بينما كانت الطائرات والمسيرات تجوب سماء لبنان وصولا إلى العمق الإيراني، كان هناك "عقل غير بشري" يعمل في الخفاء، يبتلع ملايين البيانات من صور الأقمار الصناعية، تسجيلات الفيديو المباشرة، وحتى الهمسات عبر اللاسلكي، ليحولها في أجزاء من الثانية إلى إحداثيات حمراء على شاشات القادة.
لم يعد الأمر مجرد خيال علمي أو أدوات مساعدة، ففي اعتراف نادر من نوعه، كشف جيش الاحتلال الإسرائيلي عن تفعيل بنية تحتية كاملة للذكاء الاصطناعي تعرف بـ"مصنع المعلومات العملياتي". هذا "المصنع" الذي صُقلت خوارزمياته وسط أنقاض قطاع غزة، بات اليوم المحرك الأساسي للعدوان على لبنان والمواجهة المفتوحة مع إيران.
وهنا لا نتحدث عن مجرد "تطبيقات" بل عن تحول جذري في عقيدة الحرب، حيث حلت "السحابة العسكرية المركزية" محل غرف العمليات التقليدية، وبدأ "الوكلاء الأذكياء" في تفكيك المهام العسكرية المعقدة وتجهيز بنوك الأهداف للهجوم، وليس للدفاع فقط كما كان يشاع سابقا.
لم تعد جبهات القتال بالنسبة لجيش الاحتلال مجرد مساحات جغرافية منفصلة، بل تحولت إلى تدفقات رقمية تصب في خزان واحد إذ أعلن جيش الدفاع الإسرائيلي لأول مرة أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تلعب دورا في العمليات الهجومية على إيران ولبنان، وليس الدفاعية فقط.
حوّل الاحتلال ساحة المعركة إلى شبكة موحدة حيث يتدفق سيل من المعلومات المبعثرة من فيديوهات حية، ونصوص مخابراتية، وتسجيلات صوتية، وبيانات أجهزة الاستشعار لتصهرها الخوارزميات في بوتقة واحدة.
ووفقا لـ "هآرتس"، لم يعد هذا الكنز المعلوماتي حكرا على النخبة، بل أتاحته "السحابة العسكرية" لكل الوحدات والأذرع، محولة البيانات الخام إلى خطط استهداف دقيقة تضع قرارات القتل والتدمير بين يدي القادة في أجزاء من الثانية.
ويعمل النظام على تخطيط الهجمات وتحديد الأهداف والضربات، كما يقوم بتسجيل وتفريغ جميع الاتصالات اللاسلكية، ويجمع بيانات في الوقت الفعلي حول إطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار وعمليات الاعتراض، مما يحسن بشكل كبير اتخاذ القرارات العملياتية والدفاعية بطريقة لم تكن متخيلة من قبل.
أما عن الهدف الإسرائيلي المعلن، فقد نقلت الصحيفة عن مصدر مسؤول قوله إن الهدف هو خلق صورة عملياتية شاملة لقوات الجيش ومهامه وتهديداته.
وبالنسبة للاستخدام فهو لا يقتصر على استخدام الأدوات الموجودة فحسب، بل يمكن لأذرع جيش الاحتلال تطوير تطبيقاتها الخاصة المصممة خصيصا لاحتياجاتها المحددة.
وفي قراءة عسكرية، يقول الخبير العسكري ضيف الله الدبوبي إن "مصنع المعلومات" لا يعمل بمعزل عن الجهد البشري والاستخباري التقليدي؛ إذ تُعد الوحدة 8200، المتخصصة في الاستطلاع اللاسلكي والحروب الإلكترونية، المزود الرئيسي والحيوي للبيانات الضخمة التي تتغذى عليها الخوارزميات.
ويضيف في حديه لـ"الجزيرة نت " أن هذه الوحدة، التي تمتلك قدرات مراقبة تغطي أهدافا حول العالم، تقوم بضخ تدفقات هائلة من المعلومات الناتجة عن اعتراض الإشارات والاتصالات، لتصبح المادة الخام التي يعالجها الذكاء الاصطناعي ويحولها إلى بنك أهداف هجومي.
عمليا، الاستخدام العسكري الإسرائيلي للذكاء الاصطناعي ليس جديدا، إلا أن المختلف هذه المرة هو إنشاء "سحابة مركزية" تربط كميات هائلة من البيانات وتعمل على تحليلها، وتوزعها على جميع الوحدات بعد أن كانت حكرا على جزء منها.
ويقول الدبوبي إن إسرائيل استندت في تطوير هذه البنية التحتية إلى خبرات تراكمية من عمليات سابقة، لا سيما معركة "الـ12 يوما" عام 2021 وما تلاها من عمليات استطلاع ومراقبة مكثفة بعد " طوفان الأقصى".
وأشار إلى أن الدور الجوهري للذكاء الاصطناعي هنا ليس التخطيط المستقل، بل العمل كأداة ذكية لـ"إكمال نقص البيانات"، حيث يقوم بربط الخيوط المتناثرة والمعلومات المبتورة لتحديد الأهداف بدقة هجومية عالية، وهو ما ظهر جليا في دمج هذه القدرات مع سلاح الجو في عمليات مثل "غيوم العاصفة"، هذه المنظومة التي ظهرت لأول مرة في سماء غزة بعد السابع من أكتوبر، باتت اليوم تعمل بكامل طاقتها في الجبهة الشمالية.
وتكمن خطورة هذه التقنية في اعتمادها على "رؤية الكمبيوتر"، وهي قدرة فائقة تتيح للمسيرة ليس فقط تصوير الميدان، بل "فهم" ما تراه في البث المباشر، إذ يقوم النظام بتمييز الأشخاص والآليات وتصنيفها كأهداف، ثم رسم خريطة رقمية دقيقة لها في الوقت الفعلي، ما يحول الفيديو العادي إلى مخطط استهداف لحظي يوضع بين يدي الطيارين وقادة العمليات.
وفي لبنان، لا يختلف الأمر كثيرا إذ استُخدمت لتحليل بث الفيديو من الكاميرات المنتشرة، وتحديد الأشخاص والأجسام وإصدار تنبيهات في الوقت الفعلي.
ومع ذلك، لا تتخذ هذه الأنظمة -في هذه المرحلة- قرارات عملياتية بشكل مستقل، إلا أنها تحل محل عمل عشرات المحللين، وتعمل على تزويد العسكريين بمعلومات أسرع وأكثر تعقيدا، وفقا لمصادر "هآرتس".
ميدانيا، يؤكد الدبوبي أن هذه المنظومات يتجاوز دورها مجرد الرصد؛ فهي تعمل على "ترميم الميدان استخباراتيا"، فبينما يقوم المقاتلون في الجبهة بسحب الصور من كاميرات الشوارع أو تتبع الإشارات الضوئية واللاسلكية، يتولى الذكاء الاصطناعي معالجة هذا النقص وسد ثغرات المعلومات المبتورة، ليتمكن القائد من رسم خطة عسكرية وتعديل المواقع في لحظات.
والأخطر من ذلك، هو قدرة هذه الخوارزميات على إجراء "فلترة بشرية"؛ حيث تقوم بتحليل الأنماط والبيانات للتمييز بين المدني والعسكري، محولة عملية تحديد مصادر النيران إلى عملية رقمية فورية لا تترك مجالا للمناورة، وفق حديثه.
لا يعمل "مصنع المعلومات" ككتلة صماء، بل يتشعب إلى شبكة معقدة من الأنظمة والمنصات التي تحمل أسماء مشفرة، لكل منها دور دقيق في تحويل الميدان إلى لوحة تحكم رقمية.
فبينما تتولى أنظمة رصد السماء والأرض حماية القوات وتحديد مصادر النيران، تبرز منصات أخرى لتنسيق الهجمات الكبرى وتجسيد الواقع في خرائط ثلاثية الأبعاد تفوق الخيال وتشمل:
ومن المكونات المركزية للنظام منصة "مابليت" (MapIt)، وهي منصة تعرض بيانات عملياتية ثلاثية الأبعاد في الوقت الفعلي للقادة.
وهناك نظام آخر يسمى "فلو" (FLOW)، يقوم بتجميع البيانات من التدفقات العسكرية والمدنية، مما يسمح لقادة جيش الاحتلال بإنشاء "لوحات تحكم استخباراتية" سريعة لمشاكل ومهام محددة؛ فعلى سبيل المثال، يتيح الاستجابة السريعة للأحداث الجارية، مثل المساعدة في مواقع سقوط الصواريخ.
بُنيت هذه المنصات باستخدام أدوات "بدون كود" (No-code)، مما يتيح للمحللين الذين ليس لديهم تدريب برمجي بناء منتجات استخباراتية ولوحات تحكم عملياتية بشكل مستقل.
وفي خضم الحرب، بدأ الجيش في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي "الوكيلة" (Agentic AI)؛ وهي أنظمة ذاتية العمل يمكنها تفكيك المهام وجمع البيانات من مصادر متعددة وإنتاج مخرجات عملياتية.
تعتمد هذه الأدوات على قدرة الفروع العسكرية المختلفة على تغذية النظام بالبيانات والسحب منه، مع تطوير تطبيقاتها الفريدة الخاصة التي لم يطورها الجيش أصلا.
كما تم دمج الذكاء الاصطناعي في نظام الإنذار الوطني الإسرائيلي، مما يتيح التنبؤ بمكان سقوط شظايا الاعتراض. ويقول الجيش إن النظام يساهم في بناء صورة وطنية محدثة باستمرار، تشارك مع الشرطة وخدمات الطوارئ المدنية مثل " نجمة داود الحمراء".
يأتي الكشف عن هذه الترسانة الرقمية في وقت تتسابق فيه شركات التكنولوجيا لتزويد الجيش الأمريكي بأدوات الذكاء الاصطناعي، إلا أن إسرائيل اختارت مسارا مختلفا إذ أكدت مصادر لهآرتس أن الجيش لا يعتمد على مزودين خارجيين، بل يعمل بنماذج مفتوحة المصدر أعاد صقلها وتطويرها داخليا.
هذا التحول نحو "النماذج المفتوحة" جاء كقرار بعد انتقادات دولية واسعة طالت اعتماد الجيش سابقا على بنية تحتية تابعة لشركة " مايكروسوفت".
وسبق للجيش أن أقر بتطوير أدوات تشبه شات جي بي تي للاستخدام الداخلي، إلى جانب منظومات مثيرة للجدل مثل "لافندر" (Lavender)، التي كشف تحقيق صحفي أنها حددت عشرات الآلاف من الأهداف البشرية في غزة.
قاد هذا التحول التقني مديرية الدفاع السيبراني (C4I)، التي أنشأت أواخر عام 2025 قسما متخصصا للذكاء الاصطناعي يسمى "بينا" (Bina).
وداخل هذا القسم، تولت وحدة "متسبين" (Matzpen) -وهي الذراع البرمجية لوحدة "ممرام"- مهمة بناء وتشغيل هذه البنية التحتية بالكامل، لتضمن للجيش سيطرة مطلقة على بياناته وعملياته بعيدا عن رقابة شركات التكنولوجيا الكبرى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة