لم يكن الكتّاب والشعراء الفلسطينيون شهودا صامتين على الحرب، بل كانوا في قلبها، يكتبون تحت القصف ومن بين الركام.
ومع اتساع رقعة الدمار والفقد، تحولت القصيدة والرواية واليوميات إلى أدوات توثيق حيّة، تسجّل ما جرى من زاوية الإنسان، لا من منظور الأرقام والتقارير الجافة.
في زمن تُستهدف فيه الذاكرة كما تُستهدف البيوت، برز الأدب الفلسطيني بوصفه خط الدفاع الأخير عن الحكاية، إذ سعى الشعراء والكتّاب إلى تثبيت الرواية الفلسطينية وتخليد تفاصيل الحياة تحت الحرب.
ومن خلال مجموعات شعرية وروايات ونصوص قصيرة، لم يكتفِ الأدباء الفلسطينيون برثاء الخسارة، بل واجهوا خطاب الإبادة بسردية إنسانية مضادة، تعيد الاعتبار للفلسطيني بوصفه إنسانا محبا للحياة، لا مجرد ضحية.
كتب شعراء وأدباء من غزة من قلب الفقد، وأعادوا بناء المشهد بتفاصيله الصغيرة، لتصبح النصوص سجلا وجدانيا يحفظ الألم الفلسطيني من النسيان.
ترى الشاعرة الفلسطينية الدكتورة آلاء القطراوي، التي فقدت أربعة من أطفالها خلال الحرب، أن تحويل الفقد إلى تجربة كتابة لم يكن قرارا واعيا، بقدر ما كان استجابة فطرية لعاطفة الأمومة.
وتوضح القطراوي، في حديثها لـ"الجزيرة نت"، أن الأم بطبيعتها تحاول حماية طفلها من الخطر، كما لو كانت تبعده عن وعاء ساخن، ومن هذا المعنى انبثقت كتابتها بوصفها امتدادا لفطرة الأم وحاجتها الغريزية إلى التعبير.
وكان للقطراوي إسهامات أدبية بارزة خلال الحرب، من بينها: "يكلمني كنان"، "من المسافة صفر"، "فراشتي التي لا تموت"، و*"خيمة في السماء"*. وتؤكد أن الكتابة ليست فعلا إبداعيا فقط، بل التزاما أخلاقيا؛ أولا تجاه أطفالها، وثانيا تجاه الأمهات الفلسطينيات اللواتي لا يمتلكن الأدوات أو المساحة للتعبير عن وجعهن.
وتشير القطراوي إلى أنها شعرت بأن الله أراد لها ألا تكون أما عادية، بل كاتبة تمتلك الموهبة والقدرة على التعبير، ولذلك رأت من واجبها استثمار ما تملكه من تأمل وفصاحة وكتابة من أجل أطفالها: يامن، وكنان، وأوركيد، وكرمل.
وشعرت، في لحظة ما خلال الحرب، بأنها تمثل صوت كل أم فلسطينية عاجزة عن إيصال ألمها إلى العالم بلغة أدبية، وترى أن من واجبها أن تتحدث باسمهن، وأن تخلد هذا الصوت المكلوم ليبقى حيا.
وتضيف: "أشعر أن أطفالي سيبقون أحياء دائما، كما قال الله عز وجل، بل ربما سيعيشون في الذاكرة الإنسانية أكثر من أناس عاشوا مئة عام، وسيتذكرهم العالم أكثر".
وترى القطراوي أن للحراك الثقافي المتمثل في إصدار الكتب خلال الإبادة أهمية خاصة، إذ يحمل هذا الفعل رسائل عميقة للعالم، وللاحتلال على وجه الخصوص، مفادها أن الشعب الفلسطيني عصيّ على الانكسار، متمسك بالحياة، ولم يُخلق للموت، بل ليستحق الحياة بجدارة.
وفي حديثها عن دور الأدب، تشير إلى أن الشعر والرواية قادران على قول ما تعجز عنه الخطابات السياسية، لأنهما لغة وجدانية عالمية غير حزبية، تلامس الإنسان في أي مكان. فالقارئ، كما تقول، قد يبكي أثناء قراءة رواية لكاتب من ثقافة مختلفة لأنه وجد فيها ذاته الإنسانية. ويعيش الشعر طويلا، أحيانا أطول من عمر صاحبه، ومن خلاله يمكن فهم المجتمعات وأسرارها، ما يجعله أداة أساسية للتوثيق ورفع كلمة الحق في مواجهة واحدة من أكبر الإبادات التي يشهدها العصر الحديث. وقد لاقت نصوصها صدى واسعا، منح القرّاء شعورا بالقوة والصمود
الكتابة خلال زمن الحرب، حسب الشاعر والكاتب علي عصافرة، هي ليست نوعا من البذخ الحربي، وليست محط تسلية بين الموت والرماد، ولكنها صوت يحارب، ونص يتشكل يقاوم النسيان ليعبر بالحقيقة إلى الأجيال القادمة.
الكتاب وسط الرصاص، كما يقول عصافرة لـ"الجزيرة نت" من أصعب ما يكون، حيث يعيش الشك القاتل في جدوى القلم وسط طاحونة من الدم والدمار، حول ماذا ستكتب؟ عن ماذا ستحدث أحفادك إذا نجوا ونجت كلماتك.
انطلق عصافرة بروايته الأولى "كنت صغيراً يا ولدي .. وكبرت" من المشهد الكبير، وطرح تساؤلات حول من يقاتل حقا؟ ماذا لو أن عائلة فلسطينية لا تنتمي لأي تنظيم سياسي، صيدلاني وأستاذة في علم الاجتماع، لا يعرفان من الحياة إلا الحب والعلم، ماذا لو وجدا نفسيهما أمام مقاتل جريح وفي قبضته أسير في صباح 7 أكتوبر/تشرين الأول، هل يكونان جزءا من الوطن أم أن الوطن يقتصر على المحارب بجعبته وسلاحه؟.
ويرى عصافرة أن المقاتلين الذين ثبتوا حفاة ببنادقهم أمام الدبابات والموت، يحتاجون من يقف خلفهم بالكلمة، وينقل الوجع، ويكتب الحكاية، ويحارب النسيان.
وتجنّب عصافرة إعادة سرد القصة التي التقطتها الكاميرات، وذهب يتقصى خبايا النفس الباحثة عن المعنى والغاية، لفهم ما وراء الروح التي تحارب، عبر رواياته.
سمع عصافرة ووثق الحكايات التي كان يسمعها يوميا حول فلسفة الحياة والوجود، وعن مفهوم الهوية والوطن، وعن حقيقة الموت والخلود، الفناء والنهاية، واختزل الحكايات في حكاية.
تعتبر الشاعرة ياسمين العابد، صاحبة عدد من الأعمال الأدبية التي كتبتها خلال الحرب، أبرزها مجموعتا "يوميات تحت القصف" و"خاتمة المراثي"، أن القصيدة كانت الوجه الحقيقي لما عاشته من قهر وغضب واضطهاد.
وتقول العابد لـ"الجزيرة نت" إنها عبّرت في شعرها عن اليأس والخذلان، وعن صورة العروبة المضطهدة، وصوت الشهيد والأسير والنازح، والبندقية التي تقذف كلماتها في الضمائر.
وقد وثقت من خلال شعرها ورواياتها نزوحها المتكرر من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، إلى جانب استشهاد والدها وأختها وابنتها وعمتها.
وترى أن القصيدة كانت الوسيلة الوحيدة التي استطاعت من خلالها التنفّس والتفريغ عن مشاعر القهر والغضب والخوف، وسلاحها الذي قاومت به، وصوتها الذي خرج من تحت ثقل الهزائم والمصائب.
الشاعر ابن قطاع غزة، يزيد شعت، الذي احتفل قبل أيام بإطلاق ديوانه الشعري، " لست أنا من أكتب لكم"، اعتبر أن كتابة الشعر في زمن الإبادة ليست ترفا، بل كانت ضرورة وجودية وأخلاقية، ومسؤولية وطنية تقع على عاتق الشاعر كما تقع على عاتق جميع الكتاب والمثقفين.
المسؤولية الأولى حسب حديث شعت لـ"الجزيرة نت" هي أمام الذات، ثم أمام جرح الوطن الغائر، عبر توثيق ما جرى في قطاع غزة من قتل وجوع ودمار وتجهيل.
ومن هذا السياق ولدت المجموعة الشعرية الموسومة بعنوان "لست أنا من أكتب لكم" للشاعر شعت، حيث جاءت نصوصها توثيقا مباشرا للحالة الفلسطينية ولمجريات الحرب وأطوارها المختلفة.
يبقى الشاعر، حسب شعت، ابن بيئته وظروفه المحيطة به، ولا يمكن إنكار أن الإحباط تسلل إليه في لحظات قاسية، وكادت الأقلام أن تجف أمام هول ما تم مشاهدته من مصائب.
يقول شعت: " انعكست الحرب بشكل مباشر على اللغة الشعرية والإيقاع والصورة، وهو ما جرى تناوله ومناقشته في العديد من قصائد الديوان".
مطلوب من الشعراء في زمن الحرب، حسب شعت التحلي بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، وتعزيز الوعي الوجود الفلسطيني عبر توثيق ما عاشوه، وقد نجح الشعراء والكتاب الفلسطينيون، رغم الجوع والخطر، في تحويل الألم اليومي إلى إبداع حقيقي حلق إلى العالم، كاشفا الحقيقة المجردة، ومسقطا زيف الرواية الصهيونية، وهو ما توج بنتاجات شعرية جادة ترجمت إلى العديد من لغات العالم.
أكد رئيس رابطة الكتّاب والأدباء الفلسطينيين، عبد الخالق العف، أن الحرب على غزة أفرزت موجة واسعة من الإبداع الأدبي، تمثلت في روايات ودواوين شعرية كُتبت في قلب المعاناة، ومن وسط النزوح والخوف والقهر.
وحسب حديث العف لـ"الجزيرة نت"، فإن هناك عددا كبيرا من الأعمال الأدبية التي صدرت أثناء الحرب، وبعضها كُتب في ظروف إنسانية بالغة القسوة، من نزوح وتشريد وقتل وجوع وقهر.
وشدد على أن هذه الأعمال الأدبية الإبداعية تؤدي دورا محوريا في تفصيل وتوثيق الجرائم الصهيونية غير المسبوقة.
وقال إنه، بحكم كونه شاعرا وكاتبا، كتب بدوره عددا من القصائد والمذكرات السريعة، مؤكدا أن هذا الفعل ليس مجرد تفريغ نفسي أو انفعالي، بل هو واجب أصيل يقع على عاتق المبدعين، سواء كانوا شبابا أو كبارا، كلٌّ في مجاله وجنسه الأدبي، من شعر ورواية ونثر.
رئيس رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين عبد الخالق العف (الجزيرة)دور المثقف الفلسطيني لم يغب، كما يظن البعض، بل ظل حاضرا بقوة في توثيق الجرائم الصهيونية بإبداع فلسطيني متميز، امتدادا لأدب المقاومة الفلسطينية الذي أدى، عبر العقود منذ ثلاثينيات القرن الماضي، دورا محوريا في التحريض والتوعية والتثوير، وفي تأكيد الحق الفلسطيني وتعريف العالم بالقضية الفلسطينية، بحسب حديث العف.
ويشير إلى أن ما جرى في غزة، بكل ما حمله من تدمير شامل للبيوت والمؤسسات، وما خلّفه من ألم وتجربة إنسانية قاسية، لا يمكن أن يضيع أو يُمحى، وأن هذا الحجم من المعاناة سيتحوّل حتما إلى رصيد أدبي وإنساني كبير، سيأخذ مكانه في المكتبة الإنسانية العربية والعالمية.
وأضاف أن ما جرى ويجري في فلسطين يُعاش اليوم وكأنه بين روايتين: رواية يحاول الاحتلال فرضها، ورواية فلسطينية إنسانية حقيقية يصوغها الأدب والإبداع.
وأشار إلى أهمية ترجمة هذا النتاج الإبداعي، ليس فقط بوصفه أدبا جماليا رفيعا، بل باعتباره شهادة إنسانية عميقة، قادرة على مخاطبة الثقافات العالمية المختلفة، ومقاربة تجارب أدبية إنسانية معاصرة في العالم، بما فيها الآداب العالمية الكبرى، مع الحفاظ على خصوصيته الفلسطينية والعربية.
ويختتم العف: "الذاكرة لا تنسى، وإن ما كُتب ويُكتب سيبقى شاهدا على هذه المرحلة"، مؤكدا أن الكتابة فعل بقاء، وأن هذه التجربة، مهما بلغت قسوتها، ستظل حاضرة في الوعي الإنساني، وستُروى وتُترجم وتُقرأ عبر الزمن.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة