فايز ابوالبشر
وُلد النظام العالمي الراهن من رحم الدمار الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية، كردّ فعلٍ على فظائع حربين عالميتين جسّدتا صراعاً حيوانياً شرساً على النفوذ والموارد والسيطرة على طرق التجارة، صراعاً افتقد الى ابسط معاني الأنسنة.
وفي هذا السياق تشكّلت منظمة الأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1945م بوصفها الحدّ الأدنى من الأمل لمنع تكرار جنون الحروب، عبر إطارٍ جماعيّ متوافق عليه لحفظ السلم والأمن الدوليين.
ورغم ما يعتري الأمم المتحدة من عيوبٍ بنيوية، فإنها قدّمت إسهامات إنسانية لا يمكن إنكارها، خاصة في مجالات الإغاثة أثناء الكوارث، ومكافحة المجاعات، ودعم الصحة والتعليم، والمساهمة في احتواء بعض النزاعات الإثنية ودرء آثارها.
إلا أنها أخفقت في أن تكون حكماً عادلاً، إذ ظلّت منحازة إلى أجندات الدول الكبرى المؤسسة والمموِّلة لها، فتورّطت في أزمات كبرى على حساب الشعوب الضعيفة، كما في حالتي العراق وليبيا، حيث استُخدمت مظلتها الدولية غطاءً لتمرير أجندات القوى العظمى.
فالقوى التي هيمنت على هذا النظام لعقود تواجه تحولات جذرية مع صعود قوى دولية جديدة مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل، وهي قوى تمتلك طموحات سياسية وقدرات اقتصادية وبشرية تؤهلها للمطالبة بمكانة تتناسب مع ثقلها الحقيقي في الخريطة العالمية.
ولم يعد التنافس الدولي محصوراً في الأطر التقليدية المتمثلة في السيطرة على مناطق إنتاج النفط والغاز والتحكم في أسعارهما وتأمين طرق عبورهما.
فقد فقد النفط جزءاً كبيراً من بريقه مع اتساع رقعة المنتجين وتزايد الاعتماد على الطاقات البديلة والمتجددة.
وهي ثورة وقودها ومحركها المعادن النادرة والنفيسة الداخلة في صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية وتقنيات الطاقة النظيفة، التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد المستقبلي بشقّيه المدني والعسكري.
ومن هنا اشتدّ تنافس القوى الكبرى على مصادر هذه المعادن ومناطق إنتاجها، في مسعى لاحتكارها ومنع منافسيها التقليديين والجدد من الوصول إليها، لكبح تطورهم التقني والاقتصادي والعسكري، حيث يتجلى ذلك بوضوح في حرب الرقائق الدائرة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.
وقد مكّن هذا الواقع الولايات المتحدة من جني مكاسب مالية ضخمة من رسوم خدمات تنقل الاموال بين الدول، ساهمت في سدّ عجزها المزمن في الميزان التجاري .
غير أن هذه الهيمنة الناعمة تواجه اليوم تحديات متزايدة، مع لجوء دول عديدة، عانت من العقوبات الأمريكية الأحادية، إلى تسوية معاملاتها بالعملات المحلية وعبر أنظمة تحويل بديلة، كما فعلت البرازيل مؤخراً في بعض تعاملاتها الطاقوية، إضافة إلى توسيع أطر التكتلات الاقتصادية والسياسية مثل مجموعة “بريكس”، بما يهدد إحدى ركائز القوة الأمريكية الناعمة.
وفي المقابل، كشفت التجارب العسكرية الأمريكية في أفغانستان والعراق محدودية القوة الخشنة في فرض نتائج سياسية واقتصادية مستدامة، فيما دفعت العقوبات الاقتصادية دولاً مثل إيران وكوريا الشمالية وروسيا وفنزويلا إلى البحث عن بدائل تعزّز استقلالها وسيادتها الاقتصادية بعيداً عن النظام المالي الأمريكي.
وهكذا تحوّل الصراع الدولي من تنافس على الطاقة إلى حروب اقتصادية، وتكنولوجية، وتجارية، وصراعات على طرق التجارة وسلاسل الإمداد الحيوية، من بحر الصين الجنوبي إلى الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى المحيط الأطلسي.
وفي خلفية هذا المشهد يظل خطر التصعيد قائماً في عالم لم تعد الحروب فيه نزهة، في ظل الانتشار الواسع للسلاح النووي، بما يجعل أي مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى مغامرة كارثية على البشرية جمعاء.
أمام هذه التحولات، تبدو المؤسسات الدولية القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، عاجزة عن إدارة هذا المخاض التاريخي بالأدوات والآليات البالية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد شلّها حق النقض، والتمويل الانتقائي، والانحياز السياسي للأقوياء على حساب الضعفاء، ففقدت قدرتها على أن تكون منصة حقيقية للحوار وصناعة القرار العادل كما هو الحال فى القضية الفلسطينية.
ويقف العالم اليوم على مفترق طرق و أعتاب ولادة نظام دولي جديد قبل نهاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
فإما تصعيد كارثي يقود إلى حرب عالمية ثالثة قبل أن تكمل الأمم المتحدة مئويتها في 24 أكتوبر 2045م، وإما إصلاح تدريجي تتوافق فيه القوى الكبرى على قواعد جديدة لإدارة التنافس.
والأرجح هو تشكّل نظام عالمي متعدد الأقطاب، تنحسر فيه الهيمنة الأمريكية الأحادية التي سادت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م، وتبرز مراكز قوى متعددة ومتقاربة تتنافس حيناً وتتحالف حيناً آخر، دون قدرة حقيقية لأي طرف على فرض هيمنة مطلقة على العالم.
وخلاصة القول إن النظام العالمي الذي تأسس عام 1945م يمرّ اليوم في سكرات الأفول، بفعل صعود قوى جديدة وتآكل مصادر القوة التقليدية لدى القوى القديمة المهيمنة.
وما نشهده من تداعيات سياسية واقتصادية حول العالم ليس سوى نتاجٍ طبيعي لاحتضار ذلك النظام.
إن التعددية القطبية باتت حتمية تاريخية، غير أن شكلها النهائي لا يزال موضع صراع ومخاض عسير.
ويبقى السؤال الجوهري، هل ستكون تعددية محكومة بقواعد وتوازنات واحترامٍ متبادل، أم ستولد من رحم مواجهة كبرى قد ترقى إلى حرب عالمية ثالثة؟
الإجابة لم تُكتب بعد، وهي مرهونة بحكمة الفاعلين الدوليين، وقدرة الدبلوماسية العالمية ممثلة في منظمة الأمم المتحدة أو في إطارٍ دولي جديد على صياغة نظام أكثر عدلاً وتوازناً، قبل أن ينفلت التنافس الماثل من عقاله ويُحتكم إلى القوة بوصفها الخيار الأخير والوحيد لفرض هيمنة اقتصادية وعسكرية احادية على العالم.
٢٠ يناير ٢٠٢٦م….
المصدر:
الراكوبة