آخر الأخبار

صحافة أوروبية: فضيحة إبستين تكشف عورة النخب الحاكمة؟

شارك

أدى الكشف عن ملايين الوثائق المرتبطة بفضيحة جيفري إبستين لصدمة مزدوجة لدى الرأي العام العالمي من حيث حجم الانتهاكات الإجرامية من جهة، وهول الصمت الذي حماها لسنوات من جهة أخرى، وفق وسائل إعلام ألمانية وغربية.

قامت السلطات الأمريكية، في إطار “قانون الشفافية لملفات إبستين”، (30 يناير/ كانون الثاني 2026) بنشر أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق ومقاطع الفيديو وقوائم الرحلات، بهدف تسليط الضوء على شبكة بطل الجرائم الجنسية جيفري إبستين. غير أنّ النتيجة لم تكشف لحد الآن عن الحقيقة الكاملة، بقدر ما خلقت فوضى ولغطا سياسيا وإعلاميا عارما. فهذه الكمية الهائلة من البيانات تثير عند البعض الشبهات، فهناك من يرى فيها نوعا من الشفافية المزيفة. فقد أُغرق الرأي العام ببحر من المعلومات تقود لعجز كامل عن فهم كل أبعاد الفضيحة. ومن بين تداعيات هذا الوضع هو ضياع حقوق الضحايا الحقيقيين وسط ملايين البيانات، التي قد تستخدم بشكل انتقائي لخدمة أجندات مختلفة تتجاهل الضحايا. وهو ما يلقي بظلال من الشك والريبة بخصوص نزاهة جزء من النخب الحاكمة في العالم.

وبهذا الصدد كتب موقع “فوكوس” الألماني (الخامس من فبراير/ شباط 2026) مُلخصا تعليقات قرائه على الفضيحة “يؤجّج نشرُ مزيدٍ من الملفات المرتبطة بالجرائم الجنسية لجيفري إبستين الجدلَ في تعليقات القراء، حيث يهيمن انعدامُ الثقة تجاه النخب والمؤسسات السياسية. ولا تحتل المعالجة القضائية للقضية صدارة الاهتمام، بقدر ما تسود قناعة مفادها أن إساءة استخدام النفوذ يتم التستر عليها بشكل منهجي. ويغلب على النقاش طابع عاطفي حاد، يتراوح بين الشبهات حول الفساد، وانتقاد الطبقة السياسية، وصولا إلى التشكيك الجذري في أنظمة السلطة القائمة. وينتقد معظم القرّاء ما يرونه إساءة واسعة النطاق لاستخدام السلطة والنفوذ. ويشتبه المستخدمون في وجود شبكة تضمّ السياسة والاقتصاد والمشاهير، يُعتقد أنها وفّرت غطاء لسلوكيات جنائية. ويُفسَّر موتُ إبستين، على نحوٍ متكرر، بوصفه دليلا على عملية التستر هذه. غير أنن الوقائع تشير إلى أن وفاته صُنفت رسميا على أنها انتحار، رغم توثيق إخفاقات جسيمة في إجراءات الاحتجاز. وحتى الآن، لا توجد أدلة موثوقة تتثبت تورّط أجهزة استخبارات أو وقوع عملية قتل متعمّدة”.

صمت القبور ـ التواطؤ خوفا من أصحاب النفوذ
فضيحة إبستين كشفت وجود ممارسات إجرامية ممنهجة ضد الأطفال تواطأ معها المجتمع، وظلت محصورة داخل دائرة الشائعات والصمت المتعمد، حيث شكل تواطؤ المجتمع عبر اللامبالاة أوالخوف من أصحاب السلطة والنفوذ. وكان ذلك بلا شك أحد شروط استمرار تلك الجرائم لفترة طويلة، خصوصًا حين كان الضحايا من أطفال البيئات الهشة الذين لا يملكون الحماية الاجتماعية. غير أن هذا التواطؤ يبقى هشا، إذ انهار فور وصول الجريمة إلى الأطفال بوصفهم المعيار الأخلاقي الأخير الذي لا يستطيع المجتمع تبرير تجاوزه علنا، فحدتث الصحوة، لا لأن الجريمة جديدة، بل لأن إنكارها لم يعد ممكنا كما تجسّد ذلك في قضية إبستين التي كشفت أن الصحوة الأخلاقية المتأخرة هي في الواقع إدانة للصمت الطويل وللجريمة نفسها.

