القاهرة- تتهيأ مكتبة الأزهر الجديدة شرقي العاصمة المصرية القاهرة للكشف عن كنوزها المعرفية، متوشحة بتصميم معماري إسلامي يعكس عراقة محتواها الممتد لقرون، غير أن هذا الانتقال لا يقتصر على تغيير المكان، إذ يتزامن مع تحول هيكلي غير مسبوق في مسار واحدة من أعرق خزائن المعرفة في العالم الإسلامي، بعد أن أصبحت بموجب قانون جديد "شخصا اعتباريا عاما" يتبع رئيس الجمهورية.
ويمثل هذا التحول امتدادا لمسار تاريخي بدأ منذ العصر الفاطمي داخل أروقة الجامع الأزهر، حيث تشكلت نواة "الكتبخانة الأزهرية"، قبل أن تتراكم عبر القرون مخطوطات وذخائر علمية شكلت جزءا أصيلا من الذاكرة الدينية والفكرية لمصر والعالم الإسلامي.
حصلت الجزيرة نت على المادة العلمية للفيلم التسجيلي الخاص بافتتاح مكتبة الأزهر، الذي يتضمن وصفا شاملا للمكتبة، من حيث تصميم المبنى وأقسامه، وعدد المخطوطات والمجلدات التاريخية، إضافة إلى نبذة عن تاريخ المكتبة والدور الجديد المنوط بها، إلى جانب عرض لمقتنياتها التراثية وعددها.
فوفقا لقانون هيكل المكتبة يتشكل الهيكل الإداري للمكتبة من مجلس الأمناء يرأسه رئيس الجمهورية، ونائبه شيخ الأزهر، ويضم ما بين 15و30 عضوا من كبار الشخصيات لمدة 4 سنوات، كما يضم الهيكل أيضا مجلس الإدارة الذي يرأسه شيخ الأزهر، ويضم ما بين 15 و21 عضوا، بينهم 10 علماء على الأقل من الأزهر الشريف لمدة 4 سنوات.
أما الكيانات العلمية، فتضم المكتبة مراكز متخصصة لتوثيق التراث، تحقيق المخطوطات، الترميم، دراسات الخطوط، ومتحفا للمخطوطات، بالإضافة إلى مجلة علمية محكمة.
بدأت فكرة المكتبة وقت الدولة الفاطمية بمصر (517 هـ – 1123 م) وانتشرت عبر 6 مواقع داخل الجامع الأزهر: المدرسة الأقبغاوية، المدرسة الطيبراسية، الرواق العباسي، رواق الشوام، رواق الأتراك، ورواق المغاربة ثم تطورت إلى:
وتضم المكتبة مقتنيات نادرة وهي عبارة عن 500 ألف كتاب، وحوالي 50 ألف مخطوط، منها 4 آلاف مخطوط نادر يصل عمرها إلى ألف عام، و970 مصحفا مخطوطا من عصور مختلفة، أبرزها المصحف السفيني بالخط الكوفي من (القرن الرابع الهجري)، فضلا عن 142 خريطة نادرة.
وبينما يطرح القانون الجديد في إطار تنظيمي يهدف إلى تعزيز الحوكمة ومنح المكتبة شخصية اعتبارية مستقلة، تبرز تساؤلات أوسع حول ما الذي ستضيفه هذه النقلة إلى مكانة المكتبة ودورها العلمي.
وفي هذا السياق، يقول أستاذ الفقه المقارن وعميد كلية الشريعة والقانون الأسبق بجامعة الأزهر، عبد الحليم منصور، للجزيرة نت، إن "مكتبة الأزهر ركيزة من ركائز الهوية العلمية الإسلامية، وتبعيتها لرئاسة الجمهورية قد تمنحها قوة دعم مؤسسي، لكن جوهر نجاحها يظل مرهونا بصيانة استقلالها العلمي الأزهري".
وشدد منصور، الذي يشغل حاليا منصب عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالجامعة القاسمية في الشارقة، على أن رقمنة المكتبة ضرورة إستراتيجية، وأن تفعيل دورها البحثي كفيل بأن يجعلها مركزا عالميا لدراسة التراث، وحدد 3 أبعاد رئيسة لنهضة المكتبة:
من جهته، اعتبر أستاذ علم المكتبات والمعلومات بجامعة الأزهر، السعيد داود، أن مشروع القانون يمثل نقلة نوعية وامتدادا طبيعيا لتطور المكتبة عبر القرون، موضحا لـ "الجزيرة نت" أن التبعية الجديدة ستوفر دعما ماليا وتقنيا أكبر، وتسرع مشروعات الترميم والرقمنة، مما يعزز مكانتها المؤسسية وطنيا ودوليا ككنز معرفي يضم مخطوطات قيّمة في العلوم الإسلامية والعربية.
ومن جهته، وصف الدكتور أحمد عبد الفتاح أبو هشيمة، عضو اتحاد المؤرخين العرب، القانون بأنه "خطوة تاريخية" تعكس إدراكا رسميا للقيمة الحضارية للمكتبة، موضحا أن الإدارة ستشهد تغييرا في آلياتها عبر مجلس إدارة يُشكل بقرار رئاسي، مع استحداث إدارات متخصصة للمخطوطات والخدمات الرقمية.
ويرى أبو هشيمة في تصريحات لـ "الجزيرة نت"، أن التشريع يمنح المكتبة أدوات قانونية أكثر فاعلية لحماية المقتنيات من التلف أو السرقة، يوفر أطر حماية تتناسب مع قيمتها العالمية.
ومع هذا القانون الجديد تقف مكتبة الأزهر اليوم عند مفترق طرق بين "حماية التراث" و"تحديث الإدارة"، فبينما يوفر القانون الجديد دعما سياديا وإمكانات للحوكمة الرقمية، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل الكنوز المخطوطة إلى معارف متاحة عالميا، لتستعيد المكتبة دورها التاريخي كمركز إشعاع معرفي، وكجسر يربط بين تاريخ الأمة الإسلامية ومستقبلها المعرفي، ويواكب متطلبات العصر الرقمي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة