تدهورت الأوضاع الإنسانية لمئات آلاف النازحين واللاجئين في مخيمات السودان بشكل مقلق، بعد اقتراب الحرب من عامها الثالث، إذ يواجهون نقصاً حاداً في المواد الغذائية ومياه الشرب والرعاية الطبية، في الوقت الذي أوشكت فيه المساعدات الإنسانية الشحيحة على التوقف كلياً. وقد لوّح بذلك برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة، محذّراً من نفاد المساعدات الغذائية في السودان خلال 60 يوماً بسبب نقص التمويل.
يتزامن هذا الواقع مع إقرار المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في السودان بتدهور الأوضاع الإنسانية بشكل متسارع في المخيمات. وأفادت المنسقية في 16 يناير/كانون الثاني الجاري، بأنّ مخيمات النازحين واللاجئين في دارفور تواجه “انهياراً إنسانياً شاملاً، حيث يعيش مئات الآلاف في ظروف لاإنسانية، تتدهور يوماً بعد يوم، في ظل تراجع خطير بحجم المساعدات الإنسانية وعجزها التام عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية”. وأكدت في بيانها أنّ “نقص الغذاء بلغ مستويات مميتة، خصوصاً بين الأطفال والنساء وكبار السن، نتيجة مجاعة ممنهجة وانهيار اقتصادي شامل وتدهور غير مسبوق في قيمة الجنيه السوداني”.
وشدّدت المنسقية على أنّ “الأولويات الإنسانية العاجلة واضحة، ولا تقبل التأجيل، وتتمثل في الغذاء، ثم مياه الشرب النظيفة، والمأوى والرعاية الصحية، والتغذية العلاجية، وخدمات الصرف الصحي وحماية الأطفال، والدعم النفسي للناجين من العنف والجوع والنزوح القسري”. وكشفت أنّ المخيمات تشهد حالات وفاة بسبب الجوع و سوء التغذية ، وانتشاراً واسعاً للأمراض المرتبطة بانعدام الغذاء والمياه النظيفة، لافتةً إلى أن “الحرب عطّلت سبل الإنتاج كليّاً، ودفعت الملايين إلى حافة الموت البطيء”.
وبحسب معطيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 9 يناير الجاري، تستضيف ولاية النيل الأبيض (جنوب) نحو 340 ألف لاجئ من جنوب السودان في عشرة مخيمات، ونحو 30 ألف لاجئ في المناطق السكنية. بينما كشفت مفوضة العون الإنساني بولاية النيل الأبيض، لمياء أحمد عبد الله، أن الولاية تستضيف أكثر من مليون و128 ألف نازح يقيمون وسط الأسر داخل المنازل، إضافة إلى أكثر من 8 آلاف نازح في معسكرات قوز السلام، تندلتي وخور أجول، بحسب ما أفادت وكالة السودان للأنباء في 22 يناير الجاري.
ويعيش النازحون واللاجئون ظروفاً متردّية بسبب نقص المواد الغذائية، وانخفاض مستوى الرعاية الصحية، والبيئة الملوّثة، وافتقار المخيمات للمراحيض الكافية ولمصادر مياه الشرب النقية، إذ يجلب معظم النازحين واللاجئين المياه من مصادر مفتوحة تشاركهم فيها الأبقار والأغنام.
وتقول فاطمة عبدالله التي نزحت من إقليم كردفان إلى مخيم الرديس بولاية النيل الأبيض، إنّ “آلاف النازحين في المخيم يواجهون نقصاً كبيراً في المواد الغذائية ومواد الإيواء، ويحتاجون إلى المساعدات الملحّة”. وتضيف لـ”العربي الجديد”: “المواد الغذائية التي تُقدّم حالياً شحيحة، لا تكفي الأسرة لأكثر من أسبوع، وهي سلع تختلف كل مرة، مثل الأرز والعدس والذرة، لكنّها غير ثابتة ولا تأتي في أوقات منتظمة، علماً أن النازحين لا يملكون أي مصدر دخل لتعويض النقص”. وتتابع فاطمة التي تتألف أسرتها من ستة أفراد: “الوضع المعيشي سيئ للغاية، أغلب النازحين يحصلون على وجبات صغيرة، وما من أحد يحظى بوجبتين، الطعام نادر جداً. وإذا استمرت الأوضاع على هذا المنوال، فإنّنا أمام مأساة حقيقية”.
ويتشارك النازحون السودانيون المعاناة ذاتها مع اللاجئين من دولة جنوب السودان الذين يقيمون في مخيمات ولاية النيل الأبيض. ويقول أحد اللاجئين المقيم بمخيم “خور الورل” لـ”العربي الجديد”: “المواد الغذائية قليلة للغاية، ولا تكفي سوى لأيام معدودة، ما يُبقي عدداً من اللاجئين من دون طعام بانتظار وصول المساعدات”. ويضيف اللاجئ الذي طلب عدم الكشف عن هويته: “كانت المنظمات توزع المواد الغذائية، لكنها توقفت منذ إعلان تقليص المساعدات المقدمة للنازحين واللاجئين في السودان، ما خلق معاناة للاجئين الذين يعتمدون كليّاً على المساعدات، وسط مخاوف من توقفها نهائيّاً”.
وفي مخيم “كلمة” القريب من مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، يواجه النازحون ظروفاً معيشية مُزرية، بسبب شحّ المواد الغذائية التي لا تكفي سوى لأعداد قليلة. كما يشكو النازحون الذين يزيد عددهم على 100 ألف نازح، بحسب التقديرات، من ضعف الخدمات.
وتزداد المعاناة في مدينة طويلة بولاية شمال دارفور، حيث يعيش نحو مليون نازح ظروفاً قاسية، معظمهم وصل إلى المنطقة بوضع صحي ونفسي هشّ بعد الفرار من مدينة الفاشر التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع في نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي. ويتوزع النازحون على مخيمات بدائية مصنوعة من المواد المحلية، بينما جرى تسجيل عدد قليل منهم لدى المنظمات العاملة في المنطقة، بحيث يحصلون على مواد غذائية محدودة تقتصر على العدس والفول والذرة والزيت والملح، ولا تكفي أفراد الأسرة سوى لأيام معدودة.
ويقول أحد المتطوعين في غرف الطوارئ بمدينة طويلة لـ”العربي الجديد”: “لا تشمل المساعدات كل النازحين، وهناك أعداد كبيرة ممّن وصلوا أخيراً لم يتم بعد تسجيلهم رسمياً، ووُضعوا على قائمة الانتظار. ولكن بعد التوقعات بنفاد مخزون المواد الغذائية في السودان، يمكن أن يحدث الأسوأ لهؤلاء النازحين القادمين من الفاشر، والذين يعانون مضاعفات سوء التغذية نتيجة الحصار الذي كان مفروضاً على المدينة”.
وفي 15 يناير الجاري، نبّه برنامج الأغذية العالمي إلى أن “أكثر من 21 مليون شخص يواجهون مستويات حادّة من الجوع في السودان، ويحتاجون مساعدة عاجلة للبقاء على قيد الحياة”، مشيراً إلى أنّه تم تأكيد حدوث مجاعة في أجزاء من البلاد، وأن 3.7 ملايين طفل وامرأة حامل ومرضعة يعانون من سوء التغذية”. وأكد البرنامج حاجته بشكل عاجل إلى 700 مليون دولار أميركي لمواصلة عملياته في السودان خلال الفترة من يناير إلى يونيو/ حزيران المقبل. وفي التاريخ ذاته، كشف مدير الطوارئ والاستجابة في البرنامج روس سميث، أنّه “بحلول نهاية مارس/آذار المقبل، سنكون قد استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان. ومن دون الحصول على تمويل إضافي فوري، سيُحرَم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع”.
ويواجه آلاف النازحين الذين وصلوا إلى مدينة الضعين عاصمة ولاية شرق دارفور، مشقة في تدبير أمورهم المعيشية، وسط نقص حاد في الغذاء والدواء. وإذ يعيش النازحون في مخيمات متفرقة غير نظامية، يؤكد معظمهم أنّ البحث عن مساعدات إنسانية لم يعد مُجدياً، فقد انتظروها طويلاً منذ وصولهم إلى المنطقة.
ويقول مهند أبوبكر، وهو أحد النازحين من الخرطوم لـ”العربي الجديد”: “يعتمد النازحون حالياً على المساعدات التي تُقدّم من المجتمعات المحلية وبعض الخيّرين، بعد أن فقدوا الأمل بالمساعدات الدولية. كما أن المطابخ الجماعية التي توزع وجبات جاهزة على النازحين، صارت آخر الحلول المتاحة أمامهم”.
ويؤكد المتحدث باسم شبكة أطباء السودان محمد فيصل لـ”العربي الجديد”، أن المساعدات التي تُوزع على النازحين في المخيمات لم تكن تغطي أكثر من 25% من الحاجات الفعلية، حتى قبل تقليصها. ومن المتوقع أن تشتد الأحوال سوءاً بعد تصريحات برنامج الأغذية العالمي، وتوقعاته بنفاد المواد الغذائية. ويضيف فيصل: “هناك نازحون يقاسون معاناة أكثر حدّة، مثل النازحين في مخيمات دارفور والأبيض الذين يحتاجون إلى المساعدات العاجلة لتعويض غياب المنظمات الدولية”.
العربي الجديد
المصدر:
الراكوبة