آخر الأخبار

الحرب الدينية الأمريكية.. أهلا بكم في العصور الوسطى

شارك

في الأشهر الأخيرة، اتخذت لغة المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران منحى ينبغي أن يثير قلق كل من يهتم بالسلام العالمي.

من خلال البرامج التلفزيونية، والمواعظ على شبكة الإنترنت، والتحليلات السياسية، بدأ بعض الوعاظ والمعلقين الأمريكيين يصفون هذا الصراع بأنه "حرب مقدسة"، وليس مجرد صراع جيوسياسي أو قضية أمن قومي.

وقد أشارت تقارير في صحيفة "الغارديان"، ووسائل إعلام دولية أخرى، إلى تزايد عدد الأصوات القومية المسيحية والإنجيلية التي تصف الصراع في الشرق الأوسط بعبارات لاهوتية صريحة.

لطالما فسر بعض الوعاظ الإنجيليين في الولايات المتحدة التوترات المتعلقة بإسرائيل من خلال نصوص الكتاب المقدس ونبوءات نهاية العالم. ضمن هذه التفسيرات، يصور النزاع مع إيران أحيانا كجزء من معركة مقدرة إلهيا بين الخير والشر.

توصف الحرب في المواعظ التي تبث على الإنترنت وتنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأنها لحظة مفصلية يجب فيها على الأتباع أن يقفوا مع إسرائيل في معركة ذات أهمية روحية بالغة؛ لأنها قد تؤدي إلى ما يعرف بـ"الاختطاف".

لا يقتصر هذا الخطاب على المنابر الدينية، فقد ردد بعض المحاربين القدامى والمعلقين أفكارا مماثلة، مستخدمين لغة حضارية تصور المواجهة مع إيران على أنها جزء من صراع أوسع بين الحضارة اليهودية المسيحية، والإسلام.

حين تدخل هذه اللغة في الخطاب الإستراتيجي، فإنها تحول الصراع السياسي إلى شيء أشد خطورة بكثير: حرب مشبعة بالمعاني المقدسة.

يظهر التاريخ أنه بمجرد تحول الحروب إلى صراعات مقدسة، يصبح الوصول إلى تسويات أمرا شبه مستحيل. فالصراعات السياسية يمكن نظريا على الأقل، التفاوض لحلها. أما الحروب المقدسة فينظر إليها كمعارك من أجل الحقيقة الإلهية، وهنا يصبح التفاوض خيانة.

ليست هذه الظاهرة حكرا على أزمة الشرق الأوسط الراهنة، فقد تكرر إضفاء الشرعية الدينية على الحرب في عدد من النزاعات المعاصرة. على سبيل المثال، صور راعي الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، البطريرك كيريل، الحرب بمصطلحات روحية عندما بدأ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022.

إعلان

وقد أشار في مواعظه وتصريحاته إلى أن الصراع يمثل معركة ميتافيزيقية حول المستقبل الأخلاقي للعالم الروسي، وتداخلت لغة الحرب الروحية، والتطهير الثقافي، والدفاع عن الحضارة، مع المبررات السياسية للعملية العسكرية في أوكرانيا.

يكتسي هذا الخطاب أهمية بالغة. فعندما تبرر السلطة الدينية العنف، فإنها تمنح الحرب شرعية أخلاقية، وتقوض أي صوت معارض بين أتباعها. وفق هذا المنطق، يمكن حشد الجماعات الدينية- التي قد تدعو إلى السلام في ظروف أخرى- خلف أجندات قومية أو عسكرية.

لذلك فإننا نشهد الآن أمرا مقلقا للغاية: عودة الخطاب الديني الصريح إلى الحروب الحديثة. على مدى عقود بعد الحرب العالمية الثانية، تعمدت الدبلوماسية العالمية- وإن بشكل غير كامل- أن تصف النزاعات بمصطلحات سياسية وقانونية.

وقد صُممت المؤسسات الدولية والمعاهدات والأطر متعددة الأطراف لمنع التأطير الديني الذي تسبب بقرون من إراقة الدماء.

لكن الوضع الراهن يوحي بأن هذه الضوابط تضعف تدريجيا. توصف الحروب مجددا على أنها صراعات وجودية بين منظومات عقائدية، ويلجأ القادة السياسيون ورجال الدين والشخصيات الإعلامية بشكل متزايد إلى المعتقدات الدينية لحشد الدعم.

ولا يقتصر الخطر على الخطاب فحسب، فعندما يتم إضفاء القداسة على الحروب، يزيد خطر تحولها إلى صراعات بلا حدود، لا تتقيد بضوابط الجغرافيا أو الدبلوماسية.

انهيار التعددية وصمت المؤسسات الدينية

لطالما كتبت وتحدثت عن العلاقة المتوترة بين الدين والحوكمة العالمية وبناء السلام. وفي مقالاتي، ومقابلاتي، ومحاضراتي العامة، حذرت مرارا وتكرارا من فشل الحكومات والهيئات الحكومية الدولية في وضع إطار عمل متماسك لإشراك الأديان بشكل بناء في الشؤون الدولية.

تنتشر المنظمات الدينية في كل مكان اليوم، وهي تشارك في العمل الإنساني، وبرامج التنمية، والمبادرات الدبلوماسية، والحوار بين الأديان. وتقر المؤسسات الدولية بشكل متزايد بأهمية الفاعلين الدينيين في بناء السلام والتنمية.

أصبحت المؤتمرات والندوات والبرامج الأكاديمية والمبادرات العالمية حول "الدين و…" أو "الإيمان و…" منتشرة على نطاق واسع، وتتزايد يوما بعد يوم.

ولكن رغم كل هذه الفعاليات، تبقى المشكلة الهيكلية الأعمق دون حل: فالفاعلون الدينيون أنفسهم يعانون من انقسام عميق، وكذلك الجهات السياسية الفاعلة التي تتعامل معهم.

وبدلا من تشكيل تحالفات قوية قادرة على مواجهة العنف الذي يرتكب باسم الدين، تستمر العديد من المنظمات الدينية في العمل ضمن حدود مؤسسية أو لاهوتية ضيقة. ورغم وجود مبادرات بارزة للتواصل بين الأديان، فإنها تبقى رمزية في الغالب، ومحدودة القدرة على تحدي السلطة السياسية، أو حشد أتباعها على نطاق واسع.

لقد جادلتُ بأن المنظمات الدينية غالبا ما تقلل من مسؤوليتها في تشكيل الخطاب العام حول النزاعات، وقيامها بذلك بشكل جماعي. عندما يستخدم الدين لتبرير العنف، يصبح صمت القادة الدينيين نوعا من التواطؤ.

في الوقت نفسه، أصبح النظام الدولي- الذي كان بإمكانه أن يخفف من حدة هذه الديناميكيات- يرزح بدوره تحت وطأة الضغوط. كان تآكل التعددية إحدى أبرز سمات العقد الماضي، وتبدو المؤسسات الدولية التي تلعب دور الوسيط لحل الأزمات العالمية أكثر ضعفا وتهميشا.

إعلان

يعيش مجلس الأمن حالة جمود، ويستخدم القانون الدولي بشكل انتقائي، هذا إن تم اللجوء إليه أصلا. عادت المنافسة بين القوى العظمى بقوة متجددة، وفي مثل هذه البيئة، تفقد الدعوات إلى الالتزام بالمعايير الدولية أي معنى لها.

إلى جانب هذا الضعف المؤسسي، برز تصاعد مقلق للنزعة الاستبدادية في جميع أنحاء العالم. تبنت الحكومات في مختلف المناطق بشكل متزايد ممارسات غير ليبرالية تقيد الحريات المدنية، وتهمش الأقليات، وتقمع المعارضة. وفي كثير من الحالات، يوظف الدين لتعزيز السرديات القومية، أو لإضفاء الشرعية على السلطة السياسية.

يخلق هذا المزيج- تراجع الحوكمة متعددة الأطراف وصعود الدين المسيس- بيئة عالمية متقلبة. وبدون أطر دولية قوية للتوسط في النزاعات؛ تكتسب السرديات والأفعال الإمبريالية زخما أكبر- كما هو الحال في حرب ترمب ونتنياهو ضد إيران- ويصبح الدين والعرق والثقافة أدوات تستخدم لتفسير النزاعات السياسية وتعبئة الجماهير.

لقد كافحت المنظمات الدينية، رغم تأثيرها المحتمل، لمواجهة هذا الاتجاه بفاعلية؛ حيث يستمر بعضها في التركيز على الخدمات الإنسانية بدلا من مواجهة الروايات الأيديولوجية التي تضفي الشرعية على العنف، ويتردد معظمها في تحدي السلطات السياسية التي تربطها بها علاقات وثيقة، وتسعى للحصول على دعم مالي و/أو سياسي.

ونتيجة لذلك، توجد مفارقة مهمة في المشهد الديني العالمي اليوم: فالدين حاضر بشكل متزايد في الخطاب العالمي، ومع ذلك فإن إمكاناته كقوة للسلام لا تزال غير مستغلة بشكل كافٍ.

الإسلاموفوبيا وبذور صراع ديني أوسع

ربما يكون البعد الأكثر إثارة للقلق في اللحظة الراهنة هو عودة الإسلاموفوبيا كقوة سياسية مؤثرة في الخطاب الدولي.

لأكثر من عقدين بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، أصبحت السرديات التي تصور الإسلام على أنه مرتبط جوهريا بالتطرف متجذرة بعمق في الخطاب السياسي والتناول الإعلامي عبر العديد من المجتمعات الغربية.

وعلى الرغم من الجهود المستمرة التي بذلها الباحثون، والقادة الدينيون، والفاعلون في المجتمع المدني لمواجهة هذه السرديات، فإنها لا تزال تشكل التصورات العامة.

وفي سياق المواجهة الراهنة مع إيران، تهدد مثل هذه السرديات بتعزيز الانطباع بأن الصراع ليس مجرد صراع جيوسياسي بل هو حضاري، فعندما لا تصور إيران باعتبارها دولة فحسب، بل كممثل لقوة إسلامية مهددة، يصبح الصراع أكبر رمزيا من أي دولة منفردة.

الخطر واضح: الحروب السياسية تفسر على أنها حروب دينية.

وإذا ترسخ هذا التأطير، فإن تداعياته ستتجاوز حدود الشرق الأوسط بكثير؛ حيث يمكن للصراعات التي تصور على أنها صراعات دينية أن تحشد المؤدلجين عبر الحدود، وقد تؤدي إلى تطرف المجتمعات، وتأجيج الاستقطاب الطائفي، وتقويض التعايش الهش بين مختلف الأديان.

ويقدم التاريخ أمثلة تحذيرية؛ فقد دمرت الحروب الدينية الأوروبية في القرنين؛ السادس عشر، والسابع عشر مناطق بأكملها؛ حيث تداخلت فيها الصراعات السياسية مع النزاعات اللاهوتية. وبمجرد أن تداخلت الهوية الدينية مع الحرب، انتشر العنف عبر الممالك والإمبراطوريات.

لكن العالم اليوم أكثر ترابطا في ظل العولمة؛ فالجاليات المهاجرة، والإعلام الرقمي، والشبكات العابرة للحدود الوطنية تسمح لسرديات الصراع بأن تنتشر فورا عبر القارات. ويمكن لحرب ينظر إليها على أنها تستهدف الإسلام أن تشعل التوترات في مجتمعات تبعد آلاف الأميال عن ساحة المعركة.

وبالمثل؛ فإن القومية الدينية في مناطق متعددة- سواء كانت مسيحية أو يهودية أو هندوسية أو بوذية أو إسلامية- قد ازدادت قوة في السنوات الأخيرة. ويمكن لصراع ذي إطار ديني أن يعزز صراعات أخرى، ومن ثم تغذي سرديات الصراع الحضاري بعضها البعض.

إعلان

قد تكون العواقب وخيمة مع تزايد تفسير المواجهة بين الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران من منظور ديني، وقد تتصاعد التوترات المسيحية الإسلامية، المتوترة أصلا في كثير من السياقات، بشكل حاد.

ولن تعترف هذه الصراعات بالحدود الوطنية، بل ستنتشر داخل المجتمعات، وبين الطوائف، وعبر شبكات القواعد العقائدية العالمية.

ومن المفارقة أن هذا التصعيد يحدث في وقت يؤكد فيه القادة الدينيون كثيرا على التعاليم الداعية للسلام. وتحتفل المبادرات بين الأديان بالحوار والتعايش والقيم المشتركة. وتحتوي النصوص الدينية عبر الأعراف على أوامر قوية تدعو للرحمة والعدالة والمصالحة.

ومع ذلك، تبقى هذه المثل هشة عندما تواجه الواقع السياسي.

وإذا لم تستطع المؤسسات الدينية التصدي للخطابات التي تضفي الشرعية على العنف، فإنها تخاطر بأن تصبح متفرجة على حقبة جديدة من الصراع الديني. والأسوأ من ذلك، أنها قد تجر إليه.

الأديان والسلام

قد نكون إذا على أعتاب لحظة تاريخية بالغة الخطورة؛ حيث تستخدم اللغة الدينية مجددا لتبرير الحروب، وتصور الصراعات السياسية بشكل متزايد على أنها صراعات حضارية، وتبدو المؤسسات متعددة الأطراف، التي كانت تتوسط في النزاعات العالمية، في حالة ضعف. أما الجماعات الدينية، فرغم سلطتها الأخلاقية، لم تقدم بعدُ تحديا موحدا للسرديات التي تضفي طابعا مقدسا على العنف.

لا يعني هذا بالضرورة أن الدين يؤدي إلى الحرب. بل على العكس، تحتوي النصوص الدينية على بعض من أقوى التعاليم الأخلاقية الإنسانية حول السلام والعدالة والرحمة. وقد اضطلعت الجماعات الدينية بأدوار حيوية في عمليات المصالحة والعمل الإنساني والحركات الاجتماعية المطالبة بالعدالة.

لكن هذه الإمكانيات ليست تلقائية، بل تعتمد على خيارات واعية من قبل القادة الدينيين والمؤسسات الدينية والأتباع، وإذا سمح الفاعلون الدينيون بتوظيف أعرافهم لدعم العنف السياسي، فسيصبح الدين جزءا من المشكلة لا من الحل.

والسؤال الذي يواجهنا اليوم ملحٌ ومقلق في آن واحد: في لحظة توصف فيها الحروب بشكل متزايد بأنها صراعات مقدسة، وتفسر الصراعات الجيوسياسية من خلال السرديات الدينية، وتستمر الإسلاموفوبيا وغيرها من أشكال التعصب الديني في الانتشار؛ يجب أن نسأل أنفسنا: كيف يمكن للأديان أن تكون بالفعل قوى لأجل السلام؟ حتى نتجنب التقهقر إلى حروب القرون الوسطى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا