لم يعد تآكل صورة بنيامين نتنياهو محصورًا في ساحات الجامعات الأمريكية أو داخل الحزب الديمقراطي. فالمؤشرات التي ترصدها صحف ومراكز بحث إسرائيلية تكشف أن شرخًا جديدًا يتسع داخل واحدة من أكثر البيئات التي استثمر فيها نتنياهو لعقود، وهي القاعدة المسيحية، وخصوصًا الإنجيلية، التي شكلت رافعة سياسية ودينية لإسرائيل في الولايات المتحدة.
فقد كتبت نوعا لاندو، نائبة رئيس تحرير هآرتس وعضو هيئة تحريرها، أن نتنياهو نجح “بمساعدة شبكة منظمة من المنظمات والمانحين والمستشارين” في صناعة “تحالف مصطنع بين اليمين المسيحي واليمين اليهودي”.
وتكمن أهمية الكاتبة في أنها لا تكتب من الهامش، بل من موقع تحريري مركزي في صحيفة إسرائيلية ليبرالية تتابع السياسة الخارجية وصورة إسرائيل في الغرب.
وتشير الكاتبة إلى العلاقة التي تحولت من تحالف قيمي إلى صفقة سياسية انتفع منها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، خصوصًا في دعم الاستيطان ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، مضيفة أن “الفلسطينيين كانوا الضحايا الرئيسيين لهذه السياسة الدينية”، مع مفارقة أن بينهم مسيحيين فلسطينيين.
وتصف الكاتبة ما يجري بأنه "انهيار لهذا التحالف المتطرف"، موضحة أن اليمين المسيحي في الولايات المتحدة بدأ “يشكك فيه بصوت أعلى”، بينما تطلق الفصائل الدينية القومية في إسرائيل غضبها “ضد المسيحية والمسيحيين”، مما يكشف التناقض بين خطاب إسرائيل أمام المسيحيين في الخارج وسلوك التيارات المتطرفة تجاه المسيحيين في الداخل.
وفي صحيفة يديعوت أحرنوت، يقدم الصحفي عوديد شالوم الوجه الميداني لهذه الأزمة من الحي الأرمني في القدس، حيث ينقل شهادة جيرو ساندوني، صاحب متجر خزف أرمني، الذي يقول: “إن البصق على رجال الدين المسيحيين، وعلى الرموز المسيحية، وعلى الدير الأرمني واللعن لا يتوقفان".
وينقل شالوم عن هاغوب غرانازيان، من أبناء المجتمع الأرمني الفلسطيني، قوله إن بعض المسيحيين “يفكرون مرتين قبل ارتداء رمز مسيحي بارز، كقلادة مثلا”، خشية التعرض للإهانة، ويضيف بعد تمزيق علم كنسي في عيد الفصح: “تخيل ردة الفعل لو حدث شيء كهذا لرمز يهودي! يا له من ضجيج سيُثار!”.
وما تنقله يديعوت أحرونوت في تقرير شالوم يكشف أثر الاعتداءات على السلوك اليومي، لا على رجال الدين وحدهم، فحين يخاف الإنسان من إظهار رمزه الديني في مدينة يفترض أنها مركز للديانات الثلاث، تصبح حرية العبادة شعارًا كاذبا لا يمت بالواقع المرير الذي يعيشه المسيحيون في القدس ناهيك عن المسلمين.
ويمنح مركز روسينغ للتعليم والحوار هذه الشهادات سندًا رقميًا، فبحسب تقريره السنوي عن الاعتداءات على المسيحيين في إسرائيل والقدس الشرقية عام 2025، سُجلت 155 حادثة، بينها 61 اعتداء جسديا، و52 اعتداء على ممتلكات كنسية، و28 حالة مضايقة، و14 حادثة تشويه أو تخريب للافتات مسيحية.
لذلك تصبح الحوادث -بحسب شالوم- مثل تحطيم جندي إسرائيلي تمثالا للمسيح في جنوب لبنان أو الاعتداء على راهبة في القدس، جزءًا من سياق أوسع لا مجرد “تصرف فردي”.
وتتجاوز الأزمة حدود القدس إلى القاعدة المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة، ففي تحليل نشره معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي ، أحد أبرز مراكز التفكير الأمني في تل أبيب بعنوان “أزمة حادة في مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة”، أعدّه البروفيسور تيد ساسون، الباحث في شؤون يهود الولايات المتحدة والشتات ومؤلف كتاب " الصهيونية الأمريكية الجديدة"، حذر ساسون من أن تدهور صورة إسرائيل لم يعد مقتصرًا على الديمقراطيين أو التيارات الليبرالية، ولكن بات يظهر أيضًا وسط جماعات كانت تعتبر كتلة مضمونة لإسرائيل، منها الجمهوريون والإنجيليون الشباب.
كما اعتبر التقرير أن المعطيات المتراكمة تشير إلى أن الأجيال الأمريكية الشابة لا تنظر إلى إسرائيل بإيجابية واضحة.
وتزيد الصورة وضوحا في أحدث مؤشرات مركز بيو للأبحاث المنشورة الشهر الماضي حيث كشفت أن 60% من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، و59% لا يثقون بنتنياهو في الشؤون الدولية.
وحتى بين البروتستانت الإنجيليين البيض، الذين ما زالوا الأكثر إيجابية تجاه إسرائيل، تبلغ الثقة بنتنياهو 52% فقط.
وهنا تتحول المشكلة من تراجع صورة إسرائيل إلى تراجع صورة نتنياهو شخصيا، فالرجل الذي بنى علاقته باليمين المسيحي بوصفه “حامي إسرائيل التوراتية” بات يواجه جمهورًا مسيحيًا يرى صور غزة، ويسمع عن الاعتداءات على الكنائس، ويتابع إذلال المسيحيين في القدس والضفة.
وتكشف مقالات هآرتس ويديعوت أحرونوت، مدعومة بأرقام مركز روسينغ ومعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي ومركز بيو الأمريكي، أن نتنياهو لا يخسر المسيحيين دفعة واحدة، لكنه يخسر احتكار الحديث باسمهم.
فقد بُني التحالف الإنجيلي–الإسرائيلي على رواية دينية وسياسية منحت اليمين الإسرائيلي دعمًا واسعًا، غير أن الحرب، وصعود التيار الديني القومي، وتزايد الاعتداءات على المسيحيين، وتراجع الثقة الأمريكية بنتنياهو، حولت هذا التحالف من رصيد إستراتيجي إلى عبء آخذ في الانكشاف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة