حديث الحكومة الإثيوبية يعكس مدى طبيعة الأجواء التي تعيشها البلاد ومنطقة القرن الأفريقي في ظل تحديات وتنافسات بين دولها، ودل حديث رئيس الوزراء الإثيوبي على واقع تبعات قضية “سد النهضة” الذي لا يزال الخلاف قائماً حوله مع دولتي المصب مصر والسودان، المطالبتين باتفاق قانوني رسمي في شأنه، فضلاً عن الطموح المتصل بمطالبة إثيوبيا بميناء خاص، وإعلانها الرسمي عن حقها المشروع في تملك ميناء بحري كهدف استراتيجي.
في رسالته بمناسبة الذكرى الـ90 لتأسيس القوات الجوية الإثيوبية، أكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن حماية مصالح إثيوبيا وتطلعاتها مسؤولية تقع على عاتق الإثيوبيين وحدهم، موضحاً أن دعم الأصدقاء، وإن كان مفيداً، فإنه عمل تطوعي ولا يغني عن المسؤولية الوطنية. فما هي خلفيات الرسالة في ما يشهده الظرف الإثيوبي الحالي من تطلعات وتحديات على المستوىين المحلي والإقليمي؟
جاءت الرسالة التي حيا بها آبي أحمد الذكرى الـ90 لتأسيس القوات الجوية الإثيوبية التي صادفت الأحد الماضي وأقيمت في مقر القاعدة الجوية الرئيسة بمدينة بيشوفتو (دبرزيت) التي شهدت عرض “الأسد الأسود” الجوي، تحت شعار “إثيوبيا، سماء الأسود”.
ووفق ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية (إينا)، شدد أحمد على أن من واجب جميع الإثيوبيين حماية مصالح بلادهم وتلبية حاجاتها، مع الحفاظ على الدعم الطوعي من أصدقائهم وشركائهم. وأضاف “لا أمّ لنا من دون إثيوبيا، ولا أبناء لإثيوبيا من دوننا”، داعياً من لجأوا إلى معيليهم أثناء فترة الحاجة والفقر إلى العودة لوطنهم لأن معيليهم ليسوا دائمين. وقال “ندرك أن وطننا الأم لا يتخلى عن أبنائه، وأن أبناء إثيوبيا جزء من إرث أجدادنا الأبطال، ومن واجبنا جميعاً أن نؤكد على صمود إثيوبيا وعظمتها، كما فعلوا في الماضي”.
مغازلة وتوتر
وقال نائب رئيس الوزراء تمسغن طرونه إن “طموحات وقدرات القوات الجوية الإثيوبية لا سقف لها”، مؤكداً أنها “تمضي بثبات نحو ترسيخ حضورها والدفاع عن سيادة البلاد”.
حديث الحكومة الإثيوبية يعكس مدى طبيعة الأجواء التي تعيشها البلاد ومنطقة القرن الأفريقي في ظل تحديات وتنافسات بين دولها، ودل حديث رئيس الوزراء الإثيوبي على واقع تبعات قضية “سد النهضة” الذي لا يزال الخلاف قائماً حوله مع دولتي المصب مصر والسودان، المطالبتين باتفاق قانوني رسمي في شأنه، فضلاً عن الطموح المتصل بمطالبة إثيوبيا بميناء خاص، وإعلانها الرسمي عن حقها المشروع في تملك ميناء بحري كهدف استراتيجي.
الإنجاز (سد النهضة) والطموح (المنفذ البحري) أثارا خلافات لا تزال قائمة مع دول الإقليم، ففيما وصفت مصر “سد النهضة” بأنه “غير شرعي” في حيثيات رفضها للتصرفات الإثيوبية ومطالباتها باتفاق قانوني لإدارة السد، أضافت قضية المنفذ البحري خلافات جديدة مع الجارتين الحدوديتين الصومال وإريتريا، إضافة إلى الدولة المصرية التي ترفض في ظل التنافس الإقليمي وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر باعتباره إطلالة إقليمية خاصة بدوله المشاطئة.
AFP__20250909__73VA3DD__v1__MidRes__EthiopiaEgyptSudanEnergyPoliticsDam.jpg
خطت التطلعات الإثيوبية خطوة قوية من خلال إنهاء تدشين سد النهضة (أ ف ب)
وكانت مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع صوماليلاند في يناير (كانون الثاني) 2024 من أجل تملك منفذ بحري لـ50 عاماً في خليج عدن مقابل اعتراف إثيوبي باستقلال الإقليم بداية الأزمة مع دولة الصومال الأم، وتبعت تطوراتها نشأة اتفاق التعاون الدفاعي كشراكة استراتيجية شاملة بين تركيا والصومال، وعلى جانب آخر نشأ تحالف ثلاثي ضم كلاً من مصر وإريتريا والصومال في مواجهة الطموحات الإثيوبية.
وعلى رغم عودة العلاقات لهدوئها مع الجارة الشرقية الصومال بعد توسط الرئاسة التركية والوصول إلى “إعلان أنقرة”، ظلت تطورات الأحداث جارية مع الجارة الشمالية إريتريا، فبعد “اتفاق بريتوريا” للسلام بين أديس أبابا و”الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2022، تحفظت أسمرة على الاتفاق ورفضت الخروج من بعض مناطق تيغراي التي احتلتها أثناء مشاركتها في الحرب إلى جانب الحكومة، وتتهم إثيوبيا إريتريا بدعم المعارضة الإثيوبية المسلحة (جماعة الفانو)، إضافة إلى تبني تحالف جديد مع “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”.
وعلى النطاق الإقليمي وفي ظل الأوضاع المتسارعة وما تشهده المنطقة من خلافات، يشكل مطلب إثيوبيا بالمنفذ البحري تطوراً إقليمياً مهماً وسط تشابك مصالح قوى دولية وإقليمية داعمة للمطلب الإثيوبي، ومن بينها الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، وأخرى رافضة للأمر لما يمثله من خلق صراع حقيقي على مياه القرن الأفريقي ورسم خريطة تنافسية برموز متعددة.
وكان آبي أحمد قال ضمن تصريحات علنية حول البحر الأحمر في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، إن البحر الأحمر بالنسبة إلى إثيوبيا هو مسألة “حياة أو موت” وحان الوقت لمناقشة الموضوع علناً من دون مواربة. واتهمت وزارة الإعلام الإريترية في بيان رسمي، أديس أبابا بشن “حملة دبلوماسية تمهد لصراع محتمل وتقويض الاستقرار في المنطقة”.
والآن تأتي تصريحات القيادة الإثيوبية كاستدعاء لما تراه إثيوبيا من عزيمة تجاه تحدياتها، إذ أكد قائد القوات الجوية الإثيوبية الفريق يلما ميرداسا أن “قواته جاهزة تماماً للحفاظ على السلام والاستقرار في البلاد”.
والمناسبة التسعينية لتأسيس القوات الجوية الإثيوبية في بعد آخر اضطلعت بالكشف عن واقع متوجس تعيشه إثيوبيا والمنطقة لا يخلو من مفاجآت بخصوص تطورات محتملة.
عن أبعاد التصريحات الرسمية المتواترة، يقول الكاتب في الشؤون الإثيوبية محمد شافي “المتابع لتاريخ السياسة الإثيوبية يرى بوضوح أنه منذ الإصلاحات التي بدأها آبي أحمد عام 2018، فرضت إثيوبيا نفسها كقوة إقليمية كبرى من خلال دبلوماسيتها المبنية على التعاون المشترك والتكامل الإقليمي وتصفير المشكلات داخلياً وخارجياً، وهذه التطلعات خطت خطوة قوية من خلال إنهاء تدشين سد النهضة الإثيوبي في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، وطرح موضوع جرى التغاضي عنه منذ ثلاثة عقود وهو المطالبة بالمنفذ البحري وإيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر”.
ولم تكُن هذه التطلعات مفروشة بالورود، وفق شافي، إذ “مرت إثيوبيا بتحديات في ملف المنفذ البحري الذي جلب لها عداوة الجيران بداية من الصومال بسبب اتفاق الأولى مع صوماليلاند للحصول على منفذ بحري ضمن صفقات متبادلة، قبل أن تتدخل تركيا وتعيد الأمور لنصابها بـ’اتفاق أنقرة‘”.
ويضيف أنه “حين فُرض على إثيوبيا الواقع السكاني المتسارع والتحديات الاقتصادية التي قوضت البلاد بسبب فقدانها المنفذ البحري، بدأت تقلب صفحات التاريخ التي تحكم لمصلحتها في شأن ميناء عصب الذي سلب منها إبان استقلال إريتريا عام 1993. وفي خضم هذه المطالب والتطلعات يشهد الملف الداخلي عدم استقرار أمني في مختلف أقاليم أوروميا وأمهرا وتيغراي والمناطق الحدودية، على رغم الجهود الجبارة التي تبذلها أديس أبابا لحل هذه الأزمات من خلال إنشاء لجنة الحوار الوطني وحل الخلافات عبر الحوار”.
ويتابع شافي أن “إثيوبيا تستعد من جانب آخر لإجراء الانتخابات الوطنية السابعة في يوليو (تموز) المقبل، إذ أصر رئيس الوزراء آبي أحمد خلال الجلسة البرلمانية الأخيرة على تنظيم الانتخابات في موعدها على رغم التحديات التي تواجه الحكومة، مذكّراً بأن الانتخابات الوطنية السابقة أقيمت في ظروف الحرب الإريترية وحرب تيغراي على التوالي”.
ومع استمرار سعي كثير من الأحزاب السياسية إلى تأجيل الانتخابات بسبب الأوضاع الأمنية في البلاد، وعلى رأسها إقليم تيغراي الذي يعاني خلافات حادة بين الحكومة الموقتة في الإقليم و”جبهة تحرير تيغراي” في ظل عدم تنفيذ الحكومة لـ”اتفاق بريتوريا”، تبدي حكومة آبي أحمد صموداً من أجل تجاوز هذه التحديات والحفاظ على السيادة الوطنية في أحلك الظروف، مما أكده عرض القوات الجوية الإثيوبية في ذكراها الـ90 الذي نقل من خلاله آبي أحمد خطاباً شديد اللهجة لأعداء إثيوبيا التاريخيين بأن حكومته على أتم الجاهزية والاستعداد للتصدي لمن يحاول زعزعة أمنها.
من جانبه يصف الكاتب الإريتري المتخصص في الشؤون الأفريقية إبراهيم قارو رسالة آبي أحمد في الذكرى الـ90 لتأسيس القوات الجوية الإثيوبية، بأنها تأتي في لحظة تتقاطع فيها أزمات الداخل مع سيولة الأوضاع في الإقليم، مما يجعل الخطاب يتجاوز التهنئة العسكرية إلى كونه بياناً سياسياً يعيد التأكيد على عقيدة “الاعتماد على الذات” بوصفها مرتكزاً لإدارة المرحلة المقبلة.
ويضيف أن “اختيار سلاح الجو تحديداً ليس تفصيلاً احتفالياً، بل إنه توظيف مدروس لرمزية القوة الجوية كأداة لطمأنة الداخل، ورسالة ردع موجهة إلى الإقليم، في وقت تتصاعد الضغوط حول ملفات السد والأمن والتموضع في البحر الأحمر. والعبارة المحورية في الخطاب هي حين أكد آبي أحمد أن حماية مصالح إثيوبيا وتطلعاتها مسؤولية الإثيوبيين وحدهم، وهي تحمل أكثر من مستوى دلالي. فمن جهة تعيد تثبيت خطاب السيادة الصلبة في مواجهة ما تعدّه أديس أبابا ضغوطاً إقليمية ودولية، ولا سيما في ملف النيل و’سد النهضة‘، إذ تسعى الحكومة إلى تحصين خياراتها بوصفها شأناً وطنياً غير قابل للتدويل أو الإملاء. ومن جهة أخرى، تبرر هذه العبارة خيار الاستثمار المكثف في تحديث القوات الجوية، وتقديمه على أنه ضرورة سيادية مرتبطة بحماية مشروع الدولة لا كترف عسكري، خصوصاً مع الإعلان عن خطط لمضاعفة قدرات السلاح الجوي والانتقال إلى منظومات أكثر تطوراً خلال العقد المقبل”.
ويقول قارو “في الوقت نفسه يحمل حديث آبي أحمد حول أن دعم الأصدقاء عمل تطوعي، رسالة لا تقل وضوحاً، فالخطاب هنا يسعى إلى نزع وهم الارتهان للخارج داخلياً، وإلى تذكير الشركاء الخارجيين سواء روسيا أو الصين أو بعض دول الخليج بأن علاقتهم بإثيوبيا تعرف في إطار الشراكة لا الوصاية، وأن القرار السيادي لا يفترض أن يكون رهينة للدعم العسكري أو الاقتصادي. وبهذا المعنى يحاول آبي أحمد رسم حدود رمزية للعلاقة مع الخارج في لحظة باتت التحالفات أكثر سيولة وأقل ضماناً”.
وعلى الصعيد الداخلي، يرى قارو أن “الخطاب يأتي فيما تتعافَ الدولة بعد من آثار حرب تيغراي والصراعات المتقطعة في أقاليم أخرى، ووسط مشروع معلن لإعادة هندسة مؤسسة الجيش وتحويلها إلى ذراع مركزية لحماية ما تسميه الحكومة “النهضة الاقتصادية”. وقد قام سلاح الجو بدور حاسم في إدارة الصراعات الأخيرة، مما يفسر تقديمه في الخطاب على أنه “درع الأمة وأحد أعمدة بقاء الدولة”. فالربط الذي أجراه آبي أحمد بين قوة السلاح الجوي وأرقام النمو الاقتصادي يعكس بوضوح سردية “الأمن مقابل التنمية”، إذ يقدم الاستقرار الأمني الصارم شرطاً مسبقاً لتحقيق النمو، ويعاد تسويق القوة العسكرية كضامن لمسار اقتصادي طموح”.
ويوضح قارو “إقليمياً يتقاطع الاحتفال والرسائل المصاحبة له مع ملفات شديدة الحساسية، إذ اكتمل تشغيل ’سد النهضة‘ وتحول إلى ركيزة لما تسميه أديس أبابا ’السيادة الطاقية‘، وأدخل ملف المياه في معادلة ردع غير مباشرة مع مصر والسودان، حيث يقدم السد في الخطاب الإثيوبي بوصفه تجسيداً للسيادة الوطنية في مواجهة ترتيبات تاريخية تعتبرها غير عادلة. في الوقت ذاته يتصل تعزيز القوة الجوية بالنقاش المتصاعد حول حق إثيوبيا في الوصول إلى البحر، حيث تتحول القدرات العسكرية إلى ورقة رمزية ضمن بيئة البحر الأحمر المكتظة بالقواعد الأجنبية والجيوش الإقليمية من دون أن يعني ذلك بالضرورة تبني عقيدة توسعية هجومية”.
ويتابع أن “القراءة السائدة في الأدبيات العسكرية تشير إلى أن العقيدة الجوية الإثيوبية لا تزال تركز على الدفاع وضبط الإقليم أكثر من إسقاط القوة العابرة للحدود، مع حرص واضح على تنويع مصادر التسليح لتفادي التبعية لمحور واحد، غير أن استعراض هذه القدرات في مناسبة رمزية كهذه يحمل رسالة موجهة إلى الفاعلين في حوض النيل والقرن الأفريقي، مفادها بأن الضغط العسكري المباشر بات خياراً مكلفاً وغير واقعي. ومع ذلك يظل الخطاب محملاً بتناقضات بنيوية، فحصر حماية المصالح في الإثيوبيين وحدهم يتجاهل عمق الانقسامات السياسية والإثنية داخل الدولة، مما يحول خطاب السيادة أحياناً إلى غطاء لاحتكار القرار بدلاً من أن يكون تعبيراً عن عقد اجتماعي توافقي”.
ويستطرد أن “التوسع في العسكرة، خصوصاً في مجال عالي الكلفة كالقوة الجوية، يطرح أسئلة جدية حول أولويات الإنفاق في دولة لا تزال تعاني فجوات تنموية واضحة على رغم أرقام النمو المعلنة، ويعيد للواجهة نماذج أفريقية سابقة أظهرت محدودية ربط التنمية بقبضة عسكرية متشددة. وإضافة إلى ذلك، يكشف الواقع عن فجوة بين خطاب الاعتماد على الذات وحقيقة الارتكاز الواسع على الدعم الخارجي، سواء في تحديث السلاح الجوي، أو في استدامة مشاريع البنية التحتية الكبرى وفي مقدمتها السد، مما يجعل الاكتفاء الذاتي أقرب إلى خطاب تعبوي موجه للاستهلاك الداخلي منه إلى توصيف دقيق لبنية القوة الإثيوبية الراهنة”.
ويختم قارو “في المحصلة يمكن قراءة خطاب آبي أحمد في هذه المناسبة كمحاولة لإعادة صياغة الدور الإثيوبي في معادلة القرن الأفريقي، دولة تملك مشروعاً مائياً عملاقاً وتسعى إلى تثبيت نمو اقتصادي وتعمل على تحديث قوتها العسكرية لتقديم نفسها على أنها فاعل لا يمكن تجاوزه في ملفات النيل والبحر الأحمر والأمن الإقليمي، غير أن هذا الطموح الإثيوبي يصطدم بتحديات عميقة تتعلق بهشاشة الداخل وتحفز الجوار وتضارب أجندات القوى الإقليمية والدولية في البحر الأحمر. فمن منظور عربي– إقليمي لا يفترض التعامل مع الخطاب الإثيوبي بوصفه مجرد مغازلة للواقع، بل كإشارة إلى مرحلة جديدة من توظيف أدوات القوة الصلبة بما يستدعي مقاربة استراتيجية جماعية قادرة على استيعاب الطموح الإثيوبي وضبط مساراته الصدامية في آن واحد”.
اندبندنت عربية
المصدر:
الراكوبة