وبهذا الصدد كتبت صحيفة “برافادا” السلوفاكية (الرابع من فبراير) معلقة “منذ ستينيات القرن الماضي على أبعد تقدير، كانت الشائعات تتداول حول شبكات متكاملة لاستغلال الأطفالجنسيا تضم شخصيات بارزة، وكان الأطفال المنحدرون من بيئات اجتماعية هشة هم الأسهل وقوعًا في شباك هذه التنظيمات الإجرامية. بعض هؤلاء لم يُعثر عليهم مرة أخرى أبدا، إن وُجد أصلًا من تحلى بالشجاعة للبحث عنهم (..) غالبًا ما يميل المجتمع إلى التواطؤ عبر الصمت، لكن لفترة محدودة فقط. فعندما يتعلق الأمر بالأطفال، يتبع ذلك عادة صحوة جماعية واسعة. فما كان يمكن التقليل من شأنه بالأمس، لم يعد ممكنًا منذ قضية إبستين” تقول الصحيفة.

ضحايا إبستين خارج حسابات السياسيين الأمريكيين
هناك قضية بالغة الحساسية تتقاطع فيها اعتبارات العدالة الجنائية مع الحسابات السياسية، وتبنى أساسًا على مبدأ قانوني راسخ مفاده أن وثائق التحقيق، ولا سيما في القضايا التي تتعلق بجرائم جنسية، تخضع لسرّية مشددة هدفها الأول حماية الضحايا والشهود ومنع تعرّضهم لأذى إضافي. هذه السرّية ليست امتيازًا إجرائيًا للدولة، بل ضمانة حقوقية للأفراد الذين وجدوا أنفسهم أطرافًا في مسار لم يختاروه للعدالة. ويظهر تعارض واضح بين سلطة الكونغرس الرقابية وواجب الدولة في صون الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في الخصوصية. فرغم أن السلطة التشريعية تملك حق طلب المعلومات باسم الشفافية والمساءلة، فإن هذا الحق ليس مطلقًا عندما تكون نتيجته المتوقعة المساس بأشخاص أبرياء أو ضحايا لم تحسم قضاياهم قضائيًا.

وبهذا الشأن كتبت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية معلقة (الرابع من فبراير) “عادةً ما تُعامل مثل هذه الوثائق المتعلقة بالتحقيق بسرّية تامة لحماية الضحايا الأبرياء والشهود، وهو درس يبدو أن الكونغرسمضطر اليوم إلى تعلّمه. ورغم أن وزارة العدل حاولت حجب المعلومات الحسّاسة، فإن الكونغرس أمر بالكشف عنها خلال مهلة 30 يومًا (..) ولا يمكن للكونغرس التهرّب من تحمّل مسؤولية أخطاء المعالجة بعد أن فرض مهلة مستحيلة. وإذا كان لدى المشرّعين أي قدر متبقٍ من الشعور بالخجل، فبوسعهم الاعتذار للضحايا الذين كُشفت معلوماتهم (..) ويبدو أن لا إدارة بايدن ولا إدارة ترامب كانت قادرة على توجيه اتهامات جديدة ضد شركاء إبستين. ومع ذلك، رأى أشخاص من كلا المعسكرين السياسيين أنه من المناسب الانخراط في صراعات سياسية رخيصة واتهام الحكومة بالتستّر. وفي خضم هذا التسرّع، يتعرّض أبرياء للأذى”.

ترامب قد يتجاوز الفضيحة دون ثمن يذكر؟
حتى مع الإفراج عن موجة جديدة من وثائق إبستين التي ورد فيها اسم دونالد ترامب مئات المرات، تظل التبعات القانونية المحتملة ضد الأخير محدودة للغاية، لأن معظم المواد لا تعد أدلة مباشرة على ارتكاب أي جريمة، بل هي قائمة اتهامات غير مؤكدة جمعها مكتب التحقيقات الفيدرالي ورسائل إبستين ومقاطع صحفية فقط، كما أن وزارة العدل لم تفتح أي تحقيق رسمي جديد في عهد ترامب، مما يجعل أي متابعة قضائية ضده صعبة جدًا، ويزداد هذا التعقيد بسبب سيطرته السياسية نسبيًا بفضل الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، ما يعني أن أي تحرك قانوني محتمل يواجه عوائق سياسية وإجرائية تجعل احتمال فرض تبعات قانونية فعلية عليه، ضئيلًا رغم الحجم الإعلامي للفضيحة.

وبهذا الصدد كتبت صحيفة “نويه تسوريخر تسايتونغ” السويسرية الصادرة بالألمانية (الثالث من فبراير) معلقة “المراسلات الإلكترونية المثيرة والصور الخاصة بالحفلات التي تضم مراهقات و رجالاً أكبر سناً محرجة للغاية (..) وبحسب تود بلانش، المحامي السابق لترامب ونائب وزير العدل، فإن هذه المواد ليست ذات صلة من الناحية القانونية. وذُكر اسم ترامب مئات المرات في الوثائق، إلا أن ذلك يمكن بالكاد أن يلحق به الضرر. فالمسألة تتعلق أساساً بقائمة من الاتهامات غير المؤكدة بالاعتداءات الجنسية، جمعها مكتب التحقيقات الفيدرالي “إف.بي.أي” العام الماضي، إلى جانب رسائل لإبستين ومقاطع صحفية تذكر اسم ترامب .الرئيس الأمريكي الحالي (..) ولا يزال الأخير في موقع قوة طالما يتمتع الجمهوريون بالأغلبية في الكونغرس. ومن غير المرجح أن تترتب على هذه الوثائق الجديدة عواقب سياسية أو قانونية ملموسة على الرئيس. ومع ذلك، فإن ملفات إبستين تضر بالنخبة بأكملها في ميادين السياسة والاقتصاد والعلوم والترفيه. وسينشأ لدى العديد من الناخبين الانطباع أنهم أمام منظومة فاسدة تماماً”.

أي دور لروسيا في قضية إبستين؟
كان إبستين بارعًا في بناء شبكة علاقات واسعة تضم شخصيات قوية وذكية، ما جعله محور نفوذ اجتماعي رغم إدانته بجرائم جنسية عام 2008، وأن بعض التقارير تشير إلى احتمال عمله كجاسوس لصالح روسيا، حيث يُزعم أنه أدار عمليات خداع بالاغراء نيابة عن الـKGB، مع تواصل محتمل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما يعكس تداخلاً بين النفوذ الاجتماعي والسياسي والاستخباراتي على مستوى عالمي.

موقع “دويتشلاند فونك” التابع للإذاعة الألمانية (الثالث من فبراير) كتب معلقا “هناك شيء واحد أصبح واضحًا اليوم: لقد كان جيفري إبستين “شابكًا بارعًا”(..) لقد استطاع جمع عدد هائل من الأشخاص الأقوياء حوله، وربطهم معًا، ونظم فعاليات يلتقون فيها ويتعرفون على بعضهم البعض. لقد كان بمثابة محاور رئيسي، وهو السبب في أن العديد من المشاهير ربما يشعرون الآن بـ”توتر شديد”. كثيرون زاروا إبستين رغم أنه كان قد أدين بالفعل في عام 2008 بجرائم جنسية وألمحت صحيفة “ديلي ميل” إلى احتمال أن يكون إبستين قد عمل “كجاسوس لصالح روسيا”، وفقًا لمصادر في الاستخبارات، فقد كان إبستين يدير “أكبر عملية خداع بالاغراء على مستوى العالم” نيابة عن الـKGB، حسب ما ورد في المقال. ويزعم أن رسائل البريد الإلكتروني تؤكد لقاءً جمع إبستين بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين”.

DW

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا