ميرغنى الحبر/ المحامي
مقدمة
كثر الحديث عن المصالحه دون التطرق لمفهومها وآلياتها…ولعل المصالحة الوطنية تعد من أهم العمليات السياسية والاجتماعية التي تسعى إلى طيّ صفحة الصراعات وتحقيق السلم والاستقرار في المجتمعات المنقسمة. وهي ليست مجرد اتفاق سياسي بين أطراف النزاع، بل هي منظومة من الآليات المتكاملة التي تتعامل مع الماضي وتضع أسسًا لمرحلة جديدة من التعايش المشترك، العدالة، والتعافي الاجتماعي. ونفصل في الآتي:-
*أولًا: مفهوم المصالحة الوطنية :*
هي عملية تهدف إلى تجاوز النزاعات العنيفة أو الهيكلية داخل المجتمع من خلال الاعتراف بالحقيقة، جبر الضرر، وتحقيق العدالة، مع ضمان عدم تكرار الإنتهاكات.
*ثانيًا: آليات المصالحة الوطنية في التجارب العالمية*
1. العدالة الانتقالية ولجان الحقيقة.
من بين أهم آليات المصالحة التي اعتمدتها تجارب عالمية لجان الحقيقة والمصالحة، وهي هيئات مستقلة تُنشأ للتحقيق في الانتهاكات الماضية، إتاحة منصة للضحايا للإدلاء بشهاداتهم، وتقديم توصيات للإصلاح. هذه اللجان تعمل على كشف الحقائق وتوثيقها، ما يساعد في دعم الشفافية وبناء الثقة بين الأطراف المتضررة. ومن النماذج الناجحة:
جنوب أفريقيا ، حيث شكلت لجنة الحقيقة والمصالحة بعد نهاية نظام الفصل العنصري للتعامل مع الانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الصراع، مع تركيز على الاعتراف بالجرم ، السماح بالعفو المشروط، وتحقيق العدالة التصالحية.
شرق تيمور: نفذت لجنة المصالحة برنامج ، مع Community Reconciliation (هيئة للتوفيق المجتمعي) ، لإعادة تأهيل المجتمعات بعد الاحتلال والعنف.
هذه الآليات تؤكد أهمية كشف الحقيقة وإرساء العدالة التصالحية كشرط أساسي لإنهاء الانقسام المجتمعي.
2. الحوارات والمصالحة الشاملة
في بعض الحالات، مثل اتفاقية أروشا في بوروندي أو منتدى بانغي في إفريقيا الوسطى، شارك الجميع في حوارات وطنية واسعة شملت أطراف النزاع، المجتمع المدني، والضمانات الدولية، ما ساعد على صياغة اتفاقات سلام تتضمن بنودًا للإصلاح السياسي والمصالحة.
3. التعويضات وجبر الضرر
جزء آخر مهم من آليات المصالحة هو جبر الضرر—سواء كان معنويًا أو ماديًا—وتقديم اعتذارات رسمية من الدولة أو اطراف النزاع للضحايا، بما يعزز العدالة والاعتراف بالأذى الذي لحق بالمجتمعات المتضررة.
*ثالثًا: الدروس المستفادة من التجارب العالمية*
1. إرادة سياسية قوية:
التجارب الأكثر نجاحًا كانت تلك التي طُبّقت بإرادة سياسية حقيقية من الدولة والأطراف المتنازعة لتنفيذ التوصيات، ما يُبرز أن المصالحة لا تنجح بوجود آليات فحسب، بل إرادة سياسية لتنفيذها.
2. شمولية المشاركة:
العملية التي تشمل جميع الفئات الاجتماعية—الأحزاب، الضحايا، النساء، الشباب، والمنظمات المجتمعية—أكثر قدرة على كسر دوائر الانتقام والعدمية.
3. العدالة والعدالة الانتقالية:
المصالحة لا تكون ذات مغزى بدون عدالة. والعدالة الانتقالية مثل اللجان، المحاكم الخاصة، أو برامج الإصلاح القضائي تساهم في تحقيق مصالحة عادلة ومستدامة.
4. الذاكرة والتعليم:
التجارب التي استثمرت في التعليم والتوعية بشأن الماضي والنجاحات المستقبلية ساعدت في ترسيخ قيم المصالحة عبر الأجيال.
*رابعًا: خصوصيات وتحديات المصالحة الوطنية في السياق السودانى*
1. خلفية الصراع السوداني:
عبر تاريخ السودان شهدت البلاد دورات طويلة من الحروب الأهلية، الانقسامات السياسية، والصراعات الإثنية، مما جعل الحاجة إلى مصالحة وطنية شاملة ضرورة للاستقرار.وقد بذلت مجهودات سابقة لم تحقق النجاح المطلوب .
2. خصوصيات تميز التجربة السودانية:
– السودان بلد متعدد الأعراق والطوائف، ما يتطلب آليات تصالح تأخذ في الاعتبار التعايش في بلد متعدد الهويات والثقافات.
– مجتمعاتنا التقليدية تتكون من عدة قبائل لها آليات عدلية تقليدية يمكن أن تكون جزءًا من الحلول وليس بديلة عنها، خصوصًا في جلسات الوساطة المحلية، ما يعرف بالجوديه.
3. توصيات لآليات مصالحة في السودان
(أ) لجنة وطنية للحقيقة والعدالة.
إنشاء لجنة مستقلة لتقصي الحقائق في الانتهاكات الماضية، وتسجيل شهادات الضحايا، وتقديم توصيات للإصلاح القضائي والسياسي.
(ب) حوار وطني شامل:
تنظيم حوار وطني واسع يشمل القوى السياسية، المجتمع المدني، الشباب، والنساء، لإعادة صياغة العقد الاجتماعي وبناء توافق حول مستقبل الدولة.
(ج) برامج جبر الضرر:
إنشاء آليات لتعويض المجتمعات المتضررة، سواء من الناحية المادية أو المعنوية، واعتراف رسمي من الدولة وأطراف النزاع بالخطأ لتعزيز الثقة.
(د) إصلاح مؤسسات الدولة:
بالتركيز على إصلاح القضاء، الشرطة، والإعلام لضمان العدالة وسيادة القانون وعدم تكرار الانتهاكات.
*خاتمة*
المصالحة الوطنية ليست مجرد اتفاق بين الفاعلين السياسيين، بل عملية متعددة الطبقات تشمل كشف الحقيقة، العدالة، التعويض، الحوار الوطني، وإصلاح المؤسسات. التجارب العالمية أكدت أن النجاح يتوقف على الإرادة السياسية، الشمولية في العملية، والاهتمام بجبر الضرر للمجتمعات المتضررة. السودان، بخياراته التاريخية وتنوعه الاجتماعي، يحتاج إلى نموذج متكامل يجمع بين العدالة الانتقالية، الحوار الشامل، والمشاركة المجتمعية الواسعة لبناء مستقبل مستدام من السلم والعدالة.
التغيير
المصدر:
الراكوبة