لم تعد الحرب مشهدا قاتما من أحد أكثر الفصول تعقيدا في حياة السودانيين بل باتت ساحة يتقاطع فيها هذيان الأيديولوجيا مع رايات الدم والفتك.
تراكم كثيف لطبقات من البارود والدم، تمتزج فيها أطماع الإخوان الطامحين للعودة من بوابة الفوضى، مع مخططات الهدم والخراب المرسومة على راية تنظيم داعش الإرهابي.
هذا ما أظهرته دراسة حديثة بحثية نشرها مؤخرا معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي (حكومي) “إنستيتيوت أوف فورين أفيرز”، حول نفوذ الشبكات المرتبطة بالإخوان في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وبحسب الدراسة التي اطلعت عليها “العين الإخبارية”، أصبح السودان يشكل حلقة الوصل بين هذه الشبكات، حيث لم تعد الحرب الدائرة مجرد مواجهة بين الجيش وقوات «الدعم السريع» فقط، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها جماعات مسلحة وتنظيمات متشددة، من بينها نحو 400 عنصر مرتبط بتنظيم داعش، يشاركون في القتال إلى جانب الجيش.
وتكشف الدراسة كيف يحاول الإخوان التمدد في المنطقة عبر تمكين نفوذ فرع “إخوان السودان” داخل مؤسسات الدولة، مستفيدا من الموقع الاستراتيجي لهذا البلد باعتباره بوابة برية وبحرية، كما أنه يربط البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي بالشرق الأوسط.
العودة عبر الحرب
تقول الدراسة إنه بعد سقوط نظام عمر البشير الإخواني في ثورة شعبية عام ٢٠١٩، توقع كثيرون أن يتمكن السودان من الانتقال بنجاح إلى نظام ديمقراطي مع تراجع نفوذ الجماعة.
غير أن التطورات اللاحقة، وخصوصا انقلاب أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢١ بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مهدت لانزلاق السودان إلى حرب أهلية في أبريل/نيسان ٢٠٢٣، حيث اصطدمت القوات المسلحة السودانية، بقيادة البرهان، بقوات “الدعم السريع”.
وبينما يبقى الجيش وقوات “الدعم السريع” هما الطرفان الرئيسيان في المواجهة، تشير الدراسة إلى أن العديد من الجماعات المسلحة غير الحكومية تنشط بالتوازي مع الصراع.
والبعض من تلك التنظيمات ينحاز إلى أحد الجانبين، بينما ينخرط البعض الآخر في صراعات أفقية ضد خصوم أو صراعات رأسية ضمن تحالفات أوسع.
ووفق الدراسة، فإنه من بين الجهات الفاعلة المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية، توجد فروع لجماعة الإخوان وعناصر مرتبطة بتنظيم داعش.
وحذرت من أن كلاهما قد يشكل خطراً ليس فقط على مسار السودان في الحرب، بل أيضا على مستقبله ما بعد النزاع والمنطقة ككل، معتبرة أنه نتيجة لذلك، خلّف النزاع في السودان حالة من عدم الاستقرار الأمني المختلط.
وتشير الدراسة إلى أن حزب “المؤتمر الوطني”، الجناح السياسي للإخوان السودانيين يعمل -باعتباره الامتداد السياسي-، على استعادة نفوذه عبر كوادره داخل مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، ويقدم أيضا دعما لوجستيا وماليا في الحرب.
واستنادا إلى مصادر، قالت الدراسة إن الحزب قدم ما يقرب من 3000 مسلح، لافتا إلى أن العلاقة بينه وبين الجيش تتسم بالاعتماد المتبادل: فكل منهما يحتاج إلى الآخر لضمان بقائه.
عمل عسكري مباشر
لم يقتصر حضور الإخوان على الجوانب السياسية والتنظيمية والعلاقات الخارجية، بل امتد أيضا إلى العمل العسكري المباشر، حيث حشدوا عشرات الكتائب التابعة لهم في جبهات القتال.
وهنا يبرز، بحسب الدراسة، “لواء براء بن مالك” كأحد أهم التشكيلات المسلحة المرتبطة بالإخوان، والذي يقاتل إلى جانب الجيش في عدة جبهات.
ومؤخرا، صنفت الولايات المتحدة هذا اللواء كتنظيم إرهابي عالمي، في مؤشر على تنامي القلق الدولي من تصاعد دور هذه الجماعات داخل الصراع السوداني.
وإلى جانب ذلك، ظهر ما يعرف بـ”التيار العريض”، وهو تحالف يضم عدة فصائل إسلاموية تشكل بعد انقلاب 2021، ويهدف إلى تسييل الحياة السياسية وتوحيد القوى المتشددة في كيان موازٍ لمواجهة التحولات السياسية التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير.
وبالتوازي مع عودة الإخوان، ظهرت مؤشرات على وجود تنظيم داعش داخل السودان، وإن كان بحجم أقل مقارنة بجماعات مسلحة أخرى تابعة للجماعة في السودان.
وتقول الدراسة إن معلومات استخباراتية مفتوحة المصدر تشير إلى أن أكثر من 400 عنصر من داعش يقاتلون حاليا إلى جانب الجيش السوداني ضمن تقاطعات مصلحية مؤقتة، بينما يحتفظ التنظيم بصلات مع شبكاته في الساحل الأفريقي والصومال.
وتحذر الدراسة من أن الخطر الأكبر يكمن في تحول السودان إلى بؤرة إقليمية للتطرف، خصوصا مع ارتباط هذه الشبكات بامتدادات في القرن الأفريقي والساحل، ما يجعل هذا البلد نقطة وصل بين بؤر التوتر في المنطقة.
العين الاخبارية
المصدر:
الراكوبة