جمال عبد القادر البدوي
مآسٍ وضحايا وتشريد للملايين ودمار واسع في البنية التحتية قواسم مشتركة بينهما والدعم الخارجي وقودهما معاً
مسار الحربين لا يخلو من مقاربات تلتقي وتتفاوت في أهدافها وسياقاتها التاريخية والسياسية والعسكرية، فضلاً عن مآلاتها وما أفرزته من مآسٍ وأزمات إنسانية وأخطار ومحاذير التشظي والفوضى والانقسام السياسي. فكيف ينظر المتخصصون والمراقبون إلى أوجه التشابه والقواسم المشتركة بين حربي اليمن والسودان؟
على رغم أن الفارق الزمني بين الحربين السودانية واليمنية نحو تسع سنوات، إذ اشتعلت الأولى في منتصف أبريل (نيسان) 2023، وانطلقت الثانية فعلياً عام 2014، وبينما تدخل الأولى عامها الثالث والثانية عامها الـ12، فإن مسار الحربين لا يخلو من مقاربات تلتقي وتتفاوت في أهدافها وسياقاتها التاريخية والسياسية والعسكرية، فضلاً عن مآلاتها وما أفرزته من مآسٍ وأزمات إنسانية وأخطار ومحاذير التشظي والفوضى والانقسام السياسي. فكيف ينظر المتخصصون والمراقبون إلى أوجه التشابه والقواسم المشتركة بين حربي اليمن والسودان؟
دعم وتدخلات خارجية
يرى المتخصص في التفاوض وفض النزاعات مصطفى عبدالغفار أن أبرز ما يميز حربي اليمن والسودان هو التدخلات الخارجية والإقليمية على وجه الخصوص، والتي تبدو أكثر وضوحاً وعلنية في اليمن عبر التحالف الذي تقوده السعودية، مما أحالهما إلى نموذجين للنفوذ والدور الخارجي في إدارة الصراعات الداخلية، حيث بات الدعم الخارجي يستخدم كأداة لاستدامة النزاع والإبقاء عليه تحت السيطرة وليس لحسمه أو إنهائه.
وبينما تبدو الحرب في السودان ظاهرياً وكأنها مجرد صراع على السلطة بين قوتين عسكريتين داخليتين، وفق عبدالغفار، ففي الحقيقة هناك دعم خارجي خفي لا يقل تأثيراً من حيث نتائجه وأثاره عن الدعم العلني أو التدخل العسكري المباشر، فهناك حلف من وراء الجدران يقدم التمويل والتسليح، وكذلك الضغوط والحماية السياسية، وهو ما أبقى على قدرة طرفي الحرب (الجيش و”الدعم السريع”) على الاستمرار في القتال لما يقارب ثلاثة أعوام، على رغم مظاهر الانهيار التي تشهدها الدولة، لدرجة أن صار ميزان القوة على الأرض مرهوناً بحجم الدعم الخارجي الذي يتلقاه كل طرف.
ويردف، “صحيح أن الدعم الخارجي في اليمن أكثر علنية، ويحمل طابعاً أيديولوجياً وأحياناً طائفياً، لكنه في السودان يبدو مرتبطاً بالمصالح والنفوذ الإقليمي والثروات كالذهب والموانئ وقضايا الهجرة، لذلك يمكن القول إن الدعم الخارجي أحد أوجه الشبه بين الحربين، غير أنه يختلف في كونه معلناً في أحدهما، وخفياً في الأخرى”.
ويشير المتخصص في فض النزاعات إلى أن أخطر ما وصل إليه الصراع في اليمن هو خروجه التام عن إطاره المحلي ليصبح ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة عبر الدعم الإيراني المباشر للحوثيين، مما جعل الحرب تتجاوز فعلياً حدود اليمن الجغرافية وتصبح جزءاً من معادلات أمن الخليج والملاحة الدولية، لافتاً إلى أن التشابه الأكثر قسوة بين الحربين هو الكلفة الإنسانية من مجاعة واسعة في البلدين، ونزوح ولجوء الملايين، والانهيار شبه الكامل للخدمات الأساسية، وعدم حماية المدنيين.
يعتقد عبدالغفار أن الصراع في اليمن وصل إلى مرحلة متقدمة من النضج، بحيث أمكن للتدخلات الأخيرة الحاسمة من قبل السعودية كقائد لتحالف دعم الشرعية، أن تفتح الباب أمام تسوية قد تكون صعبة، ولكنها ممكنة على أية حال، بينما لم تصل حرب السودان حتى الآن إلى أفق واضح للحل، وما زال مصيرها مفتوحاً على كل السيناريوهات الخطرة، بما فيها تفكك الدولة نفسها ما لم يتم كبح جماح الحرب سريعاً.
مآسٍ وضحايا وثورات
على نحو متصل يرى المتخصص في مجال العلوم السياسية عز الدين عبدالماجد أن حربي اليمن والسودان تلتقيان في الأرقام المأسوية لأعداد الضحايا المدنيين، وتزايد حجم المعاناة الإنسانية وتشريد السكان والتفكك المجتمعي وتمزيق النسيج الاجتماعي، إلى جانب الدمار الواسع للبنية التحتية، وأخطار تصدع وتفتيت الدولتين إلى مناطق نفوذ متناحرة يسيطر كل طرف على أجزاء من البلاد، فضلاً عن أن كليهما يتخذ نمط الصراع الأهلي ذا التقاطعات والأبعاد الإقليمية.
يشير عبدالماجد، إلى أنه على رغم الفارق الزمني بين حرب اليمن التي اندلعت في أواخر عام 2014، وحرب السودان التي تلتها بنحو سبع سنوات في منتصف أبريل 2023، فإن الحربين اندلعتا عقب أزمات سياسية نتيجة ثورة عصفت بالنظام الذي كان قائماً في كليهما، فقد أدت الثورة والحراك الجماهيري ضد الرئيس علي عبدالله صالح إلى أزمة سياسية امتدت من 2011 إلى 2014، وانتهت بسقوط النظام وحدوث فراغ سياسي صعد على أثره الحوثيون الذين سيطروا تدريجاً على أجزاء من البلاد، بما فيها العاصمة صنعاء، وانهيار الحكومة القائمة وقتذاك.
أطماع الانفصال في اليمن: “ريموت الكفيل”!
ويتابع، “في ظروف مماثلة أسقطت ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019 نظام عمر البشير، وتشكلت حكومة انتقالية طابعها التناحر بين المكونين العسكري والمدني، ثم دلفت البلاد نحو أزمة سياسية أفضت إلى انتقال الخلافات داخل المكون العسكري نفسه (الجيش و”الدعم السريع”)، وانتهت أخيراً بالصدام العسكري والحرب الضروس المحتدمة بينهما بصرف النظر عن تفاصيل وطبيعة الأزمة السياسية التي أفرزت النزاع المسلح”.
يلفت عبدالماجد إلى أنه على رغم أن جوهر وطابع حرب السودان هو الصراع السياسي على السلطة، لكن التدخلات الخارجية غير المباشرة، والانفلات والسيولة الميدانية، وسعت من نطاق الحرب الجغرافي وأطالت أمدها. في المقابل، فإن حرب اليمن تبدو مزيجاً من الصراع السياسي والأيديولوجي الذي تطور لاحقاً إلى مواجهة إقليمية مفتوحة بسبب التدخلات الخارجية المباشرة والعلنية، وذلك مع بروز رغبة واضحة في الانقسام الجغرافي بين الشمال والجنوب.
ومن أبرز الفروق أيضاً بين الحربين وفق عبدالماجد أن العاصمة اليمينة صنعاء لم تتعرض للدمار وانهيار مؤسسات الدولة والخدمات، وهو الذي تعرضت له العاصمة السودانية الخرطوم، لأن معارك صنعاء كانت سريعة وأدت إلى سقوطها مبكراً في يد الحوثيين، وأصبحت مركزاً لسلطة الأمر الواقع التي فرضوها.
أما من حيث طبيعة أطراف الحربين، فيشير المتخصص في مجال العلوم السياسية إلى بعض الفوارق المتمثلة في تداخل قضايا الهوية والأيديولوجيا في حرب اليمن بصورة دفعت بالصراع إلى الارتباط بمشروع سياسي عقائدي للحوثيين، بينما الصراع في السودان ظل تاريخياً يتمحور حول السلطة والثروة، ويدور حالياً بين جهتين نشأتا داخل الدولة نفسها مع بعض الحمولات الأيديولوجية والدينية.
يختم المتخصص في العلوم السياسية بأن البيئة الداخلية والبعد الاجتماعي والقبلي المتشابه في كل من السودان واليمن ظلت على الدوم مهيأة بطبيعتها للصراع وانفجار الحروب، من حيث المجتمعات الأهلية المغلقة والتحيزات المناطقية والطائفية والجهوية، مما صعد بالقبيلة كلاعب مهم في المضمارين السياسي والعسكري، وعلى رغم الاستقرار النسبي الذي تتسم به التحالفات القبلية في اليمن، فإنها في السودان أقل انضباطاً وأشد عنفاً وأكثر تسليحاً ودموية، لذلك يمكن القول إن كلتا الحربين لها جذورها التاريخية البعيدة التي تعود إلى تراكمات طويلة من النزاعات والعنف.
قواسم مشتركة وتاريخ
من الناحية العسكرية يرى الباحث الأمني والسياسي إسماعيل يوسف أن من بين القواسم المشتركة اللافتة في حربي اليمن والسودان يبرز الدعم الخارجي السخي الذي تقدمه دولة الإمارات، ومن الغريب أن هذا الدعم موجه في كلا البلدين إلى الطرفين الخارجين عن الشرعية، الذين يخوضان حرباً ضد مؤسسات الدولة الرسمية (الجيش اليمني والجيش السوداني)، إضافة إلى أن التدخل العسكري الخارجي المباشر في اليمن، وفق يوسف، كان علنياً وفعالاً من قبل التحالف الذي تقوده السعودية، مما جعل الحرب تتخذ طابعاً دولياً إقليمياً مفتوحاً، بينما يتم الدعم الخارجي بالتمويل والتسليح في حرب السودان على استحياء أو بصورة غير مباشرة.
ويستطرد، “أما من حيث البيئة العسكرية، فتمثل جغرافيا اليمن المعروفة بتضاريسها الجبلية شديدة الوعورة مسرحاً حربياً ملائماً لحروب الاستنزاف الطويلة، حيث تكلف السيطرة مجهوداً حربياً كبيراً، لذلك تحظى مناطق نفوذ كل طرف فيها بالثبات النسبي، بينما يلاحظ أن حرب السودان تتسم بالتحولات السريعة في مسارح وجبهات القتال وتبادل مناطق السيطرة وعدم الاستقرار الميداني، مما جعلها أكثر وحشية ودموية وفوضوية، كونها تدور في مساحات واسعة ومفتوحة تمتد من تخوم العاصمة الخرطوم وصولاً إلى سهول ووديان ورمال كردفان وحتى إقليم دارفور بصحاريه الممتدة حتى حدود تشاد وأفريقيا الوسطي وجنوب السودان وليبيا”.
وعرف كل من السودان واليمن بتاريخ من الحروب المتكررة والمتعددة وخوض تجارب الانفصال والوحدة والتقسيم السياسي الجغرافي على النمط نفسه (شمال – جنوب)، مع اختلاف مآلات تجارب الانفصال التي عاشها البلدان.
وعرف اليمن والسودان تاريخياً عديداً من الحروب والنزاعات الأهلية والصراعات القبلية الداخلية والتهديدات الإرهابية الإقليمية، فمنذ الستينيات وحتى اليوم عانى اليمن حروب أهلية متعددة، بينما شهد السودان منذ استقلاله أيضاً حروباً أهلية طويلة لعشرات السنوات في الجنوب، ثم دارفور، وصولاً إلى الحرب الراهنة بين الجيش و”الدعم السريع” بكل تقاطعاتها وتداخلاتها القبلية والعرقية وتداعياتها السياسية والجغرافية.
اندبندت عربية
المصدر:
الراكوبة