ميرغني أبشر
قراءة في أكذوبة «كلما تقدّمنا… تدخّل العالم»
مع تصدّر خطاب السلام ووقف الحرب منصّات التفاعل وواجهات القنوات الفضائية، وجد قادة إشعال الحرب ومناصروها أنفسهم في مأزق أخلاقي وسياسي، وهم يحاولون لملمة شتات خطابهم القديم، ذاك الذي كان صريحاً في عنفه، مباشراً في دعوته لاستدامة الحرب بوصفها الخيار الأوحد لـ«سحق مليشيات الدعم السريع وتركيعها استسلاماً».
وقبيل أن أمضي بعيداً في هذا السياق، استوقفتني أكذوبة وجدوا فيها حلاوةً وطلاوة، بعدما رأوا كيف يحتفي بها قطيعهم ويُعيد ترديدها بلا إعمال عقل أو أدنى تأمّل. تقول هذه الأكذوبة:
«كلما تقدّمت قواتنا في ميادين المعركة، ومال ميزان الحسم العسكري لصالحنا، هبّ المجتمع الدولي والإقليمي مطالباً بوقف الحرب، لا حرصاً على السلام، بل نجدةً للميليشيا».
ولو أننا حسبنا عدد مرات ترديد هذه النشوة الدعائية الكذوبة منذ اندلاع الحرب، لكانت إفريقيا بأسرها قد سقطت في أيديهم، وتحررت من «دنس التمرّد القاري».
وهنا، على ما يبدو، رضي هؤلاء بفتات فرص النجاة الملوَّح بها — على بؤسها — باعتبارها خياراً أرحم من «الشنق الدولي» إذا ما استمروا في غيّهم القديم ودعوتهم الصريحة لاستدامة الحرب.
في هذا السياق، تأتي تصريحات مهندس هذه الحرب العبثية، ورافع لوائها الظاهر، ومن تحته دهاقنة التخطيط والتآمر، شاهدةً على محاولة مكشوفة للتذاكي على وعي العامة.
«إن الحركة الإسلامية تتقدم بالتهنئة لكل من قدّموا التضحيات وبذلوا الجهود دفاعاً عن المدنيين وصوناً للأرض والعِرض، مشيراً إلى أن ما تعرّض له المواطنون من حصار وقتل وتشريد وإذلال على يد المليشيا المتمردة يستوجب مواصلة القتال حتى إنهاء التمرد.
وأشاد الأمين العام بالحكمة والاقتدار في إدارة المعارك من قبل القوات المسلحة وقيادتها، مثمّناً دورها في تحقيق التقدم الميداني وحماية البلاد.
فماذا يحمل هذا التصريح في طيّاته؟
أولاً:
يكشف التصريح، بوضوح لا لبس فيه، هيمنة الحركة الإسلامية على مؤسسات الدولة، وإمساكها الكامل بدفّة حكومة الأمر الواقع وملف الحرب. فهذا ليس خطاب دعم من الهامش، إنما بيان فاعل أصيل من لاعب أساسي.
وهو ما ينسجم، على نحو لافت، مع بصيرة الخارجية البريطانية التي تربط جهودها في مجلس الأمن والأمم المتحدة بالدعوة إلى تحقيقات دولية مستقلة تشمل من يقف وراء الانتهاكات، ودعم المساعي التي قد تفضي، في نهاية المطاف، إلى ملاحقات قضائية أمام محاكم دولية، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية. فالفظائع — كما تؤكد لندن — يجب ألا تمر دون عقاب.
ثانياً:
يقدّم التصريح خلاصة لمسيرة الحرب ومحطّاتها الحاسمة من وجهة نظر الحركة الإسلامية، على نحو يوحي بأننا أمام سردية ختام لا سردية انتصار.
ثالثاً:
يعتمد التصريح لهجة مواربة، أقرب إلى الخجل السياسي، تُبقي الحرب خياراً مشروطاً يقترن بعدم تحقق «بسط الأمن والاستقرار» — وهما، في ظنهم، متحققان اصلاً بعد أن دعوا الناس للعودة.
وأخيراً:
ومن دون أي ستار أخلاقي أو سياسي، يتقدّم الأمين العام للحركة الإسلامية بالشكر الصريح لكل من شاركهم هذه الحرب، مفصلاً الجهات، مسمّياً الأطراف، في مشهد يستدعي إلى الذاكرة لحظة تاريخية مشابهة: حين أهدى حسن الترابي، في بدايات انقلابهم على الديمقراطية، شيوخ الحركة الإسلامية مصاحف، معلناً نهاية مرحلة «الدعوة» وبداية مرحلة «الدولة».
وهكذا، ينعى كرتي اليوم لمشعلي الحرب دورهم، بقهرٍ، لن يملكوا معه بصارة
المصدر:
الراكوبة