آخر الأخبار

من هي زعيمة الحركة المسيحية التي يرى أتباعها أنها "المجيء الثاني للمسيح في صورة أنثى"؟

شارك
مصدر الصورة

كيف استطاعت امرأة بريطانية فقيرة تتمتع بشخصية جذابة أن تصبح زعيمة لحركة دينية تُعرف باسم "الشاكرز"، وتنقلها إلى الولايات المتحدة، وتُلهم أفكارها آلاف الأشخاص لاتباعها؟

حركة "الشاكرز" المسيحية، التي نشأت في القرن الثامن عشر، معروفة اليوم بإسهاماتها البارزة والمؤثرة في مجالات الأثاث والتصميم والعمارة، بيد أن الجانب الأقل شهرة يتمثل في مدى الطابع الجذري لأفكارها الدينية.

سبقت الحركة عصرها في المناداة بمساواة كاملة بين الجنسين، وبالحياة الجماعية، وبالحياة السلمية، وبمفاهيم الاستدامة، كما نهضت بدور ريادي في تطوير الخدمات الاجتماعية في الولايات المتحدة، وقدّمت دعماً للنساء اللواتي يتعرضن للاعتداء والإساءة، وأسهمت في تحرير الأمريكيين من أصول أفريقية من العبودية، إضافة إلى التمسك بحياة العزوبية ورفض مؤسسة الزواج.

ولا تزال مبادئ "الشاكرز" حتى يومنا هذا تبدو جريئة وغير مألوفة، ويمكن إرجاع كثير منها إلى زعيمة الحركة الاستثنائية، آن لي، المولودة في بريطانيا، فهي امرأة لم تعرف القراءة والكتابة، ونشأت في بيئة فقيرة، وعلى الرغم من ذلك نجحت في استقطاب الآلاف لاتباع تعاليمها. فكيف حدث ذلك؟

لم تترك لي أي مؤلفات مكتوبة، بيد أن الشهادات التي تناقلها أتباعها وصفتها بأنها شخصية تمتعت بجاذبية استثنائية وقدرة كبيرة على الإقناع.

وتقول المخرجة مونا فاستفولد: "جميع الروايات التي تحدثت عنها تشير إلى هذا نوع من التفاني الكبير لقضيتها".

جدير بالذكر أن فاستفولد شاركت مؤخراً في كتابة وإخراج فيلم موسيقي تاريخي بعنوان "وصية آن لي"، بطولته أماندا سيفريد، التي تجسد فيه دور آن لي، ويقدم الفيلم "إعادة سرد تخيّلي" لحياتها، ويستعرض مسيرتها منذ طفولتها الفقيرة في مانشستر بإنجلترا، مروراً بقيادتها لحركة "الشاكرز" ونقلها إلى الولايات المتحدة، وحتى وفاتها عن عمر ناهز 48 عاماً.

أثارت المباديء التقدمية التي تبنتها آن لي انتباه المخرجة فاستفولد منذ اللحظة الأولى، وتقول في حديثها لبي بي سي: "كنت معجبة حقاً بوجود امرأة تحمل هذه الأفكار الجذرية، وبأن قصتها تشكّل جزءاً من التاريخ الأمريكي".

مصدر الصورة

وُلدت آن لي عام 1736 في مانشستر، وكانت الثانية بين ثمانية أطفال، ولم تحظ بأي تعليم نظامي، وبعد تنقّلها بين عدد من الوظائف، من بينها عملها لفترة في مصنع للمنسوجات، انضمت وهي في الثانية والعشرين إلى جماعة دينية إنجليزية تُعرف باسم "جمعية واردلي".

ولُقّبت هذه الجماعة باسم "الكويكرز المرتجفين" بسبب طريقة الرقص والغناء الحماسي المصحوب بحالات من النشوة الروحية أثناء ممارسة العبادة، ثم أصبحوا يُعرفون لاحقاً باسم "الشاكرز".

وبوصفهم جماعة تنتمي للطائفة البروتستانتية، اعتقد أتباع حركة "الشاكرز" أن المجيء الثاني للمسيح سيكون في هيئة أنثى، وأن زعيمتهم آن لي تجسّد هذا المجيء، كما آمنوا بأن الرجال والنساء متساوون في المسؤوليات الملقاة على عاتقهم تجاه بعضهم البعض وتجاه العالم.

وفي عام 1762، تزوجت لي من أبراهام ستاندرين، الذي كان يعمل حداداً، وأنجبا أربعة أطفال، توفوا جميعاً في مرحلة طفولة مبكرة، وبعد وفاة طفلها الرابع، ازداد انخراط لي في نشاط جمعية واردلي الدينية، ومع تعاظم دورها، ازدادت جماعة "الشاكرز" حماسة وتطرّفاً، وبدأت في انتقاد طقوس العبادة الخاصة بالكنائس المنافسة، بل كانت لي نفسها تعتقد أن كنيسة إنجلترا تفسد سكان مانشستر، ووصفتها في إحدى المناسبات بأنها كنيسة وقعت في دينونة.

وفي عام 1770، عوقبت آن لي بالسجن في مانشستر لمدة 30 يوماً، وذلك بسبب قيامها بتعطيل إحدى الصلوات الكنسية، وخلال فترة احتجازها، ادّعت أنها تلقت وحياً بأن حياة العزوبية هي السبيل إلى الطهارة، وهو المبدأ الذي سيصبح ركيزة أساسية لمعتقدات "الشاكرز".

وبعد أربعة أعوام، قالت إنها تلقت وحياً آخر بضرورة تأسيس الحركة في أمريكا، وفي العاشر من مايو/أيار 1774، سافرت لي برفقة مجموعة صغيرة من أتباعها، من بينهم شقيقها ويليام لي وزوجها، من ميناء ليفربول إلى نيويورك، وبعد عامين، أسست حركة "الشاكرز" أول تجمع لها في نيسكايونا، بالقرب من مدينة ألباني.

معتقدات تجاوزت الأعراف السائدة

مصدر الصورة

عند وصول لي وأتباعها إلى أمريكا، التي كانت آنذاك على شفا اندلاع حرب الاستقلال (1775–1783)، أثار موقفهم السلمي المتشدد موجة من الشكوك والجدل، ووُجهت إلى لي تهمة التجسس لصالح بريطانيا، وسُجنت مجدداً بعد أن رفضت أداء قسم الولاء لولاية نيويورك، بحجة أن هذا القسم يتناقض مع معتقداتها الدينية، أمضت شهوراً في السجن، إلى أن تدخل حاكم الولاية، جورج كلينتون، وأمر بالإفراج عنها، بعدها تعرضت لي وأعضاء الشاكرز لمضايقات واعتداءات على يد جماعات غاضبة بسبب آرائهم ومعتقداتهم.

توفيت آن لي عام 1784، بعد عشر سنوات من وصولها إلى الولايات المتحدة، ويرى بعض المؤرخين أن الإصابات التي لحقت بها نتيجة الاعتداءات الجسدية أسهمت في وفاتها، وعلى الرغم من ذلك استمر تأثير "الأم آن"، كما كان يُطلق عليها أتباعها، ينتشر وينمو بعد وفاتها، وبحلول عام 1850، قُدّرت أعداد أتباع "الشاكرز" في الولايات المتحدة بنحو خمسة آلاف شخص.

وتُعد قناعة آن لي بالمساواة بين الجنسين وبالعدالة الاجتماعية من السمات الجوهرية التي ميزتها، وهي قناعة مثّلت خروجاً واضحاً عن الأعراف السائدة في عصرها.

وتقول إليزابيث دي وولف، أستاذة التاريخ بجامعة نيو إنغلاند ومؤلفة كتاب "اهتزاز الإيمان: المرأة، الأسرة، وحملة ماري إم. داير المعارضة للشاكرز": إن "الجميع كان يُنظر إليهم بوصفهم إخوة وأخوات بعضهم لبعض".

وتلفت المخرجة فاستفولد إلى أنه من أجل "إعادة النظر في بنية الأسرة والمجتمع، وصياغة نموذج طوباوي (المدينة الفاضلة) يتيح طريقة جديدة للعيش المشترك والتعايش، كان لا بدّ لـ (لي) أن تطرح تصوراً جذرياً يعيد تعريف هذه العلاقات. فالأخ والأخت متساويان، أما الزوج والزوجة فليسا كذلك".

وخلال السنوات التي أعقبت قيادة لي، حافظ "الشاكرز" على بعض الفروق التقليدية بين الجنسين، وتشير دي وولف إلى "وجود تسلسل هرمي داخل مجتمعات الشاكرز وكذلك فيما بينها، وكانت بنية القيادة وآليات اتخاذ القرار هرمية بطبيعتها".

وتلفت فاستفولد إلى أن لي عاشت في مجتمع أبوي، كانت المعاملة المهينة للنساء أمراً شائعاً وقتها، وتقول: "من الواضح أن كون الإنسان امرأة في تلك المرحلة التاريخية كان أمراً بالغ القسوة. لم تكن هناك أي درجة من الاستقلالية، بل كانت المرأة ملكاً لزوجها، وكان يُتوقع منها أن تنجب 10 أو 14 طفلاً. لقد أنجبت جدتي الكبرى أربعة عشر طفلاً، وبصورة أساسية، كان يُنظر إلى وظيفة المرأة على أنها تنحصر في الإنجاب".

العزوبية والسلمية

مصدر الصورة

يعد تشديد لي الصارم على حياة العزوبية من أكثر قواعدها إثارة للجدل، إذ كانت ترى أن الجنس هو أصل كل شر، وتقول دي وولف إن لي تبنت العزوبية "كي تحيا حياة المسيح، وبما أن الاعتقاد السائد كان أن المسيح عاش دون زواج، فقد التزم الشاكرز هم أيضاً بالعزوبية".

وذهب بعض الباحثين إلى القول إن تبني لي حياة العزوبية كان مدفوعاً بتجاربها المؤلمة في الإنجاب وبالخسارة المأساوية لأطفالها.

وتقول كاثرين ريكلس، الأستاذ المساعد في اللاهوت البروتستانتي الحديث بجامعة فوردهام: "فقدان أربعة من أطفالها عزز على الأرجح إحساسها بأن الجنس ليس فعلاً مقدساً يجلب السلام والفرح، بل تجربة تفضي إلى المعاناة والحزن".

بيد أن المخرجة فاستفولد تعتقد أن نفور لي من الجنس يعود، جزئياً، إلى نشأتها الصادمة، ففي مشهد مبكر من فيلمها، تظهر لي وهي تشاهد والديها أثناء علاقة جنسية، ثم تواجه والدها بالأمر، وتوضح فاستفولد: "تشير (شهادات الشاكرز) إلى أنها كانت تبدي نفوراً منذ سنوات مبكرة جداً مما أطلقوا عليه (المعاشرة الجسدية)".

وشكل مبدأ السلمية أحد أهم دعائم معتقدات "الشاكرز"، وهو مبدأ كان مثيراً للجدل بدرجة كبيرة في المجتمع الأمريكي في ذلك الوقت، وتقول فاستفولد: "كانوا مسالمين على نحو صارم، وكان هذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة لهم".

وتضيف: "عندما فُرضت ضغوط على (الشاكرز) للمشاركة في حرب الاستقلال، قالت (لي): بالطبع لا، لا يمكننا إلحاق الأذى بأي إنسان"، وتقول فاستفولد إن هذا الموقف كان متشدداً للغاية في ذلك الوقت.

ويرى مؤرخون أن الأفكار الجذرية التي تبنتها لي جعلتها من أوائل المناصرين لما يُعرف اليوم بالفكر النسوي، وتقول فاستفولد: "أستطيع القول إن (لي) كانت واحدة من أوائل النسويات، ومن المؤكد أن هناك أخريات كثيرات لم تصلنا قصصهن".

وطوال مسيرتها، حافظت آن لي على التزامها الصارم بمبادئها، رغم ما تعرضت له من اعتداءات جسدية، واتهامات بالسحر، وسجن متكرر.

وتقول فاستفولد: "توجد عدة اقتباسات منسوبة إلى (لي) تقول فيها: لا يهمني إن سلبتم حياتي. هذا لا يعني شيئاً بالنسبة لي، لن أتنازل عن هذه المبادئ".

وعلى الرغم من أن حركة "الشاكرز" ضمّت آلاف الأتباع في ذروة انتشارها، فإن عددهم اليوم في الولايات المتحدة لا يتجاوز ثلاثة أشخاص فقط، وقد انضمت الثالثة، وهي امرأة من ولاية مين، إلى الحركة في عام 2025.

وعلى الرغم من ذلك، ترى فاستفولد أن آن لي لا تزال تحتل أهمية كبيرة في وقتنا الراهن، وتقول: "كان (الشاكرز) رواد تقديم الخدمات الاجتماعية في أمريكا، ووفروا ملاذاً للنساء اللواتي تعرضن للعنف أو الأذى، واعتنوا بالأطفال اليتامى، وقدموا الرعاية للمسنين، فعلوا كل ذلك قبل أن تتوافر أي بنية مؤسسية رسمية لهذه الخدمات".

وتأمل فاستفولد أن يسهم فيلمها في إعادة الاعتبار لشخصية تاريخية منسية ناضلت من أجل المساواة. وتقول: "الإرث الذي كان معروفاً لنا قبل رواية هذه القصة كان يتمثل أساساً في مجال التصميم".

وتضيف: "هذا ما تعرفه أمريكا والعالم عن الشاكرز: تصميمهم. بيد أن الإرث الحقيقي لـ (لي) يكمن في منظومة أفكار متعلقة بالمساواة وبناء المجتمع، وهي أفكار أرى أنها شديدة الصلة بعصرنا الحالي".

وتختتم بقولها: "كانت [لي] بمثابة شعلة نور أضاءت فصلاً قاتماً من فصول التاريخ الأمريكي".

جدير بالذكر أن فيلم "وصية آن لي" يعرض حالياً في دور السينما في الولايات المتحدة، وسوف يُعرض في المملكة المتحدة في 20 فبراير/شباط المقبل.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا