آخر الأخبار

السودان في لُجّة التيه السياسي: أين يقف الشعب؟

شارك

السودان… بلد صُنّاع الثورات وقائد الاستقلال، وطن الأحرار والرجال، وبوابة العالم نحو تنوّعه الجغرافي والديمغرافي. هذا البلد الذي حمل إرث الكوشيين ومهد الحضارات السماوية والأرضية، يبدو اليوم وكأنه يسأل أبناءه: ماذا دهاكم؟
لم يجف ماء النيل، ولم تنقشع سماواتك، لكن بوصلة أبنائك تاهت بين القيادة والانقياد، وبين حلم الدولة واستعصاء الواقع.
ويستدعي المشهد قول أمير الشعراء أحمد شوقي وهو يصف حال الأمة العربية:
“إلامَ الاختلافُ إلامَ *** وهذه الضجّةُ الكبرى عَلاما
لا مِصرُ استقرّتْ ولا السودانُ دامَا”
بلدٌ يتقاذفه الموج… وشعبٌ يتلمّس طوق النجاة
الناظر إلى حال السودان اليوم يحار بين طرائق تفكير أبنائه وطرائق قيادة تتبدّل مواقفها بتبدّل الرياح. تبدو البلاد كمن يقف في لُجّة بحرٍ متلاطم، تلطمه الأمواج من كل جانب، وهو موزّع بين صدّ العواصف والتعلّق بقشة النجاة.
وعندما ينظر المواطن إلى قياداته السياسية والاجتماعية والدينية، يبحث عن طوق نجاة آخر، فلا يجد سوى مزيد من التيه. كأنها ظلماتٌ في بحرٍ لُجّي يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه سحاب… ظلماتٌ بعضها فوق بعض. ننظر فلا نرى، ونسترق السمع فإذا بشهاب التيه والتخويف والتصنيف والتوصيف… اللا وصف.

قيادات سياسية ظنّ الشعب أنهم فرسانُ أحلامه، فإذا بهم ساعة الشدّة في مدنٍ أخرى، باسِمون في النِّعم يرفلون ويقتاتون، بينما خرج الشعب عليهم في سبتمبر. تتغلبه الظنون والشكوك:
أهي مطامع شخصية؟ أم تكتيكات سياسية؟ أم اختلاف رؤى؟ أم انشقاقات حزبية لا تنتهي؟ أم هو بحر السياسة الذي وقفنا على ساحله لا نعرف عمقه؟
بين القاهرة وبورسودان… وبين “صمود” و”تأسيس” والتغيير الجذري
نعيش في غيبوبة المعلومات. يسمع السوداني كل يوم من يخبره أن جماعته مع صمود، وآخر يؤكد أنهم مع تأسيس، وثالث يصرخ بأنهم في الإمارات، ورابع في مصر، وخامس في الخرطوم، فيما أمريكا هي صاحبة الكلمة.
يرجع المواطن إلى وطنه على أمل الوضوح، فإذا بالإعلام يفاجئه بأن رفاق ثورة ديسمبر—الغاضبون بالأمس—في الصفوف الأمامية للحرب اليوم!
الحرب التي خاضها من صنعوا ثورة أكتوبر، ومن حملوا جبهة الهيئات، ومن دافعوا عن جيش الحركة الشعبية، والذين عانوا التشريد والتعذيب ثلاثين عامًا… فإذا بشباب الثورة بالأمس يصبحون وقود الحرب اليوم.
قيادة سياسية بلا منهج… تناقضات حتى التخمة
المشهد السياسي نفسه لا يستقر على مبدأ واحد:
تارة مع الحرب، وتارة مع السلام.
مرة مع التفاوض، وأخرى يرفض التفاوض متسائلًا: كيف أفاوض من قتل واغتصب وسرق واحتل بيوت المواطنين؟
كان التفاوض والحوار بكون بين الأصدقاء لا الفرقاء.
السلام بين المسالمين لا المتخاصمين.
َقايدنا يبحث عن الحركة الإسلامية وكتائبها في دهشة العالم من حوله قائلاً: وين هم الإخوان المسلمون؟—وهو سؤال صادق—لكن أين الإخوان الصادقون الأنقياء غير الفاسدين وغير القاتلين؟
الله يدعو إلى الحياة… بينما يدفعنا بعض علمائنا إلى الموت “المقدس” والكرامة العبثية.
يرفع شعار الأمان بينما تُهدم المدن ويُهجّر الناس.
قائد الجيش يسعى للتطبيع، ويعلن في الوقت ذاته الوقوف مع المقاومة الفلسطينية.
يحارب “الصهيونية” بينما يرسل رسائل ودّ لواشنطن ويهادن الروس.
يغازل إيران… ويحسن العلاقات مع السعودية… ثم يغضب من حملة مصر على الإخوان.
نستصرخ العالم ضد الجرائم في غرب السودان… ونغض الطرف عن الجرائم في الوسط… ثم نرفض اللجنة الدولية للتحقيق.
ونحن أنفسنا من أنشأ الدعم السريع وأطلق شرارة الإبادة في دارفور، بينما قيادتنا مطلوبة دوليًا.
هذه مفارقات لا تُبنى بها الدول، ولا تُوجَّه بها البوصلة الوطنية.
أين الجماهير؟ أين أحزابها؟ وأين مشروع الدولة؟
في خضم هذه الفوضى، يعود السؤال الجوهري:
أين الجماهير من بناء وطنٍ حر؟
وأين أحزاب الجماهير من صناعة القرار؟
وأين التفكير البنيوي لمستقبل السودان الواحد، القادر على تجاوز أزماته لا الدوران في فلكها؟
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى كثرة الأحزاب—رغم أنها من مظاهر الديمقراطية—بل يحتاج إلى جماهير واعية وأحزاب ذات مشروع، لا أحزاب تتفرق وجماهير تتشرذم وقيادات تتلوّن.
يحتاج إلى عقلٍ جمعي يقدّم الوطن على الولاء، وإلى إرادة سياسية تُعيد إنتاج الدولة لا إعادة إنتاج الأزمة.
وعلى كثير من الأحزاب والقيادات السياسية أن تعتذل—أو تعتزر—عمّا وصل إليه الحال اليوم.
فالسودان، الذي لم يجف ماؤه ولم تنقشع سماواته، يستحق بوصلة تهديه… لا بحرًا يغرقه.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا