آخر الأخبار

حين يصبح الدولار الأمريكي مقياس خوف الإيرانيين

شارك

طهران– لم يعد سعر الدولار في إيران مجرد رقم يتغير على شاشات الصرافة أو قنوات الأسعار، بل تحول إلى مؤشر يومي لقياس الخوف في الأسواق، ومرآة لحجم القلق من المستقبل الاقتصادي والسياسي للبلاد.

ومع عودة الدولار إلى تسجيل مستويات قياسية في السوق الحرة، تراجع الريال الإيراني ليدخل واحدة من أكثر مراحله هشاشة، وسط اتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق، وتصاعد المخاوف من انتقال موجة الصرف الجديدة إلى الغذاء والسكن والسلع الأساسية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 النفط فوق 110 دولارات والذهب يتجه لهبوط أسبوعي
* list 2 of 2 الدولار يتجه لأسوأ أداء شهري منذ يونيو end of list

وبحسب المواقع الإيرانية، هبط الريال الإيراني يوم الأربعاء 29 أبريل/نيسان إلى مستوى قياسي بلغ 1.81 مليون ريال للدولار، أي نحو 181 ألف تومان، في حين تراوحت أسعار مواقع تتبع العملات بين 1.76 و1.81 مليون ريال للدولار.

كما قالت المصادر إن العملة الإيرانية فقدت نحو 15% من قيمتها خلال يومين، وسط طلب متراكم على العملات الأجنبية بعد أسابيع من الحرب والقيود على حركة السوق.

وتظهر بيانات مواقع تتبع السوق استمرار التذبذب الحاد في سوق الصرف بإيران، فقد سجل موقع "شبكة اطلاع رساني طلا و أرز" اليوم الأحد سعر الدولار عند 1864100 ريال، أي نحو 186410 تومان، مقابل 1824100 ريال في اليوم السابق، بزيادة بلغت 40 ألف ريال.

أما موقع "الآن چند" فأظهر سعر حوالة الدولار عند 189500 تومان للبيع، مع نطاق خلال 24 ساعة بين 177400 و191300 تومان.

ولا ينفصل هذا الاضطراب عن موجة تضخمية أوسع. فقد أعلن مركز الإحصاء الإيراني أن التضخم الشهري في شهر فروردين 1405 (21 مارس/آذار إلى 20 أبريل/نيسان) بلغ 5%، وأن التضخم الشهري وصل إلى 73.5%، بينما بلغ معدل التضخم السنوي 53.7%، مع ارتفاع أكبر في كلفة الغذاء والمشروبات والتبغ.

مصدر الصورة بعض المحال التجارية أغلقت أبوابها عقب قفزة الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوى أمام الريال الإيراني (الجزيرة)

ماذا يقول الخبراء؟

يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة الشهيد جمران الإيرانية مرتضى أفقه أن تراجع الريال الحالي يرتبط بتراكمات بدأت منذ تشديد العقوبات عام 2018، ثم تسارعت بفعل الحرب والمخاوف من تراجع قدرة إيران على التجارة الخارجية والتصدير.

إعلان

ويشرح أن الدولار، كأي سلعة، يخضع للعرض والطلب، وأن العقوبات قلّصت عرض العملة الصعبة، بينما دفع التضخم الناس إلى زيادة الطلب على العملة الأمريكية، مما خلق حلقة متبادلة بين ارتفاع الدولار وارتفاع الأسعار.

ويشير أفقه في حديثه للجزيرة نت إلى أن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الحرة يعود إلى توقعات سلبية تجاه المستقبل، خصوصا بعد الأضرار التي طالت قطاعات مثل البتروكيماويات والفولاذ، وهي قطاعات وفّرت خلال العقد الماضي جزءا مهما من إيرادات إيران غير النفطية.

ويضيف مرتضى أفقه أن ارتفاع سعر صرف الدولار ينعكس مباشرة على معيشة الإيرانيين بسبب اعتماد الإنتاج والاستهلاك على الواردات، مما يرفع أسعار الغذاء والسلع ويضعف القدرة الشرائية.

أما إقبال الناس على الدولار والذهب، فيفسره بكونهما أكثر سيولة من العقار والسيارات والسلع الأخرى، وأسهل تحويلا إلى نقد عند الحاجة.

مصدر الصورة محطة ميدان صنعت لقطار الأنفاق شمال طهران (الجزيرة)

بينما يرى دكتور الاقتصاد آيزاك سعيديان أن تراجع الريال الإيراني جاء نتيجة تداخل 3 عوامل رئيسية: نمو السيولة، ضعف الإنتاج، والعجز المزمن في الميزانية.

ويعتبر أن العجز المالي تحوّل إلى أزمة بنيوية تدفع الدولة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تمويل نفقاتها عبر خلق النقود، مما يزيد التضخم ويضغط على قيمة العملة الوطنية.

كما يشير سعيديان إلى أن الموازنة، حين تُبنى على موارد غير قابلة للتحقق، تصبح جزءا من المشكلة لا أداة للحل.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن التوترات السياسية والحرب زادت حالة عدم اليقين ورفعت الطلب المضاربي على الدولار، في حين عمّقت القيود على الإنترنت أزمة النشاط الاقتصادي، خصوصا لدى الأعمال الرقمية والصغيرة.

ويرى سعيديان أن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الحرة يعكس فقدان الثقة بالسياسات النقدية والمالية، وأن أثر انهيار الريال يظهر مباشرة في أسعار الغذاء، والإيجارات، والسلع المستوردة، وتراجع القدرة الشرائية للأسر.

بينما يقول دكتور الاقتصاد بيمان مولوي إن سقوط الريال لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو حصيلة تفاعل بين جذور داخلية ومسرّعات خارجية. فالعوامل الداخلية، مثل التضخم المزمن، ونمو السيولة، والعجز الهيكلي في الميزانية، تمثل الجذر العميق للأزمة، في حين تؤدي العقوبات والمخاطر السياسية وانعدام اليقين الجيوسياسي دور المسرّع الذي يدفع الناس والشركات إلى البحث عن الدولار باعتباره ملاذا لحفظ القيمة.

ويعتبر مولوي في حديثه للجزيرة نت أن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الحرة يكشف خللا عميقا في السياسة النقدية، ويؤكد أن السعر الرسمي لم يعد معبرا عن الواقع الاقتصادي.

ويرى أن انخفاض قيمة الريال أدى إلى تضخم مستورد انعكس على الغذاء، والسكن، والسلع الأجنبية، ودفع الأسر إلى تقليص استهلاكها، ويصف هذه الحالة بـ"الباكستانية"، أي الفقر العام والمتزايد، حيث يحاول الناس شراء الدولار لصنع درع يحمي مدخراتهم من التضخم.

مصدر الصورة أسعار القماش والستائر في إيران سجلت ارتفاعا كبيرا خلال اليومين الماضيين (الجزيرة)

سوق فردوسي.. الدولار يربك يوميات الإيرانيين

يقول محمود، 43 عاما، وهو عامل صرافة بالقرب من مركز "التجارة العالمية" في ساحة فردوسي وسط طهران، إن السوق يشهد منذ يوم الأربعاء موجات ارتفاع حادة وغير مسبوقة، إذ سجل سعر الدولار الأمريكي "سقفا تاريخيا جديدا"، في حين قفزت أسعار الذهب والمسكوكات "بشكل هيستيري"، وفق وصفه قبل أن تتراجع قليلا بحلول عصر اليوم نفسه، عقب تحركات أمنية ضد سماسرة السوق الحرة.

إعلان

ويوضح محمود، للجزيرة نت، أن سوق الصرف لا يزال محكوما بـ"منطق الأعصاب والحرب النفسية"، لا بمنطق العرض والطلب الفعلي.

ويرى أن المتغير الأهم الذي يتحكم بنبض السوق حاليا هو مسار "المفاوضات بين طهران وواشنطن"، معتبرا أن رد فعل الأسعار بعد كسر مستويات قياسية جديدة سيكون "اختبارا حقيقيا" للأسبوع المقبل، خصوصا مع دخول البلاد عطلة نهاية الأسبوع يومي الخميس والجمعة.

ولم تقتصر التقلبات على سوق العملات الصعبة والذهب والمجوهرات، بل امتدت، بحسب متعاملين، إلى أسواق أخرى، ولا سيما السيارات والأقمشة ومستحضرات التجميل والسلع الكهربائية.

وتقول ثريا، 62 عاما، وهي صاحبة محل للأقمشة، إن أسعار الستائر ارتفعت 3 أضعاف خلال يومين فقط.

وتتهم الجهات المعنية في بلادها بـ"السكوت عن عمليات التخريب المكشوف"، معتبرة أن انهيار العملة الوطنية يمثل شكلا من أشكال الحرب النفسية الهادفة إلى ضرب التماسك الاجتماعي.

وفي حديثها للجزيرة نت، توضح ثريا أنها اشترت كميات كبيرة من القماش والستائر قبل القفزة الأخيرة في سعر الدولار الأمريكي، لكنها رغم ذلك تشعر بالحزن، لأن ارتفاع الأسعار سيبعد الزبائن عن السوق.

وتطالب الحكومة والسلطة القضائية بالتدخل الفوري لحل هذه المعضلة، التي ترى أنها تهدد بتفجير الأوضاع الداخلية.

مصدر الصورة التضخم الشهري في إيران وصل إلى 73.5% (الجزيرة)

أما ليان، 22 عاما، وهي طالبة اقتصاد في جامعة العلامة طباطبائي، فترى أن انهيار الريال الإيراني مؤشر على موجة غلاء جامحة لم تصل آثارها الكاملة بعد إلى السلع الأساسية ورفوف البقالة.

وتستند في ذلك إلى ما تصفه بمعدل تضخم سنوي حقيقي أعلى من البيانات الرسمية، وإلى التضخم الشهري، مؤكدة أن تقلبات العملة الصعبة تنذر بتسارع جديد في تكاليف المعيشة.

وفي تصريح للجزيرة نت، لدى خروجها من محطة "تئاتر شهر" في شارع وليعصر وسط طهران، تقول ليان إن الموجة الجديدة من الغلاء في أسعار السيارات والإيجارات والذهب والعملات الصعبة ليست ظاهرة عابرة، بل مؤشر على تحول الحرب إلى معركة استنزاف تستهدف حشد الشارع ضد النظام الحاكم، لأن "المواطن الجائع قد يفعل أي شيء"، على حد تعبيرها.

وتضيف أن التقارير عن انهيار العملة الوطنية ستبعث، في رأيها، رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن الحصار البحري بدأ يؤتي ثماره.

وفي مشهد يعكس عمق الأزمة المعيشية في إيران، يعتبر عباس، 29 عاما، وهو عاطل عن العمل منذ 45 يوما، أن سعر الدولار "يجرد الإنسان من النوم"، وأن البطالة المتزايدة تثير قلقا حقيقيا على الأمن في المستقبل.

ويضيف عباس، في حديثه للجزيرة نت، أن نظام الرقابة الإيراني وضع ثقله حاليا على منع الاحتكار وضمان وجود السلع في الأسواق، بينما أصبحت مراقبة الأسعار "أمرا ثانويا".

ويرى أن السلطات تتعامل وكأن "المهم أن يكون الكيلو موجودا، مهما كان سعره".

ويحذر عباس من أن تراجع العملة الوطنية سيجعل المواطن أسيرا لتوفر السلع بأسعار خيالية، وهو وضع، إذا عجزت الحكومة عن السيطرة عليه، قد ينذر بموجات جديدة من الاحتقان الاجتماعي.

مصدر الصورة وفرة السلع الأساسية على رفوف البقالة في طهران (الجزيرة)

حين تنتقل الصدمة من السوق إلى الشارع

بين قراءة الخبراء ومشاهد السوق، يبدو تراجع الريال الإيراني أكبر من أزمة سعر صرف عابرة. فالدولار في إيران أصبح أداة لقياس الثقة، وحين يتسارع صعوده لا تبقى آثاره في مكاتب الصرافة، بل تمتد إلى رفوف المتاجر، وعقود الإيجار، وأسعار السيارات، وقرارات الأسر اليومية.

وتكشف الأزمة أن السوق لا يتحرك فقط وفق معادلة العرض والطلب، بل وفق توقعات الناس أيضا: توقعات بشأن الحرب والعقوبات، ومستقبل الصادرات، وقدرة الدولة على توفير العملة الصعبة، ومدى صدقية السياسات النقدية.

إعلان

وفي ظل هذه المعادلة، يصبح شراء الدولار أو الذهب، كما يراه كثير من الإيرانيين، محاولة دفاع فردية في مواجهة تضخم لا يهدأ.

غير أن استمرار هذه الدائرة يحمل كلفة اجتماعية أعمق، فكل قفزة في سعر الدولار تعني تآكلا جديدا في قيمة الأجور والمدخرات، ومزيدا من الضغط على الطبقات المتوسطة والفقيرة.

ولذلك، لا يبدو اختبار الأسبوع المقبل محصورا في اتجاه سعر الصرف، بل في قدرة السلطات على منع انتقال صدمة الدولار من السوق إلى الشارع.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار