لم تعد حرب السودان المستمرة منذ أبريل 2023، تُوصف كصراع مسلح مفتوح على احتمالات التسوية، ولا أزمة دبلوماسية عالقة بانتظار مبادرة أكثر فاعلية. ومع امتدادها الزمني واتساع آثارها، أخذت الأزمة موقعاً مختلفاً في السياق الدولي كحالة تُراقَب وتُدار وليس معضلة يُسعى إلى تفكيكها. وبرغم الكلفة الإنسانية والسياسية غير المسبوقة، تراجع السودان تدريجياً في سلّم الاهتمام العالمي، في مشهد يعكس تآكلاً عميقاً في الإرادة الدولية أكثر مما يعكس عجزاً تقنياً عن الفعل.
هذا التراجع لا يظهر فقط في غياب الضغوط السياسية الحاسمة، بل يتجلى كذلك في تفتت مسارات الوساطة وتحوّلها إلى مبادرات متوازية، متنافسة أحياناً، ومفرغة من أي قدرة فعلية على فرض التزامات. وبينما تعدّدت المنابر الإقليمية والدولية، غاب الموقف الموحّد، وتحوّل وقف إطلاق النار من أداة سياسية إلى شعار متكرر بلا مضمون عملي، يُستدعى عند الضرورة ويُهمل عند أول اختبار ميداني.
بالتوازي، أخذ البعد الإنساني مساراً مشابهاً. فالانكماش الحاد في التمويل، وتقليص الاستجابات الإغاثية، لم يأتِ نتيجة مفاجئة لشح الموارد، بقدر ما يعكس تحوّلاً في طريقة النظر إلى الأزمة نفسها. فبدل التعامل معها كحالة طارئة تتطلب تعبئة استثنائية، باتت تُدار ضمن سقوف منخفضة، تُوازن بين الحد الأدنى من الاستجابة ومنع الانهيار الشامل، دون أي التزام بإعادة الاستقرار أو معالجة جذور الكارثة.
في عمق هذا المشهد، يبرز عامل أكثر تركيباً: غياب ما يمكن تسميته بـ«العائد الجيوسياسي». فلا السودان، بوضعه الراهن، يقدّم فرصة واضحة لإعادة هندسة توازنات إقليمية، ولا يتيح إنتاج شريك وطني موثوق يمكن الاستثمار فيه سياسياً أو اقتصادياً. ومع تصدّع السيادة، وتفكك البنية المؤسسية، وتحول الفاعلين المحليين إلى شبكات متنافسة، أصبح الانخراط الدولي محكوماً بمنطق الحد من المخاطر وليس بمنطق إعادة البناء.
ومع دخول عام 2026، يتكثف هذا الاتجاه. الحرب تجاوزت ألف يوم، والانقسام الجغرافي والسياسي بات واقعاً عملياً، بينما تتعامل العواصم المؤثرة مع السودان بوصفه مصدر لتهديدات محتملة ينبغي احتواؤها وليس كدولة يمكن استعادتها ضمن أفق سيادي متماسك. هكذا يُعاد تعريف الأزمة: ليست سؤالاً عن السلام، بل عن كيفية منع انفجارها إقليمياً.
في هذا السياق، تتقدّم مبادرات محدودة، تحمل عناوين سياسية وإنسانية، لكنها تتحرك ضمن هوامش ضيقة، لا تمس جوهر الصراع ولا تعيد طرح مسألة الدولة. وفي المقابل، تتسع المخاطر المرتبطة بتكريس واقع الانقسام، وتحوّل الحدود المفتوحة إلى ممرات للسلاح والمرتزقة، وارتباط مصير البلاد بمعادلات أمنية إقليمية تتعامل معها كملف ضبط لا ككيان سياسي.
بين إدارة الأزمة والبحث عن حل، يبدو السودان عالقاً في منطقة رمادية: حاضر في الحسابات الأمنية، غائب عن المشاريع السياسية الكبرى. وهو وضع لا يهدد فقط مستقبل الحرب، بل يعيد صياغة موقع البلاد في النظام الدولي بوصفها أزمة دائمة، لا دولة قابلة للاستعادة.
فمنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، ظهرت عدة محاولات دبلوماسية إقليمية ودولية لوقف النزاع وتأسيس مسار سياسي. أبرز هذه المبادرات كان اتفاق جدة في مايو 2023، الذي جمع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع برعاية سعودية‑أمريكية، واشتمل على بنود حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، مع التطلع إلى هدنة أولية وتحريك العملية السياسية نحو وقف دائم للقتال. لكن الاتفاق لم يحقق هدنة مستدامة على الأرض، إذ استمرت الاشتباكات في الخرطوم ومناطق أخرى بعد دخوله حيز التنفيذ، ما يكشف عن ضعف الالتزام وتطبيق البنود.
في سبتمبر 2025، شكلت المجموعة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات) إطار وساطة جديدًا بإعلان مشترك يركز على إنهاء الحرب، وحدة السودان، وحل النزاع سياسياً دون خيار عسكري. رغم ذلك، فشلت اجتماعات الرباعية في واشنطن نهاية أكتوبر 2025 في ترجمة التوافقات إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض، ما يعكس استمرار الصعوبات في تحويل الاتفاقيات إلى تنفيذ فعّال.
تضارب الأولويات
يُظهر سياق هذه المبادرات أن فشل الوساطة لا يقتصر على اتفاقية أو إعلان واحد، بل يمتد إلى تضارب الأولويات بين القوى الراعية، اختلاف توزيع الأدوار بين المسارات الإقليمية والدولية، وضعف التنسيق، وغموض آليات المتابعة والمحاسبة على الالتزام بالاتفاقات. كما أسهم تعدد المسارات – من جدة إلى الرباعية – في إضعاف الجهود الموحدة، إذ لم ترتبط بخطة تنفيذ واضحة أو أطر متابعة مشتركة، ما جعل أي اتفاق عرضة للإرجاء أو الانهيار عند أول خلاف سياسي أو تحدٍ في التنفيذ.
في ظل هذا السياق، لم تحقق اتفاقيات جدة أو مبادرات الرباعية أي تقدم حقيقي في وقف الحرب ما يعكس تماهي الخلافات الداخلية مع العجز الدولي عن فرض التزامات قابلة للقياس، بينما يستمر النزاع ويفاقم الأزمة الإنسانية في السودان.
الباحث في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين يرى أن فشل الوساطات الدولية والإقليمية في السودان يعود إلى عدة عوامل مترابطة، أولها، عدم اتساق مواقف ورؤى الوساطة مع بعضها البعض، إذ تختلف مصالح الأطراف الراعية، ما يضعف قدرة الوساطة على تحقيق السلام والاستقرار بشكل فعّال.
الوساطة نفسها لا تمتلك توصيفاً دقيقاً لما يحدث في السودان، بما في ذلك التغير في طبيعة الفاعلين المسلحين
ويشير في حديثه لـ(عاين) إلى أن الوساطة نفسها لا تمتلك توصيفاً دقيقاً لما يحدث في السودان، بما في ذلك التغير في طبيعة الفاعلين المسلحين. فقد تحول الدعم السريع من فاعل كان يعمل ضمن إطار الدولة السودانية إلى كيان منفصل، يحمل مصالح تهدد الدولة نفسها. ويضيف:”أن التباين في وجهات النظر بين الأطراف المختلفة ساهم في إندلال الحرب، خصوصاً في قضية محاولة دمج الدعم السريع في الجيش السوداني خلال فترة زمنية قصيرة جداً ما جعل من الصعب إقامة حياة سياسية مستقرة في ظل غياب فاعل غير رسمي قادر على ضبط الصراع.
فشل الوساطة والإرداة السياسية
ويؤكد تورشين أن فشل الوساطة مرتبط أيضاً بالإرادة السياسية، مشيراً إلى أن كل طرف، سواء الحكومة السودانية أو الدعم السريع، لديه تصور مختلف للحل؛ الحكومة تسعى إلى حل الدعم السريع بشكل جذري، بينما يصر الأخير على الاحتفاظ بقوته الدائمة ضمن الأجهزة العسكرية والأمنية. في هذا السياق، يرى الباحث أن الوساطة لا يمكن أن تتدخل بشكل كبير لتعديل الأوضاع الجذرية، لأنها تعمل ضمن إطار مصالحها الخاصة، وتسعى لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة، وهو ما يترك تداعيات مباشرة على مسار النزاع.
كيف رأيت الخرطوم بعد (3) أشهر من الحرب؟ مراسلة لـ(عاين) تعود للعاصمة وتتجول لوقت قصير في شوارع المدينة
شارع رئيسي في مدينة ام درمان- مايو 2023
كما يشير تورشين إلى أن تعدد المنصات والجهات الراعية للوساطة له أثر سلبي واضح. هذا التعدد يضعف مفهوم «وقف إطلاق النار» نفسه، ويحوّله من التزام سياسي قابل للقياس إلى إعلان مؤقت بلا آليات مراقبة أو مساءلة. ويربط الباحث ذلك بميل الأطراف الراعية إلى حماية مصالحها في السودان، والعمل على تحقيق مكاسب محددة بدلًا من فرض التزامات على أطراف النزاع.
وبناءً على ذلك، يرى تورشين أن إيقاف الحرب عبر الوساطة في السودان يظل صعباً للغاية، ولن يجد قبولاً واسعاً ما لم يتوافق الحل مع المشاريع السياسية لكل من الحكومة السودانية والدعم السريع. وإن تم فرض حل من طرف واحد، فمن المرجح أن تعمل أطراف عدة على تقويضه، بما يشمل دعم مجموعات تسعى لاستمرار الحرب. في النهاية، يرى الباحث أن الوساطة والعمل الدبلوماسي تأثيرهما محدوداً لأن كل طرف يسعى لتحقيق مصالحه الخاصة، بينما تستمر بعض الأطراف الأخرى في دعم استمرار النزاع.
الاستجابة الإنسانية: عجز الموارد وتحوّل السياسة
التراجع الحاد في تمويل الاستجابة الإنسانية للسودان خلال عام 2026، هو نتيجة تداخل عجز الموارد مع تحوّل سياسي واضح في تعامل المانحين مع الأزمة السودانية بوصفها أزمة طويلة الأمد منخفضة الأولوية.
خبير في العمل الإنساني
وفي السياق يرى الخبير والاستشاري المستقل في العمل الإنساني، صلاح الأمين، أن التراجع الحاد في تمويل الاستجابة الإنسانية للسودان خلال عام 2026، بما في ذلك تقليص نداء الأمم المتحدة وخفض الحصص الغذائية، لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تداخل عجز الموارد مع تحوّل سياسي واضح في تعامل المانحين مع الأزمة السودانية بوصفها أزمة طويلة الأمد منخفضة الأولوية.
ويشرح الأمين في حديثه لـ(عاين) أن غالبية الدول التي اعتادت تقديم منح إنسانية على مدى سنوات باتت تواجه أزمات داخلية متصاعدة، من بينها ارتفاع معدلات البطالة، وضغوط الإنفاق الاجتماعي الناتجة عن توجيه مدخلات الضرائب نحو مواطنيها، إلى جانب تزايد أعداد المهاجرين وطالبي اللجوء السياسي. ونتيجة لذلك، تغيّرت أولويات تلك الدول بصورة جوهرية.
إلى جانب ذلك، يلفت الأمين إلى عامل سياسي لا يقل أهمية، يتمثل في صعود اليمين المتطرف وتنامي النزعات الشعبوية في عدد من الدول المانحة، وما صاحبه من تحولات في القيم المرتبطة بالعمل الإنساني والتضامن الدولي. ويصف هذا التحول بما يشبه «الطريقة الترامبية» في التعامل مع المساعدات، القائمة على منطق: «أساعدك لكي أستفيد منك».
كما يشير إلى ضعف وإنهاك الحركات المجتمعية التاريخية داخل تلك الدول، وهي الحركات التي كانت تُعيد إنتاج قيم العمل الإنساني وتشكل مجموعات ضغط فاعلة باتجاه عالم أكثر تضامناً في مواجهة الأزمات، وهو ما أسهم في تآكل الزخم الأخلاقي والسياسي الداعم للتمويل الإنساني.
غياب الأفق السياسي
وفيما يتعلق بدور غياب الأفق السياسي في السودان، يؤكد الأمين أن تعثّر أي مسار جاد للتسوية السياسية عطّل إلى حد كبير مبادرات المانحين، وأضعف قدرة المنظمات الدولية على التعامل الفعّال مع الأزمة الإنسانية. ويوضح أن الجهات المانحة شديدة الحساسية تجاه العوامل الداخلية للصراعات، وتحرص على ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل أفق سياسي داخلي رافض للهدنة، واستمرار العمليات العسكرية النشطة، وغياب بيئة آمنة للعمل الإنساني.
أما بشأن التحول من منطق «الاستجابة الطارئة» إلى مقاربة «إدارة الأزمة بأدنى كلفة»، فيشدد الأمين على أن الأزمة الإنسانية في السودان تظل أزمة طارئة مركبة، بفعل تعدد موجات النزوح، وتواتر الحروب، وتداخل الكوارث. ويرى أن التعامل معها بوصفها أزمة منخفضة الكلفة هو مقاربة مضللة، إذ إن هذه الأزمة، ما لم تُدار بتنسيق شامل ومن مركز واحد، وبتكلفة عالية في مراحلها الأولى، فلن تتحول إلى وضع يمكن احتواؤه لاحقًا بأعباء أقل. قبل ان يحذر من أن الفشل في معالجتها بالطريقة المثلى يجعلها أكثر عرضة للانزلاق نحو المجاعة والانهيار المجتمعي، بدلًا من احتوائها أو تخفيف آثارها.
ثلاثة عوامل رئيسية وراء تراجع السودان في اجندات القوى الكبرى، سيادة متصدعة ومرتهنة، وعجز مستمر عن إنتاج شريك وطني موثوق يمكن التعاطي معه دولياً، وانقسام داخلي عميق يجعل أي تدخل خارجي محكوماً بمنطق إدارة الأزمة لا حلها.
مدير منظمة فكرة
ومن زاوية تحليلية تتصل بموقع السودان في حسابات القوى الكبرى، يقدّم المدير التنفيذي لمنظمة «فكرة»، أمجد فريد، قراءة تعتبر أن تهميش الأزمة السودانية لا يعود إلى فقر البلاد أو إنهاكها أو بعدها الجغرافي عن مراكز القرار، بل إلى فقدانها التاريخي والبنيوي لقابليتها على التحول إلى فاعل جيوسياسي مستقل. ويوضح أن هذا الوضع نتج عن تداخل ثلاثة عوامل رئيسية: سيادة متصدعة ومرتهنة، وعجز مستمر عن إنتاج شريك وطني موثوق يمكن التعاطي معه دولياً، إضافة إلى انقسام داخلي عميق يجعل أي تدخل خارجي محكوماً بمنطق إدارة الأزمة لا حلها.
غياب البعد الجيوسياسي
ويرى فريد في حديثه لـ(عاين) أن غياب ما يُعرف بـ«العائد الجيوسياسي» أسهم بشكل مباشر في إقصاء السودان من دوائر الاهتمام الاستراتيجي، رغم اتساع رقعة الحرب وتداعياتها الإقليمية. ووفق هذا المنطق، بات التعامل الدولي مع النزاع محكوماً بإدارة المخاطر: إبقاء الحرب ضمن حدود يمكن التحكم بها، وضبط آثارها الإقليمية، وتأجيل أي مشروع سياسي جاد يعيد تأسيس الدولة أو يعيد بناء مؤسساتها. ويؤكد أن هذا النهج لا يخدم السودانيين، ولا يفتح أفقاً حقيقياً لاستعادة الاستقرار أو إنهاء الحرب.
وبالمقارنة مع ملفات إقليمية أخرى، يشير فريد إلى أن القوى الكبرى تميل إلى الاستثمار السياسي والمالي حيث تتوافر إمكانية تحويل الأزمات إلى عائد ملموس، سواء عبر إعادة هندسة التوازنات السياسية، أو إنتاج نفوذ مستقر، أو حماية مصالح اقتصادية مباشرة. في المقابل، يظل السودان حالة استثنائية، إذ لا توفّر الدولة المنقسمة ولا الشبكات المحلية المبعثرة أفقاً استراتيجياً قابلاً للاستثمار، كما لا يسمح النزاع المستمر بتحويل التدخل الدولي إلى «قصة نجاح» سياسية، ما يدفع هذه القوى إلى الاعتماد على وكلاء داخليين لخدمة مصالحها بدل السعي إلى إنهاء الأزمة والتعامل مع دولة وطنية متماسكة.
ويخلص فريد إلى أن الحرب السودانية ليست مجرد نزاع مسلح، بل نموذج لتصدع السيادة وفقدان الدولة قدرتها على إنتاج العائد السياسي الذي يجعلها محور اهتمام دولي حقيقي. ويحذّر من أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في تحول السودان إلى كيان بلا أفق سيادي تاريخي، يعيش على هامش النظام الدولي بوصفه أزمة تُدار لا دولة تُبنى. فالسودان، بحسب توصيفه، لا يُستبعد من الأولويات لأنه غير مهم، بل لأن قوى دولية تستفيد من تصويره كدولة فقدت وظيفتها الجيوسياسية القابلة للتعامل المنضبط، وتحولت سيادتها إلى مورد متنازع عليه لا إطارًا حاكمًا، وأُدرجت ضمن منطق إدارة المخاطر بدل منطق إعادة البناء، مع تآكل مستمر لقدرتها على إنتاج شريك وطني موثوق.
شبكة عاين
المصدر:
الراكوبة