آخر الأخبار

رئتان في الجنوب والغرب.. كيف بقى حميدتي على قيد الحياة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في كل موسم فيضان، يندفع النيل الأزرق ليصب مياهه في جسد النيل الكبير، حاملاً الطمي والحياة إلى واديه الممتد. غير أن هذه الأرض عبر تاريخ السودان الحديث، كانت رافداً متكرراً للصراعات أيضاً. فمن تخومها الحدودية خرجت أسئلة الهامش، وعلى جبالها تداخلت خرائط السياسة مع خرائط السلاح، وفي قراها تكررت حكاية التوتر بين العاصمة والأطراف.

تقع ولاية النيل الأزرق في جنوب شرق السودان، وقد تحولت من صراع هامشي إلى جبهة إستراتيجية في الحرب القائمة. ففي أثناء زيارته إلى أوغندا ولقائه بالرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في فبراير/شباط الماضي، أشار محمد حمدان دقلو المعروف بـ "حميدتي"، قائد قوات الدعم السريع، إلى أن "الإخوة في النيل الأزرق يبلون بلاءً حسناً". لم تكن العبارة مجرد ثناء عابر على مقاتليه في الميدان الذين يواجهون الجيش السوداني منذ أبريل/نيسان 2023؛ بل تأكيد على أهمية هذه الجبهة المحورية في المشهد السوداني اليوم، بل والمشهد الإقليمي بأسره.

"لم يكن اسم النيل الأزرق يوما بعيدا عن صراعات السودان بما في ذلك الحرب الأهلية التي انتهت باتفاق عام 2005 الذي مهد الطريق لاستقلال جنوب السودان"

لم يكن اسم النيل الأزرق يوماً بعيداً عن صراعات السودان بما في ذلك الحرب الأهلية التي انتهت باتفاق عام 2005 الذي مهد الطريق لاستقلال جنوب السودان. وها قد عاد في الأشهر الأخيرة إلى واجهة المشهد مع تمدُّد الحرب المشتعلة في السودان، وتنوُّع المساحات التي يتحرَّك عبرها حميدتي، من صحارى الغرب إلى حدود إثيوبيا في الجنوب.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كنز بن غوريون الضائع.. لماذا تنهار تحالفات إسرائيل؟
* list 2 of 2 إجابة سؤال ترمب.. لماذا انتظرت أمريكا 47 عاما قبل أن تضرب إيران؟ end of list

غير أن عودة جبهة النيل الأزرق هنا لا يمكن قراءتها كحدث داخلي، بل كجزء من تقاطعات إقليمية وجيوسياسية أوسع مكَّنت الدعم السريع من فتح نافذة جديدة، بعد أن تزايدت الضغوط عليه في جبهات الحرب الأخرى. ومن هذه الزاوية، تبدو ولاية النيل الأزرق اليوم أكثر من مجرد ساحة قتال؛ إنها مرآة تعكس التحوُّل في مسار الحرب السودانية، من معركة على العاصمة إلى صراع يدور بالأساس حول الأطراف الجغرافية البعيدة.

إعلان

النيل الأزرق في قلب العاصفة

حين اندلعت الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023، بدا واضحاً أن الهدف الأول للدعم السريع كان السيطرة على مركز السلطة في الخرطوم. فالحسم هناك لم يكن مجرد انتصار ميداني، بل كان يعني عملياً إعادة تعريف من يمتلك شرعية الحكم. وقد عَكَس الاندفاع نحو قلب الدولة تصوراً استراتيجياً يقوم على شل القيادة المركزية للجيش، وتجريده من القدرة على المبادرة.

كانت الفكرة في بدايتها أقرب إلى نموذج الحسم السريع: ضربة مُركَّزة في العاصمة تُربِك الخصم وتفرض واقعاً سياسياً جديداً. وقد نجحت قوات الدعم السريع بالفعل في تثبيت حضور واسع داخل أجزاء من الخرطوم لفترة ممتدة، قبل أن يتمكن الجيش من استعادة زمام المبادرة تدريجياً، ويُعيد سيطرته على العاصمة السودانية.

كشف تعثُّر الدعم السريع في الخرطوم حدود الرهان على العاصمة وحدها، وفتح الباب أمام إعادة تعريف أدوات السيطرة وإعادة توزيع الشرعية. فبدلاً من معركة واحدة فاصلة، أخذت الحرب تميل نحو نمط أقرب إلى ما تصفه الأدبيات العسكرية بـ"إستراتيجية التطويق"، لكن بصيغة حديثة متعددة المحاور. هنا لا يكون الهدف السيطرة المركزية التقليدية، بل فتح جبهات متزامنة تُرغم الخصم على توزيع قوته، وتأمين أطرافه، والقتال في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.

"بدلا من معركة واحدة فاصلة، أخذت الحرب تميل نحو نمط أقرب إلى ما تصفه الأدبيات العسكرية بإستراتيجية التطويق"

بهذا المعنى، يصبح تعدد الجبهات أداة لإعادة تشكيل ميزان القوى. فالطرف الذي يفرض إيقاع الانتشار لا يسعى بالضرورة إلى انتصار خاطف، بل إلى إطالة أمد الصراع بما يسمح له بإعادة ترتيب أوراقه السياسية والعسكرية. فكلما تكاثرت المحاور، ازداد تشتت الخصم؛ وكلما ازداد التشتت، تراجعت القدرة على الحسم.

وفي الوقت ذاته، يمنح هذا النمط من الانتشار فرصة لترسيخ سلطة أمر واقع في المناطق الخاضعة للسيطرة، وبناء شبكات إدارة ونفوذ قد تتحول مع الزمن إلى مركز سياسي موازٍ، حتى وإن لم يُعلَن ذلك رسمياً، وهو النموذج الذي طبَّقه الدعم السريع بعد إخفاقه في الخرطوم.

غير أن قوسا جغرافيا بهذا الاتساع لا يمكن أن يستقر أو يستمر بإمكانات محلية خالصة. ففتح جبهات متزامنة على امتداد الأطراف يتطلب عُمقاً لوجستياً وسياسياً يتجاوز حدود ساحات القتال المباشرة. ومن هنا، بدأت تتبلور شبكة علاقات إقليمية لعبت دوراً في إسناد مراكز الدعم السريع في تلك الأطراف.

أديس أبابا.. العُمق الجيوسياسي في الجوار

تُشكِّل إثيوبيا الامتداد الجغرافي المباشر للنيل الأزرق، ليس فقط بوصفها دولة جوار، بل باعتبارها المنبع الذي يمنح الإقليم اسمه وموقعه الاستراتيجي. فهي جارة حدودية تتقاطع مع السودان في ملفات حساسة، ما يضعها في قلب شبكة توازنات إقليمية معقدة.

فالحدود المشتركة، الممتدة عبر مناطق مثل الفشقة، ظلَّت لعقود مسرحاً لتوترات مُتقطِّعة بين الخرطوم وأديس أبابا، سواء بفعل النزاعات الزراعية أو في سياق التوترات الأوسع المرتبطة بسدِّ النهضة. هذا التداخل بين الجوار الجغرافي والتحالفات الإقليمية، جعل الجنوب الشرقي للسودان مساحة شديدة الحساسية سرعان ما تضربها الصراعات.

مع اندلاع الحرب السودانية، تبنَّت إثيوبيا خطاباً رسمياً يدعو إلى التهدئة والحفاظ على استقرار الدولة. غير أن مسار التحركات السياسية عكس مقاربة أكثر تعقيداً. ففي يوليو/تموز 2023، دعا رئيس الوزراء آبي أحمد خلال قمة الإيغاد (IGAD) إلى فرض حظر طيران ونزع المدفعية الثقيلة من السودان، وهي دعوة استبطنت الحياد بين الجيش والدعم السريع، ومن ثمَّ قوبلت برفض رسمي من الخرطوم.

إعلان

لاحقاً، سعى آبي أحمد إلى ترميم موقع بلاده كوسيط بزيارة بورتسودان في يوليو/تموز 2024، حيث التقى قائد الجيش البرهان هناك في محاولة لاستعادة قدر من التوازن في الموقف من الملف السوداني، وإن ظلَّت بلاده تُشكِّل ظهيراً فعلياً لتحرُّكات الدعم السريع في النيل الأزرق.

"تحوَّلت العاصمة الإثيوبية إلى منصة لتحركات سياسية مناهضة للجيش السوداني"

في المقابل، حرص الجيش السوداني على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، حيث زار البرهان أديس أبابا في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، مع زيارات متعدِّدة قام بها مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، في محاولة لتحييد الدور الإثيوبي، وتقليص التسهيلات اللوجستية للدعم السريع عبر الحدود. بيد أن أديس أبابا استقبلت حميدتي في ديسمبر/كانون الأول 2023 بمراسم رسمية، في خطوة فُسِّرَت داخل الخرطوم على أنها اعتراف سياسي ضمني بقائد قوات الدعم السريع.

وقد تحوَّلت العاصمة الإثيوبية في الوقت ذاته إلى منصة لتحركات سياسية مناهضة للجيش، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023 استضافت الاجتماع الأول لتنسيقية "تقدُّم"، وهي تحالف سياسي سوداني تأسس عقب اندلاع الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان 2023 وأثيرت بحقه اتهامات بالتواطؤ ضد الدولة والتواطؤ مع الدعم السريع. كما استضافت أديس أبابا لقاء حمدوك (رئيس وزراء السودان السابق وأبرز وجوه تقدم) وحميدتي مطلع عام 2024، الذي اعتبره البعض محاولة لإضفاء شرعية سياسية على الدعم السريع.

في ظل هذا التوازن الهش، رصدت منصات تحقيق عدة تطوُّرات لافتة في مطار أصوصا الإثيوبي قرب الحدود السودانية والذي يعتقد أنه تحول لمحطة لإطلاق المسيرات ضد السودان. تبع ذلك تحقيق مُوسَّع نشرته وكالة رويترز أشار إلى وجود معسكر تدريب سري قرب الحدود السودانية الإثيوبية في منطقة الفَشقة. ونقلت رويترز عن ثمانية مصادر، من بينها مسؤول إثيوبي رفيع، أن المعسكر يُستخدم لتدريب مقاتلين من قوات الدعم السريع وفصائل متحالفة معها.

"تحول مطار أصوصا الإثيوبي قرب الحدود السودانية إلى محطة لإطلاق المسيرات ضد السودان"

وهكذا، ضمن منطق التطويق متعدد المحاور، اكتسبت البيئة الإقليمية المحيطة بجبهة النيل الأزرق دوراً مباشراً في رسم خريطة الصراع السوداني، سواء عبر الدعم اللوجستي الذي تضمنه لحميدتي أو ما توفره من عمق جغرافي لقواته أو ما تمنحه إياه من مساحة مناورة دبلوماسية عبر علاقاته الجيدة بأديس أبابا وكمبالا (أوغندا).

مصدر الصورة عبد الفتاح البرهان (وسط) يستقبل آبي أحمد لدى وصوله في زيارة رسمية إلى مطار بورتسودان عام 2024 (الفرنسية)

معابر الرمال.. تشاد وليبيا ودارفور

لا تعرف الحدود غربي السودان مع تشاد تماسك الخطوط المرسومة على الخرائط. فهي حدود ممتدة عبر فضاءات صحراوية مفتوحة، تتداخل فيها الامتدادات القبلية، وتتحرك عبرها التجارة والسلاح والرجال منذ عقود. وفي سياق الحرب السودانية، تحوَّلت هذه السيولة الجغرافية إلى عنصر أساسي في الصراع الدائر.

لم تكن تشاد مجرد دولة جوار للسودان، بل عُمقاً استراتيجياً تشكَّلت فيه تحالفات وتمردات متبادلة منذ الثمانينيات. فقد تبادل الطرفان دعم المعارضة المسلحة لدى الآخر، وبلغ التوتر ذروته عام 2008، قبل أن يتجها إلى تسوية أمنية غير مُعلَنة أعادت ضبط العلاقة بين البلدين. ومنذ عام 2010، مالت نجامينا إلى تقليص دعمها للحركات المُسلَّحة في دارفور مقابل تفاهمات مع الخرطوم.

"لم تكن تشاد مجرد دولة جوار للسودان، بل عُمقا استراتيجيا تشكَّلت فيه تحالفات وتمردات متبادلة منذ الثمانينيات"

مع اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، تمسكت نجامينا بالحياد في ظل مرحلة انتقال سياسي حساسة تولى خلالها محمد كاكا (محمد إدريس ديبي) السلطة خلفاً لأبيه. غير أن امتداد القتال إلى دارفور، وانخراط مقاتلين من عرب تشاد في صفوف الدعم السريع، والطبيعة المفتوحة للحدود، ووجود مطارات قريبة من مسرح العمليات، جعل تشاد محط أنظار قوى إقليمية أرادت تعزيز موقعها في الصراع الدائر. وقد رصدت تقارير دولية بالفعل مسارات جوية ولوجستية مرتبطة بالحرب تمر عبر تشاد، تمحورت حول مساندة قوات الدعم السريع.

إعلان

فقد أشارت تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة إلى نشاط مُكثَّف في مطاري أم جرس وأبشي بشرق تشاد منذ منتصف 2023، مع إفادات عن تفريغ شحنات نُقِلَت بـرا نحو دارفور. وفي السياق ذاته، رصدت منصات تكرار رحلات شحن إلى شرق تشاد في الفترة بين يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول 2023 يرجح أنها حملت إمدادات لحميدتي وقواته. كما كشفت صحيفة نيويورك تايمز في تحقيق نشرته في سبتمبر/أيلول 2023 عن وجود مستشفى ميداني في أم جرس يعمل تحت غطاء مساعدة اللاجئين، وأنه استخدم نقطةً للدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع، بما في ذلك علاج الجرحى من مقاتليه.

"اشترت تشاد منظومة دفاع جوي صينية، ولكن المنظومة اختفت من مخازن الجيش لتظهر في السودان في يد قوات الدعم السريع"

بلغ الأمر ذروته في فبراير/شباط 2025، حين اشترت تشاد منظومة دفاع جوي صينية، في صفقة بدت وكأنها تحديث عسكري. ولكن المنظومة لم تُستخدم داخل البلاد، بل اختفت من مخازن الجيش لتظهر في السودان، فيما عُدَّ خرقا مباشرا لحظر التسليح الدولي. وتسلط هذه التطورات الضوء على الدور الذي تلعبه نجامينا جزءا من شبكة توازنات أوسع في الساحل والقرن الأفريقي، حيث يُعتقد أنها تحظى بدعم من قوى إقليمية ذات مصالح راسخة في الصراع السوداني، في مقابل استثمارات ومساعدات مالية ودعم سياسي للحكومة التشادية.

يُشكِّل المحور الليبي الحلقة الشمالية في قوس جغرافي يُطوِّق السودان من جهاته المتعددة، ويمنح الدعم السريع مساحات يتنفَّس عبرها ويُشتِّت جهود الجيش السوداني. فالحدود السودانية–الليبية، الممتدة لأكثر من 350 كيلومتراً، تلتقي بالمثلث الحدودي مع مصر، في مساحة صحراوية ملتهبة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية الإقليمية. هذه الجغرافيا التي تربط دارفور بجنوب ليبيا لم تكن يوما مجرد امتداد مكاني، بل ممراً لحركة المليشيات وطرق التهريب وعبور اللاجئين، ضمن بيئة يصعب إخضاعها لرقابة كاملة. وقد أعادت الحرب الراهنة إبراز هذه المنطقة كعُمق خلفي تتحول فيه الصحراء من فراغ جغرافي إلى مسرح جيوسياسي مؤثر في موازين القوى.

اتسمت العلاقات بين السودان وليبيا عبر عقود حكم معمر القذافي بالتقلُّب الحاد بين التحالف والعداء. فقد دعم القذافي نظام جعفر نميري مطلع السبعينيات ثم انقلب عليه، وساند معارضيه ودعم التمردات في الجنوب ودارفور. وفي عام 2011، انحازت الخرطوم للثورة الليبية وساهمت في إسقاط القذافي بتقديم الدعم للثوار باعتراف الرئيس السوداني السابق عمر البشير نفسه، في خطوة أنهت عقودا من علاقة مضطربة لكنها فتحت الباب لمرحلة إقليمية أكثر تعقيدا.

"مع قيام الثورة الليبية في عام 2011، قدم نظام عمر البشير الدعم للثوار نكاية في القذافي"

منذ سقوط نظام القذافي، دخلت ليبيا في انقسام عميق بين سلطتين متنافستين (حكومة الوحدة الوطنية بطرابلس وقوات حفتر ببنغازي)، ما فتح المجال واسعاً لتدخُّلات إقليمية. في هذا السياق، برز حضور الدعم السريع ضمن مشهد الصراع الليبي، إذ وثقت تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة مشاركة مقاتلين سودانيين، بينهم عناصر من الدعم السريع في تقديم دعم عسكري لقوات حفتر.

بحلول أواخر عام 2023، تصاعدت الشبهات الدولية حول دور حفتر في الحرب السودانية، بعد رصد رحلات شحن جوية متكررة إلى شرق ليبيا اعتُبرت جسراً لوجستياً للدعم السريع. وكشفت تقارير أممية واستخبارية عن تخزين أسلحة في قاعدة الخادم، إلى جانب استخدام مهابط الخادم وبنينا لتمرير أسلحة ووقود ومعدات بصورة غير مباشرة. كما أشارت تحقيقات إلى تورط شبكات تابعة للجيش الوطني الليبي (التابع لحفتر) في تهريب الوقود الليبي لدعم عمليات الدعم السريع في دارفور.

بلغ هذا التنسيق ذروته عندما شنَّت قوات الدعم السريع العام الماضي (2025) هجوماً في المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان، مُستفيدة من خطوط الإمداد القادمة من الكُفرة (جنوب شرق ليبيا)، وبمساندة كتائب "سُبُل السلام" الموالية لحفتر. وكشف موقع أفريكا إنتليجنس أن مناطق الجنوب الليبي تحوَّلت إلى شريان لوجستي يغذي الصراع في السودان، في ظل نشاط دبلوماسي وعسكري من حلفاء الدعم السريع. وهو ما أكدته تقارير الأمم المتحدة التي أشارت لوجود جسر جوي لنقل العتاد العسكري من مطار بنينا في بنغازي إلى مطار الكفرة، ثم إلى قوات الدعم السريع في إقليم دارفور عبر الحدود المشتركة.

إعلان

حميدتي يتنفَّس من الشرق والجنوب

لا يمكن فهم اشتعال ولاية النيل الأزرق وتحركات الدعم السريع فيها بمعزل عمَّا يمكن أن نطلق عليه "إستراتيجية تطويق" متعددة المحاور، تمتد من التخوم الجنوبية الشرقية عبر الجوار الإثيوبي، إلى دارفور عبر الحدود التشادية والليبية غرباً، ضمن شبكة ضغط جغرافي تحيط بمركز الدولة، الذي راهن عليه حميدتي في بداية الحرب، ثم خسره فانسحب منه نحو الأطراف كأمر واقع بديل، سهَّل عليه تشكيل تحالفات إقليمية متعددة.

فالنيل الأزرق ليس مجرد جبهة عابرة، بل حلقة مفصلية في قوس يطوِّق الخرطوم من بعيد، بحيث يُعاد توزيع الثقل العسكري والسياسي بعيداً عن العاصمة، وخطوة نحو واقع جديد يدَّعي تمثيل السودان بسلطة موازية وجغرافيا بديلة. وإذا استمر هذا النمط من التمدد، فإن السيناريو لن يقتصر على كونه استنزافاً طويلاً للجيش، بل إعادة تشكيل للسودان سياسيا بعيدا عن المركز، عبر فرض سلطة أمر واقع على الأطراف.

"النيل الأزرق ليس مجرد جبهة عابرة، بل محاولة لإعادة توزيع الثقل العسكري والسياسي بعيدا عن العاصمة"

يتقاطع هذا المسار مع إعادة تموضع إقليمي متسارع حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فقد دفعت تطورات الجبهة السودانية أطرافاً إقليمية، من بينها القاهرة، إلى الانتقال من مقاربة حذرة إلى أخرى أكثر انخراطاً، بالنظر إلى ما تمثله التخوم الشرقية والغربية للسودان من امتداد مباشر لأمن مصر القومي في وادي النيل والبحر الأحمر.

ومع تصاعد التوتر، بدأت تتبلور خطوط اصطفاف غير مُعلنة حول السودان بين محورين: الأول يرى مصلحته في دعم قوات الدعم السريع وتمكينها من السيطرة على الأطراف وتتصدره أديس أبابا بدعم من قوى إقليمية، والثاني يرى استقرار الدولة المركزية السودانية أولوية استراتيجية، وبالتالي يوجه جهوده نحو دعم الجيش وتقوده مصر.

وضمن هذه الهندسة المتحركة للمحاور الجيوسياسية، صارت جبهة النيل الأزرق وجبهة الصحارى الغربية أكثر من مجرد ساحتيْن للقتال؛ إنهما نقطة التقاء تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الحسابات العسكرية والرهانات الإقليمية. ويبرز حميدتي كمستفيد رئيسي من هذا التنافس الذي يمنحه رئتان يتنفَّس بهما في صراعه المحموم للسيطرة على السودان.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا