يشكو الكثير من الأشخاص انتفاخ البطن بعد تناول الطعام، وقد يربطونه تلقائيا بتراكم الغازات أو بنوع محدد من الغذاء، فيقررون حذف الحليب أو الخبز أو البقوليات من نظامهم الغذائي، لكن الانتفاخ لا ينتج دائما عن زيادة الغازات، كما أن الطعام الذي يسبب الأعراض لشخص قد لا يزعج شخصا آخر.
وقد يكون الانتفاخ عابرا بعد وجبة كبيرة أو تناول الطعام بسرعة، بينما يمكن أن يرتبط في حالات أخرى بالإمساك أو متلازمة القولون العصبي أو عدم تحمل بعض مكونات الغذاء. فكيف يحدد الطبيب السبب؟ ولماذا لا توجد حمية واحدة تناسب جميع من يعانون من هذه المشكلة؟
يشير مصطلح الانتفاخ عادة إلى إحساس ذاتي بالامتلاء أو الضغط داخل البطن، أما تمدد البطن فيعني زيادة يمكن ملاحظتها في محيطه. وقد يجتمع العرضان أو يظهر أحدهما دون الآخر، ولذلك قد يشعر المريض بانتفاخ شديد رغم عدم وجود زيادة كبيرة في كمية الغازات داخل الأمعاء.
وتوضح مراجعة خبراء صادرة عن الجمعية الأميركية لأمراض الجهاز الهضمي "إيه جي إيه" (AGA) أن الأسباب المحتملة تشمل اضطرابات التفاعل بين الأمعاء والدماغ، مثل متلازمة القولون العصبي وعسر الهضم الوظيفي، إلى جانب الإمساك وعدم تحمل بعض الكربوهيدرات واضطرابات إخراج الغازات ومحتويات الأمعاء.
قد يؤدي تناول الطعام بسرعة، أو التحدث أثناء الأكل، أو مضغ العلكة، أو تناول المشروبات الغازية إلى ابتلاع كميات كبيرة من الهواء، ما قد يزيد الشعور بالانتفاخ. ومع ذلك فإن حصر السبب في تراكم الغازات قد يؤخر اكتشاف عوامل أخرى، مثل بطء حركة القولون أو زيادة حساسية الجهاز الهضمي للتمدد.
قد يؤدي بطء حركة الأمعاء وتراكم البراز إلى الشعور بالامتلاء وصعوبة إخراج الغازات، لذا يُعد الإمساك من الأسباب التي يقيّمها الطبيب عند تكرر الانتفاخ، مع النظر في طبيعة التبرز وصعوبة الإخراج والشعور بعدم اكتماله.
أما لدى المصابين بمتلازمة القولون العصبي، فقد يرتبط الانتفاخ بزيادة حساسية الأمعاء للتمدد واضطراب حركتها، وليس بالضرورة بإنتاج كمية غير طبيعية من الغازات. وقد تتزامن الأعراض مع الإمساك أو الإسهال أو التناوب بينهما، إلى جانب ألم البطن المرتبط بالتبرز أو تغير عادات الإخراج.
وتشير مراجعة منشورة عام 2024 في دورية "نيوتريانتس" (Nutrients) إلى أن استجابة الجهاز الهضمي للطعام لدى مرضى القولون العصبي تتأثر بعوامل عدة، أبرزها حركة الأمعاء وتركيب الغذاء وتخمر الكربوهيدرات والتواصل بين الأمعاء والدماغ ما يفسر تفاوت واختلاف الأعراض من شخص لآخر.
يقول الدكتور مدحت محمد علي استشاري الأمراض الباطنية بالعيادات الملكية في قطر "إن انتفاخ البطن بعد الطعام يكون غالبا عرضا بسيطا إذا ظهر بدرجة خفيفة بعد وجبة كبيرة أو تناول الطعام بسرعة واختفى بعد وقت قصير. لكنه يحتاج إلى تقييم طبي عندما يتكرر أو يستمر، أو تصاحبه آلام وتغيرات في حركة الأمعاء".
وأوضح مدحت للجزيرة نت أن تحديد سبب الانتفاخ يبدأ بأخذ تاريخ مرضي دقيق، يتناول توقيت ظهور الأعراض وعلاقتها بالطعام، ونمط التبرز، ووجود الإمساك أو الإسهال، إلى جانب الأدوية المستخدمة وأي تغيرات في الشهية أو الوزن.
وأضاف أن بعض الأطعمة كالبقوليات والبصل والثوم وبعض منتجات القمح والمحليات والمشروبات الغازية قد تفاقم الأعراض لدى بعض الأشخاص، كما قد ترتبط بمنتجات الحليب لدى المصابين بعدم تحمل اللاكتوز، إلا أن ارتباط الأعراض بطعام معين لا يكفي وحده لتشخيص الحساسية أو عدم التحمل.
وأكد الدكتور مدحت أن اختلاف الأسباب والاستجابات يفسر عدم وجود حمية واحدة مناسبة للجميع، محذرا من استبعاد الحليب أو القمح أو البقوليات أو مجموعات غذائية كاملة بناء على التخمين، لأن ذلك قد يؤدي إلى نظام غير متوازن أو نقص بعض العناصر الغذائية دون علاج السبب الحقيقي.
ويمكن للمريض تسجيل الوجبات والأعراض وحركة الأمعاء فترة محددة، ثم عرضها على الطبيب أو اختصاصي التغذية، بينما تطبق الحميات المقيدة، مثل حمية "فودماب" المنخفضة، عند الحاجة، بصورة مؤقتة ومنظمة تتبعها إعادة إدخال الأطعمة لتحديد المحفزات الفردية.
وحذّر من الاعتماد على الوصفات المنزلية أو استخدام المسهلات عشوائيا دون استشارة، مؤكدا ضرورة مراجعة الطبيب عند استمرار الانتفاخ أو تفاقمه، أو ظهوره مصحوبا بفقدان غير مبرر للوزن أو دم في البراز أو قيء متكرر أو ألم شديد ومستمر، أو تغير ملحوظ في عادات الإخراج أو إمساك مزمن.
وأوضح أن هذه الأعراض لا تعني بالضرورة الإصابة بمرض خطير، لكنها تستدعي التقييم الطبي وإجراء الفحوص المناسبة، بدل اللجوء إلى الحميات أو الأدوية عشوائيا.
تحتوي بعض الأطعمة على كربوهيدرات قصيرة السلسلة ضعيفة الامتصاص وقابلة للتخمر تعرف باسم "فودماب" (FODMAPs)، وقد تسحب هذه المركبات الماء إلى الأمعاء وتتخمر بواسطة البكتيريا، مما قد يزيد الانتفاخ والألم لدى بعض مرضى القولون العصبي.
وتوجد هذه المركبات بنسب متفاوتة في البصل والثوم والبقوليات وبعض الفواكه ومنتجات القمح، إضافة إلى اللاكتوز في الحليب وبعض المحليات السكرية، لكن وجودها في الطعام لا يعني ضرورة تجنبه لدى الجميع، لأن الأعراض تتأثر بنوع المركب والكمية المتناولة وقدرة كل شخص على تحمله.
وأظهرت مراجعة نشرتها دورية "نيوتريانتس" (Nutrients) عام 2024 أن حمية فودماب المنخفضة يمكن أن تحسن الأعراض العامة لدى بعض مرضى القولون العصبي، غير أن تطبيقها يمر بثلاث مراحل: خفض مؤقت للأطعمة المرتفعة بهذه المركبات، ثم إعادة إدخالها تدريجيا، وأخيرا تصميم نظام شخصي يستبعد المحفزات الفعلية فقط.
كما توصل تحليل تلوي (يجمع ويدمج نتائج عدة دراسات) نشر عام 2024 في دورية "فود آند فانكشن"(Food & Function) إلى أن الحمية المنخفضة بالفودماب قد تحسن أعراض القولون العصبي، ومنها تمدد البطن.
لكن الحميات المقيدة قد تؤثر في جودة النظام الغذائي وتنوع بكتيريا الأمعاء، مما يعزز الحاجة إلى تطبيقها بإشراف متخصص، لا بوصفها نظاما دائما.
لا يحتاج كل شخص يعاني الانتفاخ إلى المنظار أو الأشعة أو سلسلة طويلة من التحاليل. وتوصي مراجعة الجمعية الأميركية لأمراض الجهاز الهضمي بأن تحدد الفحوص بناء على التاريخ المرضي والفحص السريري، مع إمكان إجراء اختبارات موجهة للداء البطني "السيلياك" أو سوء امتصاص بعض السكريات لدى حالات مختارة.
ولا يُنصح بإجراء التصوير أو المناظير بشكل روتيني لمجرد وجود الانتفاخ، إلا عند ظهور علامات إنذار، أو حدوث تغير جديد وغير معتاد في الأعراض، أو وجود نتائج غير طبيعية في الفحص السريري.
ومن ثم لا يعتمد التعامل الصحيح مع الانتفاخ على قائمة طويلة من الأطعمة الممنوعة، بل يبدأ بتحديد نمط الأعراض وعلاقتها بالغذاء والتبرز، ثم علاج السبب المحتمل واختيار التعديلات الغذائية المناسبة لكل حالة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة