في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كتب عمار باطويل رواية "عقرون 94" في بداية الحرب الأخيرة التي شهدها اليمن، وكان لصوت المدافع وأزيز الرصاص وأنين الإنسان أثر غائر في وجدانه.
ولد الروائي اليمني عمار ونشأ في مدينة حضرموت (جنوب شرقي اليمن) وعايش حرب صيف 1994 كواقع حي، ثم جاءت الحرب التي اندلعت عام 2015 لتجعله يستعيد تلك المأساة القديمة بوعي متجدد. صدرت الرواية عام 2017 عن "دار الثقافة للنشر والتوزيع"، لتكون عمله الروائي الثاني بعد رواية "سالمين" التي صدرت عام 2015.
تُجسّد "عقرون 94" معاناة الفئات المهمشة في حضرموت والجنوب عموما، وتُبرز التحسن النسبي الذي طرأ على أوضاعها خلال فترة حكم الرئيس سالم ربيع علي (سالمين)، حيث مثلت الدولة آنذاك مصدر حماية وعدالة اجتماعية.
يظهر ذلك جليا على ألسنة شخصيات مثل "عائض" و"كاسترو" و"عقرون". إلا أن حرب صيف 1994 أعادت هواجس التهميش بقوة؛ إذ شعرت هذه الفئات بأن النظام المنتصر لن يعترف بمكانتها، وأنها مهددة بالعودة إلى واقع الإقصاء والتراتبية الطبقية.
ويعبر هذا الخوف عن وعي فئة لا تتوكأ على القبيلة، بل تراهن على الدولة بوصفها الضامن الوحيد للمساواة، وهي المساواة التي تراجعت بعد الحرب مع عودة البُنى التقليدية المتجذرة.
في حديثه لـ "الجزيرة نت"، يوضح عمار باطويل أن الوحدة لم تكن في ذاتها موضع الإشكال في الرواية، فهي في أصلها غاية وطنية نبيلة وحلم مشروع، غير أن من أفسدها هم أولئك الذين اتخذوها وسيلة لتحقيق مصالحهم الذاتية على حساب المواطنين، سواء في الشمال أو الجنوب.
كان ذلك فسادا سياسيا منهجيا، خلّف أثرا قاسيا في النسيج الاجتماعي، ويتجلى بوضوح في "مجتمع الوادي" الذي يشكل مسرح أحداث الرواية.
ينتمي بطل الرواية "عقرون" لطبقة "الصيبان"، وهي فئة تعمل في الزراعة بوادي دوعن بحضرموت. سماه والده بهذا الاسم نسبة لوادي عقرون، وعاش يتيم الأب تحت رعاية أمه التي كانت "راقصة شرح" معروفة.
ورث عنها المهنة بعد اجتياح قوات الجمهورية اليمنية للأراضي الجنوبية في صيف 1994. يشعر عقرون بالهزيمة في قرارة نفسه، ويخوض صراعا نفسيا مع مظاهر الفساد التي تلت الوحدة.
تبدأ الرواية بمدخل تشاؤمي مفعم بالقلق: "السماء ملبدة بالقلق. قلق يثير الرعب في القلوب". في زمن الحروب، من الطبيعي أن يرافق المجتمع شعور بالخوف كجزء من طبيعة الإنسان.
جعلت الرواية هذا الخوف مشهدا مسيطرا لتعكس واقع النفس البشرية. يمتعض عقرون من الصواريخ التي تقصف عدن، ويقصد بها صواريخ القبيلة، والجيش، و"المجاهدين" الذين يتوعدون الماركسيين هناك بالتنكيل والسحق.
في المقابل، يبرز "أيوب" كشاب مسالم ينتمي لطبقة مسحوقة، يسمع والده الكهل وهو يحنّ للرئيس "سالمين" الذي أسس لقوانين تعاقب العنصرية والتمايز الطبقي، قائلا له: "إن الرئيس سالمين هو الذي علمنا نحن الفلاحين معنى الحياة وكرامة الإنسان، ولولا سالمين لضعنا".
يحدثهم الكهل كيف آمن أبناء الجنوب بالوحدة ليكون مصيرهم "الذبح" في النهاية نتيجة الغدر: "الجنوب لم يهزم في الحرب إلا بالغدر والخيانة". وتصور الرواية توق مجتمع البسطاء لأي أخبار تبعث الأمل بعودة ذاك النظام.
تُعد شخصية "الكبش" المؤيد للوحدة في الرواية شهادة على انقسام المجتمع، وهو نتاج مأساوي للحروب التي تزرع الكراهية. يشتبك الكبش مع عقرون لفظيا وبدنيا في مشهد تراجيدي، حيث يتعاركان على إمامة المسجد لإلقاء خطب سياسية، وكل منهما ينتظر قيام دولته لينتقم من الآخر. يظهر الكبش كشخصية متأثرة بجماعة دينية متشددة لم تكن موجودة في الجنوب قبل الوحدة.
وتحلل الرواية بذور "ثورة الجنوب" التي بدأت عام 2007، عبر الإشارة لنشوب حركات مقاومة كانت تخمدها قوات النظام بالاغتيالات والاعتقالات وتغييب الضباط.
وتشير الرواية لحركة "موج" والمقالات الصحفية للمثقف "عيدروس" باسم مستعار، والمقاومة بالأغنية الشعبية في الأعراس، مثل كلمات الشاعر عسكر علي:
وهذا اللون من الأغاني التي تنتقد نظام علي عبد الله صالح حظي برواج كبير وما زال. وتشير الرواية بوضوح لتحالف حزبي "الإصلاح والمؤتمر" ضد الشعب الجنوبي، وكيف طغت شعاراتهما (الحصان والشمس) على مدينة المكلا وقرى الوادي، وهما حزبان تأسسا في الشمال مقابل الحزب الاشتراكي في الجنوب.
تبرز أيضاً شخصية "عيدروس"، المثقف الوحيد الذي ابتعثه سالمين لروسيا، ليكون المرجع الذي يجيب على تساؤلات عقرون. يتحدث عيدروس عن تحول مواطني الشمال في الجنوب إلى "مخبرين" لصالح نظام "الفندم الكبير" في صنعاء، واصفا إياهم بالرجال الذين يحملون "البقش" على ظهورهم بصفة بائعي سلع نسائية بينما هم يمشطون الوادي استخباراتيا.
يوضح باطويل لـ "الجزيرة نت" أن ظواهر السلاح والرشوة والإقصاء لم تكن شائعة في الجنوب، لكن ثقافة النظام المنتصر انتقلت إليه بعد الوحدة، ما أدى لانحراف المبادئ الجوهرية.
ترسم الرواية ملامح "تغيير هوية حضرموت" عبر أسواق القات والسلاح العشوائية، ومشهد الشرطة وهي تحقق علنا في قضية "مريومة" (الفتاة المنتمية لفئة "الحرافيش" القادمة من الشمال).
يظهر التمييز في اتهام كاسترو لجاره الكبش بالعمالة لقوات صنعاء، وفي مشهد العنصرية من خلال البيت الشعري: "قبيلتي غلابة.. كم من قبيلي كسرنا نابه". كما ترصد الرواية كلمة "حن" التي يلقيها العساكر في النقاط لطلب الرشوة، وكيف تحولت المكلا إلى "معسكر" بالدبابات الجاثمة على قمم جبالها.
وفي سياق الدراما الاجتماعية، تبرز قصة "مريومة"، الفتاة اللعوبة التي وقع أيوب في غرامها وتزوجها متحديا المجتمع، لينتهي به المطاف منبوذا يعيش وسط مجتمع "الحرافيش" المغلق.
وتصور الرواية التغييرات السكانية التي جعلت وجوه أبناء حضرموت تتراجع؛ فلا صاحب "جلب" يسوق أغنامه، ولا باعة خضار من سيئون وتريم، مما جعل الراوي يرى بلاده غريبة ويقول: "الجريمة أصبحت موثقة بالصوت والصورة والشهود ولكن أين المحكمة والقاضي".
تعطي الرواية رمزية للحياة الاجتماعية البسيطة؛ فبعد المغرب يتجه الناس لبيت الجار الوحيد الذي يملك (الدش) لمشاهدة الأخبار وتحليل احتمالات انتصار جيش الشمال أو الجنوب. وتصور الرواية طوابير السيارات على محطات البنزين، والكهرباء التي تعمل لساعات محدودة، مما جعل الحياة تضيق رغم اتساع المكان.
في زمن الحرب، تعطلت الحياة شبه كليا؛ يتسابق الناس على برادات الماء لتعبئة ثلاجاتهم الصغيرة هربا من حر الصيف، ويبحثون عن الدواء الشحيح فلا يجدونه. يظهر مشهد النزوح الجماعي من المكلا باتجاه وادي دوعن، حيث يرمم البعض بيوتهم القديمة أو يسكنون منازل المهاجرين المهجورة.
تطرقت الرواية لظاهرة اختفاء البنات في وادي دوعن، مثل ابنة "سرور الأعمى" تاجر الحمير، التي هربت مع أحد أبناء الشمال، مما دفع والد أيوب للتساؤل بمرارة: "ماذا يعمل هؤلاء الشماليون بالبنات؟ هل يسحرونهن أو يغرونهن بالمال؟".
كما عالجت الرواية "العنصرية اللفظية"؛ فبينما كان القانون قبل الوحدة يعاقب عليها، جاء القادمون من الشمال يفرزون الناس (صومالي، هندي، إندونيسي). ويبرز ذلك في مشهد ضابط الجوازات الذي طرد عقرون مشككا في يمنيته بسبب لون بشرته واسمه:
"أتذكر كلماته: (غقرون) أنت صومالي؟.. أول مرة أسمع بهذا الاسم.. أَشِتي الحقيقة قُل لي أنت من فين بالضبط؟"
رغم مناخ القلق والتشاؤم المنعكس من أجواء الحرب، إلا أن الرواية تفتح نافذة للتحول النفسي واللحظات الشاعرة. يهرب عقرون من ضيق الحياة إلى "الحيضان" ومزارع النخيل، متأملا السماء والطيور (الصفير، المكحل، حمام كالعول والسخاري)، مصغيا لصوت الناي كنوع من الاستشفاء الروحي.
تؤكد الرواية عبر فصولها الثلاثة عشر على قضية حب الأرض باعتبارها "الأم التي لا تغدر". وعندما يشتد اليأس، يزرع الأبطال الأرض ليتطهروا بها من الأزمنة المنكوبة: "الأرض تجود لمن ينحني لها، تمنحه حياة متجددة".
تبدأ الرواية بالقلق وتنتهي بالسعادة والوثوب نحو التفاؤل، متبنية فلسفة العودة للذات وللأرض للخروج من مشاعر انكسار الوطن. يتعافى عقرون من هاجس الغربة الذي طالما راوده، مختتما رحلته بيقين: "هنا الأرض، هنا الإنسان، وسوف يكون رزقي من أرضي، اعمل في بلادك وارضَ بالقليل، تأتك الصحة والعافية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة