آخر الأخبار

الكتب في مرمى السلطة.. حكاية الرقابة من الحرق إلى الاغتيال

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يروى أن الإمام بن حزم الأندلسي وقف شاهدا على واحدة من أشهر وقائع إحراق الكتب في التاريخ العربي، حين أُحرقت مؤلفاته علنا في إشبيلية نحو عام 422هـ، فأنشد أبياته الشهيرة التي تؤكد أن العلم لا يُختزل في الورق، بل يسكن العقول والصدور.

"فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي
وينزل حيث أنزل ويدفن في قبري
دعوني من إحراق رقٍ وكاغدٍ
وقولوا بعلم كي يرى الناس بدري".

تحوّل هذا المشهد إلى رمز مكثف لصراع طويل بين السلطة، سياسية كانت أو دينية، وبين الكلمة المكتوبة، حيث لم يكن إحراق الكتب سوى أداة من أدوات كثيرة استُخدمت لإسكات الفكر.

بدايات الرقابة

مع تشكل الدولة الإسلامية، بدأت ملامح الرقابة في الظهور في سياق مواجهة بين السلطة والمعارضة الفكرية. في البداية، ارتبطت بتحفظات دينية على التدوين، إذ تباينت المواقف بين النهي والإباحة، قبل أن يستقر الأمر لاحقا على جواز الكتابة.
غير أن هذه التحفظات سرعان ما تحولت إلى أداة سياسية مغلفة بذرائع دينية ومذهبية، استُخدمت للسيطرة على المجال الفكري.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 إعادة ترجمة كلاسيكيات الأدب.. بين منطق اللغة وحسابات السوق
* list 2 of 2 الأدب في زمن الرقمنة.. من سلطة الورق إلى فوضى الشاشة end of list

ويشير الكاتب ناصر الحزيمي في كتابه "حرق الكتب في التراث العربي" إلى أن الأسباب الشرعية كانت من أبرز مبررات إتلاف الكتب، بدءا من توحيد المصحف وإحراق ما سواه، وصولا إلى التوسع في إتلاف كتب أخرى في مجالات متعددة بدعم من بعض الفتاوى.

كما لم تغب الدوافع السياسية، إذ يورد الحزيمي حادثة إحراق كتاب عن فضائل الأنصار في المدينة سنة 82 للهجرة، خشية تأثيره على الرأي العام، في مثال مبكر على توظيف الرقابة لخدمة السلطة.

مصدر الصورة غلاف كتاب حرق الكتب في التراث العربي للكاتب ناصر الحزيمي (الجزيرة)

محارق الكتب

تعددت حوادث إحراق الكتب في التاريخ العربي الإسلامي، وامتدت عبر قرون طويلة، ولم تقتصر على فترات الضعف.

ففي العصر العباسي، لاحق الخليفة المهدي أتباع المقنّع الخراساني، وأمر بإحراق كتبهم، كما أنشأ ديوانا لملاحقة من اتهموا بالزندقة وقمع أفكارهم.

إعلان

وفي الأندلس، أمر القاضي محمد بن زرب في القرن الرابع الهجري بإحراق كتب أتباع بن مسرّة، بعد اتهامهم بالزندقة، في مشهد يعكس تداخل السلطة الدينية والقضائية في فرض الرقابة.

وتكشف هذه الوقائع أن الرقابة لم تستهدف الكتب فقط، بل امتدت أحيانا إلى أصحابها، ضمن صراع فكري وسياسي معقد.

الاستعمار والكتاب

مع دخول العالم العربي تحت السيطرة الاستعمارية، تحولت الرقابة إلى أداة مباشرة لقمع الحركات الوطنية.

ففي تونس، صادرت السلطات الفرنسية كتاب "تونس الشهيدة" لعبد العزيز الثعالبي عام 1920، بسبب تأثيره الواسع ودعوته إلى الاستقلال، حتى أصبح لاحقا من المرجعيات المؤسسة للحركة الوطنية.

ولم يقتصر الأمر على هذا الكتاب، بل شمل رقابة على الشعر الوطني، بما في ذلك أعمال أبي القاسم الشابي، في محاولة للحد من تأثير الخطاب الثقافي المقاوم.

وفي مصر، فرضت السلطات البريطانية رقابة صارمة على الصحف والكتب خلال الحرب العالمية الأولى، في ظل الأحكام العرفية، قبل أن تتحول حرية النشر إلى مطلب سياسي بارز ضمن مطالب الحركة الوطنية.

مصدر الصورة غلاف كتاب تونس الشهيدة لعبد العزيز الثعالبي (الجزيرة)

معارك فكرية

لم تكن الرقابة حكرا على السلطة السياسية، إذ لعبت المؤسسات الدينية دورا بارزا في محاصرة بعض الأفكار. ففي عام 1925، أثار كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق جدلا واسعا، بعد أن شكك في فكرة الخلافة، ما أدى إلى محاكمته واتهامه بالخروج عن الدين.

وبعدها بعام، واجه طه حسين حملة مماثلة بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي"، الذي تبنى منهجا نقديا في قراءة التراث، فتعرض للهجوم والمنع.

وتعكس هذه القضايا صراعا عميقا حول حدود الاجتهاد ودور العقل في تفسير النصوص.

رقابة حديثة

مع تطور الدولة الحديثة، تغيرت أدوات الرقابة، فلم تعد تقتصر على إحراق الكتب، بل شملت المنع والمصادرة والسجن، إضافة إلى الرقابة الإدارية على النشر. وغالبا ما ارتبطت شدتها بالظروف السياسية، إذ قد تشهد بعض الفترات انفتاحا نسبيا، قبل أن تعود القيود مع تغير موازين القوى.

ويرى باحثون أن الرقابة في العالم العربي ترتبط أيضا بعوامل سياسية واقتصادية، إذ قد تُمنع كتب في دولة وتُتاح في أخرى، وفق طبيعة العلاقات بين الأنظمة. كما أن بعض الإصلاحات القانونية لم تُنه الرقابة فعليا، بل أعادت تشكيلها بأدوات مختلفة.

نهاية مأساوية

في أقسى صور الرقابة، لم يعد الاستهداف موجها إلى الكتب فقط، بل إلى أصحابها. ففي 8 يونيو/حزيران 1992، اغتيل المفكر المصري فرج فودة بعد اتهامه بالردة بسبب آرائه الداعية إلى الدولة المدنية.

وكشفت تفاصيل المحاكمة مفارقة صادمة، حين أقر أحد المشاركين في الاغتيال بأنه لم يقرأ شيئا من كتب فودة، ما يعكس كيف يمكن أن يتحول الجهل إلى أداة للعنف، وأن تصبح الكلمة سببا للموت.

معركة مستمرة

على امتداد التاريخ، تغيرت أشكال الرقابة، من إحراق الكتب إلى المنع والملاحقة، لكن جوهرها ظل واحدا: السيطرة على الكلمة وتوجيهها.

وبين سلطة تخشى تأثير الفكر، ومثقفين يسعون إلى توسيع هامش الحرية، تستمر هذه المعركة حتى اليوم، في ظل واقع معقد تتداخل فيه السياسة بالدين، وتبقى فيه الكلمة الحرة في مواجهة دائمة مع القيود.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار