آخر الأخبار

ثنائية قبل وبعد.. كيف تبرر إسرائيل التدمير في غزة ولبنان؟

شارك

لم تعد مشاهد الدمار في غزة وجنوب لبنان مجرد سجل مرئي يوثق نتائج العمليات العسكرية للعدوان الإسرائيلي منذ عام 2023، بل جرى تحويلها إلى مادة قابلة لإعادة التدوير ضمن قوالب سردية سريعة الانتشار، وتتصدرها تقنية المقارنة بين حالتي "قبل وبعد".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 إنهاء الأعمال العدائية ضد إيران.. رسالة ترمب تفجر جدلا بواشنطن
* list 2 of 2 تمساحان يثيران الجدل في العراق وسوريا.. ما الحقيقة؟ end of list

ولطالما لجأت إسرائيل خلال الأعوام الثلاثة الماضية إلى هذه الطريقة التي تحمل في طياتها قوة اختزالية تفتح المجال أمام استخدام انتقائي أو حتى مضلل للمواد البصرية، والهدف في النهاية تنصل ممنهج من المسؤولية وإلقاء اللوم على الخصوم.

تفاصيل الحملة الرقمية

تعتمد الحملة الإسرائيلية على منطق "الصدمة البصرية" وهو أسلوب يدفع الجمهور إلى استجابة عاطفية فورية، سواء أكانت تعاطفا أو غضبا أو إدانة.

وهكذا ينخرط ناشطون إسرائيليون وحسابات معروفة بصلاتها بالحكومة الإسرائيلية، في نشر صورتين متجاورتين من لبنان وغزة؛ الأولى تُظهر حياة طبيعية بمشاهد مثل مبانٍ قائمة، شوارع مأهولة، حقول زراعية، والثانية تعرض دمارا واسعا أو أنقاضا أو تغييرات جذرية في البنية العمرانية.

هذا النمط البصري، الذي يضع صورتين متقابلتين للمكان ذاته في زمنين مختلفين، يختصر مسارًا معقدًا من الأحداث في لحظة صادمة، ويمنح المتلقي إحساسًا فوريًا بحجم التحول والدمار، دون الحاجة إلى شرح أو سياق موسع عن المسؤول أو المتسبب.

ولحبك السردية بشكل أعمق، يرافق هذا التباين والصور المنشورة تعليق مقتضب من سطر واحد: "هذا ما تبدو عليه انتصارات حماس"، أو " حزب الله دمر لبنان".

وبهذه البساطة، يُختزَل مشهد معقد من الحرب في معادلة دعائية جاهزة، تقدم الدمار بوصفه نتيجة "منطقية" لقرارات الطرف الآخر -حماس وحزب الله- في هذه الحالة، لا نتيجة مباشرة للعمليات العسكرية الإسرائيلية.

وفي هذا التحليل، رصدت وحدة المصادر المفتوحة بالجزيرة حملة إسرائيلية منظمة تهدف لإعادة توظيف صور الدمار في غزة ولبنان ضمن سردية تبريرية تحمّل الضحية مسؤولية ما جرى.

من التوثيق إلى الاتهام: كيف يعمل القالب؟

تُقرأ صور الدمار عادة بوصفها مؤشرا على حجم القوة المستخدمة وكلفة العمليات العسكرية على الإنسان والعمران، أما في الخطاب الإسرائيلي، فيجري قلب الدلالة حيث يتحول الدمار من نتيجة إلى "دليل إدانة" موجّه ضد من لحق به الأثر.

إعلان

وبينما يُقدَّم مشهد "قبل" بوصفه صورة لحالة مستقرة وطبيعية، يُعاد تأطير مشهد "بعد" باعتباره نتيجة حتمية لقرار سياسي أو عسكري من حماس أو حزب الله، وبهذا، يُدفع المتلقي إلى تبني سردية اختزالية حادة تقوم على معادلة واحدة: "هم بدأوا – وهم دمروا" على حد مزاعمهم.

هذا النمط يتجاهل عمدا أي نقاش حول طبيعة الاستهداف، أو حجم الخسائر المدنية، أو قواعد الاشتباك، ويركز فقط على "السبب الأولي" كما يُقدَّم في النص المرافق للصورة.

الآلية هنا تقوم على ما يمكن وصفه بـ"إسناد المسؤولية بالتسلسل السردي"، حيث يُنسب الدمار بالكامل إلى الطرف المذكور في الوصف، بغض النظر عن الفاعل الفعلي.

من غزة إلى جنوب لبنان: قالب واحد وسياقات متعددة

في غزة، خاصة خلال 2023–2024، استُخدم هذا النمط بكثافة في مناطق مثل جباليا ورفح وبيت حانون، مع ربط مباشر بين الدمار وقرار حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول.

لاحقا، ومع تصاعد التوترات في جنوب لبنان (2024–2026)، نُقل القالب نفسه حرفيا إلى قرى حدودية مثل عيتا الشعب وراميا في جنوب لبنان.

المشهد البصري لم يتغير، ولا الصياغة، فقط اسم الموقع والجهة المستهدفة.

هذا الانتقال السلس بين الجبهات يكشف أن ما يجري إسرائيليا ليس تفاعلا عفويا مع الأحداث، بل استخدام لقالب جاهز يُعاد نشره وتكييفه بسرعة مع أي ساحة جديدة.

قالب يُعاد تدويره بلا توقف

التحليل يُظهر أن البنية البصرية والنصية نفسها تتكرر بشكل شبه حرفي عبر مئات المنشورات: صورة "قبل/بعد"، خط فاصل واضح، تعليق قصير يحمل اتهاما مباشرا سواء لحماس أو حزب الله.

هذا القالب لم يُستخدم فقط في غزة ولبنان، بل ظهر أيضا في سياقات أخرى مثل اليمن وإيران، مع تغيير بسيط في النص، والحفاظ على الرسالة الأساسية.

إعادة التدوير هذه تعني أن الجهد لا يُبذل في بناء رواية جديدة، بل في إعادة ضخ الرواية نفسها بصيغ مختلفة، مما يعزز انتشارها وسرعة تداولها.

من يقود الحملة؟

لا تقف هذه الحملة عند حسابات مجهولة، بل تقودها شبكة من حسابات مؤثرة، أبرزها:

الصحفي والناشط الإسرائيلي يوسف حداد الذي يقدم نفسه صوتا عربيا، مما يمنح المحتوى غطاء "تمثيليا" يعزز مصداقيته لدى الجمهور العربي والغربي.

حساب الناشط والصحفي الإسرائيلي حنينة نفتالي يقدم بدوره النموذج الأكثر وضوحا لهذا القالب منذ بداية الحرب.

حساب (Visegrád 24) وهو حساب إخباري يلعب دورا محوريا في تضخيم هذا المحتوى خارج الدوائر الإسرائيلية.

وبحسب ما كشفته تقارير وتحقيقات دولية فقد جرى توظيف محتوى بعض هذه الحسابات ضمن حملات رقمية ممولة، ما يشير إلى وجود استخدام منظم لهذا الخطاب داخل منظومة دعائية أوسع.

مؤشرات على تنسيق دعائي

المعطيات المتاحة تشير إلى نمط واضح من التنسيق السردي، يتجلى في تكرار نفس القالب البصري والنصي عبر حسابات متعددة – تضخيم متبادل بين مؤثرين ومنصات إعلامية – توحيد الرسالة رغم اختلاف الجهات الناشرة – سرعة نقل القالب بين ساحات مختلفة دون تعديل جوهري.

ورغم عدم توفر أدلة قاطعة على إدارة مركزية مباشرة لكل الحسابات، إلا أن هذا التماسك في الرسائل يشير إلى منظومة دعائية تعمل بأهداف مشتركة.

الهدف النهائي لهذا النمط يتجاوز مجرد التأثير البصري، وهو يعمل على إعادة صياغة موقع الضحية في السردية.

إعلان

وبدل أن تُعرض إسرائيل كطرف يملك تفوقا عسكريا وينتج الدمار، تُعاد صياغتها كطرف "يدافع عن نفسه"، بينما يُقدَّم الطرف الآخر كمن "تسبب بتدمير نفسه".

بهذا، يتحول الدمار من نتيجة يجب مساءلة من تسبب بها، إلى أداة اتهام ضد من وقع عليه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا