمة، تضمن توافق المرشح مع القيم العامة للدولة. غير أن المقارنة مع حالة السلطة الانقلابية تكشف فجوة عميقة، حيث تغيب هذه المعايير، أو يتم الالتفاف عليها، بما يُفرغ الوظيفة العامة من مضمونها ويُضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
وعليه، فإن أمر اختيار شخصيات تحيط بها شبهات أخلاقية أو سوابق تتعلق بالنزاهة لتولي أعلى المناصب التنفيذية، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خلل عابر في التقدير، بل هو انعكاس مباشر لطبيعة السلطة ذاتها ومعاييرها الحاكمة. فحين تُستبدل الكفاءة بالولاء، والنزاهة بالمصلحة، وحسن السيرة والسلوك بالتبرير السياسي، تفقد مؤسسات الدولة معناها، وتتحول الوظيفة العامة من أداة لخدمة الشعب إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة وحماية بقائها.
إن الدول لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بتجاهل الحقائق، بل تقوم على أسس راسخة من الشفافية والمساءلة واحترام القيم الأخلاقية. وأي سلطة تتغافل عن هذه المبادئ إنما تُعمّق أزمة الثقة بينها وبين شعبها، وتفقد — بمرور الوقت — قدرتها على الإقناع داخليًا وخارجيًا. ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن يفتقر إلى النزاهة في داخله لن يستطيع أن يقنع العالم بامتلاكها في خطابه.
صحيفة ديسمبر الالكترونية
المصدر:
الراكوبة