منتدى الإعلام السوداني
الخرطوم، 7 فبراير 2026 (التغيير)- قالت منظمات عالمية إن 71% من السودانيين (البالغ عدد نحو 50 مليون) يعيشون تحت خط الفقر المدقع، كما يواجه أكثر من 15 مليون منهم مستويات عالية من الجوع الحاد، مع إعلان حالة المجاعة في مناطق بدارفور وكردفان. وتشير التقارير إلى انكماش الاقتصاد السوداني بنسبة تزيد عن 42% مقارنة بفترة ما قبل الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتراجع الجنيه بنسبة “483% وتوقف إنتاج البترول وتراجعت الصادرات.
وتكشف الأرقام والتقارير الموثقة الأضرار الكبيرة التي تسببت فيها الحرب المندلعة في السودان منذ منتصف أبريل 2023 وحتى الآن على الاقتصاد السوداني حيث تشير التقارير الدولية إلى أن حجم الاقتصاد قد انكمش بنسبة تزيد عن 42% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
انعكس الانهيار الاقتصادي مباشرة على حياة المواطنين، مما خلق أسوأ أزمة نزوح وأمن غذائي في العالم حيث فقد 60% من السودانيين مصادر دخلهم تماماً وتم تدمير كبير في البنية التحتية. وتُقدّر الخسائر المباشرة وغير المباشرة بنحو 150 إلى 250 مليار دولار.
انخفضت قيمة الجنيه السوداني بشكل مرعب، حيث وصل سعر صرف الدولار إلى أكثر من 3500 جنيه (يناير 2026) مقارنة بـ 500 جنيه قبل الحرب .يقول الباحث الاقتصادي نجم الدين داؤود لـ (التغيير) إن الاقتصاد السوداني شهد، منذ اندلاع الصراع المسلح في منتصف أبريل 2023، تدهوراً غير مسبوق بحسب بيانات رسمية من بنك السودان المركزي والجهاز المركزي للإحصاء وتقارير دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إذ أن معدل التضخم وسعر الصرف هما المؤشران الأكثر إيلاماً في الفترة الماضية، حيث تجاوز التضخم حاجز 256% بنهاية عام 2024، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي. مما يُعزى إلى اختناق سلاسل الإمداد، وانهيار الإنتاج المحلي، وطباعة النقد لتمويل العجز الهائل لاقتصاد الحرب وانهارت قيمة الجنيه السوداني بشكل كارثي. مع تراجع احتياطي النقد الأجنبي شبه المنعدم، وتوقف التمويل والتحويلات الخارجية.
من جهة أخرى، وبفعل الحرب والتقسيم الإداري ظل العجز ملازما للميزان التجاري والاحتياطي الأجنبي فقد تراجعت الصادرات الاستراتيجية من صادرات الذهب وانتشار التهريب.
كما انهارت صادرات المنتجات الزراعية (مثل الصمغ العربي والسمسم) بسبب تعطل النقل وتدمير البنية التحتية وتدهور الإنتاج وانحصار الواردات في المعدات العسكرية والسلعة الأساسية. وشهدت الواردات انخفاضاً حاداً بسبب نقص النقد الأجنبي وانهيار سعر الصرف، مما أدى إلى شح حاد في السلع الأساسية.
من جانبه يشير الاقتصادي أبو عبيدة سعيد في إفاداته لـ (التغيير) إلى أثر الحرب بشكل مباشر على إنتاج النفط، حيث توقفت بشكل كامل أو جزئي حقول كبرى، مثل هجليج وبليلة في غرب كردفان، وحقول سفيان، شارف، أبو جابرة، زرقة أم حديد في دارفور، كما خرجت الخبرات الفنية الأجنبية، وتلفت الخرائط والبيانات الحقلية.
يقول سعيد: تعرضت مصفاة الجيلي للقصف، وكانت بطاقة إنتاجية تقارب 100 ألف برميل يومياً، مع خسائر يومية تقدر بنحو 5 ملايين دولار عند التوقف، بينما تضررت خطوط التصدير، مما رفع تكاليف إعادة التشغيل. إضافة إلى ذلك، انسحبت شركة CNPC الصينية من مربع “6” في بليلة بموجب بند القوة القاهرة، ما أدى إلى فقدان السودان لما تبقى من إيرادات الإنتاج والنقل النفطي، وزاد من هشاشة القطاع أمام النزاعات المسلحة.
في مقابل انهيار الإنتاج ارتفع استيراد النفط لتغطية الطلب المحلي، وفق التدرج 991 مليون دولار في 2018، ووصل إلى ذروته 2.87 مليار دولار في 2022، قبل أن يتراجع إلى 890 مليون دولار في 2024، مما يعكس الضغط الكبير على المالية العامة بفقدان عائدات التصدير وارتفاع كلفة الاستيراد.
ودعا سعيد لإبرام اتفاقيات خارجية تمنح السودان أدوات لحماية الموارد وتحسين التجارة والاستثمارات، ما يساهم في استقرار الاقتصاد على المدى المتوسط بجانب إجراء تغييرات إدارية ومؤسساتية تعكس إمكانية تحسين الأداء المالي والإداري.
ويشير الدكتور ياسين عثمان أستاذ الاقتصاد السياسي إلى أن إصلاح الاقتصاد يبدأ بإيقاف الحرب، بغض النظر عن الطريقة، ويقول: معظم الدول الكبيرة نهضت بعد حروب كارثية ولكن الأزمة السودانية تحتاج لحلول جذرية .
وأضاف: الحرب لم تبدا في 2023 لكنها مستمرة منذ عقود، لذلك يتطلع السودانيون إلى حل نهائي لكافة أسباب الصراع بعدها يمكن لأي جهة سياسية حتى لو كانت ضعيفة أن تدير البلاد وتعبر بالاقتصاد في ظل الاستقرار الأمني وتوفر الموارد.
بالعودة إلى حديث نجم الدين فان القطاع الزراعي يتجه بشكل عام نحو خسارة أكثر من 50% من إنتاجه في المناطق المتأثرة بالصراع المباشر (مثل الجزيرة، والنيل الأبيض، ودارفور وكردفان). تعطلت دورة الإنتاج بسبب النزوح الجماعي للمزارعين، ونهب الماشية والمعدات، واستحالة الوصول إلى الأراضي، وارتفاع تكاليف المدخلات. وأصبح السودان، الذي كان سلة غذاء محتملة، عاجزاً عن توفير احتياجاته الأساسية، مما عمق أزمة الغذاء.
أما القطاع الصناعي فقد دخل في سكتة شبه كاملة. تعطلت أكثر من 85% من المنشآت الصناعية، وفق تقديرات اتحاد الصناعيين السودانيين، بسبب التدمير والنهب المتعمد، وأن معظم الصناعات القائمة حاليا تعمل بأقل من 15% من طاقتها الإنتاجية نتيجة لضعف الطاقة والبنية التحتية الصناعية وغيرها.
جميع هذه العوامل أدت إلى نمو سالب في الناتج المحلي الإجمالي وبلغ العجز المالي نسبة هائلة من الناتج المحلي الإجمالي بسبب انهيار الإيرادات الضريبية والجمركية (مع توقف معظم النشاط الاقتصادي الرسمي) وزيادة الإنفاق العسكري والأمني بشكل غير منتج.
ويرى نجم الدين أن الحرب لم تدمر فقط البنية التحتية المادية، بل دمرت القطاعات الإنتاجية الأساسية للسودان وهيكل الاقتصاد الوطني .
المؤشرات تتجاوز مرحلة “الركود” إلى مرحلة “الانكماش والتفكك الاقتصادي” ولا يمكن الحديث عن أي إصلاح أو نمو اقتصادي حقيقي دون تحقيق وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية آمنة، وبدء عملية سياسية جادة من أجل التعافي المستقبلي، وخطة طوارئ إنسانية ضخمة، وإعادة إعمار وهيكلة، وإصلاح مؤسسي كامل واستراتيجية تنمية شاملة لاستنهاض الموارد الوطنية والكفاءة المؤسسية، ودعم مالي وفني دولي هائل وطويل الأمد، ومن ثم بناء سلطة سياسية ذات شرعية متفق عليها، قادرة على تفكيك اقتصاد الحرب وإعادة توجيه الموارد بشكل صحيح.
ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد جريدة (التغيير)، وفيها تشريح لحالة الانهيار الاقتصادي الذي رافق الحرب الدائرة في السودان لما يقارب ثلاث سنوات. تعكس المادة نسبة الفقر وسط السودانيين وقد بلغت نحو 71% من حجم السكان، وانعكس الانهيار الاقتصادي بشكل مباشر على الحياة، مما خلق أسوأ أزمة نزوح وأمن غذائي في العالم، وفقد 60% من السودانيين مصادر دخلهم تماما، وتم تدمير كبير في البنية التحتية. وبحسب التقارير تُقدّر الخسائر المباشرة وغير المباشرة بنحو 150 إلى 250 مليار دولار.
التغيير
المصدر:
الراكوبة