تحول الذكاء الاصطناعي، خلال العامين الماضيين، إلى تهديد صريح لكل ما استقر عليه المبدعون من قيم عبر سنوات طوال. إذ انتقل من كونه أداة للكتابة، إلى كاتب وروائي وفنان تشكيلي. لكن الإشارة الحمراء ظهرت حين تقدم كتاب بشر بأعمال كتبها الذكاء الاصطناعي للمشاركة في مسابقات أدبية، واقترب بعضها من الفوز قبل أن تظهر الحقائق.
تحولت السمات الخاصة بالبشر، بما تحويه من خيال وقدرة على صياغة هذا الخيال في قوالب فنية، إلى منتج يمكن برمجة الآلة لتقديمه على نطاق واسع، سواء كان ذلك المنتج رواية أو سيناريو أو حتى لوحة تشكيلية.
لم يعد هذا التغيير مجرد تقدم تكنولوجي، بل تحول إلى قطيعة معرفية وثقافية. فالمبدع، بالنسبة للمجتمع، ثروة لا تقدر بثمن، لكونه صاحب بصمة لا تشبه غيرها، لكنه الآن قابل للاستبدال؛ ذلك أن اللغة الجميلة متاحة بضغطة زر، ويمكن أن يقوم بها أي شخص، وهو ما يعني، ببساطة محزنة، أن الأدب، باعتباره بصمة بشرية، قد يختفي.
تقدمت جامعة "هاكوداتا المستقبل" (Future University Hakodate)، عام 2016، إلى مسابقة أدبية يابانية بمشروع رواية شبه مكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي بعنوان "اليوم الذي يكتب فيه الحاسوب رواية" (The Day a Computer Writes a Novel).
شارك الباحثون بتحديد التفاصيل الأساسية، وهي الشخصيات والخطوط العريضة، ثم جمع النظام النص النهائي.
تجاوزت الرواية المرحلة الأولى من الفحص في مسابقة "هوشي شينيتشي الأدبية" (Hoshi Shinichi Literary Award)، وهي جائزة تعرف باستكشافها أشكالا جديدة من الكتابة التأملية، وقد قررت قبول مشاركات الذكاء الاصطناعي رسميا لأول مرة.
رأى المعلقون أن نجاح الرواية في المرور بالجولة الأولى قد يعد مؤشرا على قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على محاكاة بعض جوانب السرد بطريقة معقولة، حتى لو لم تنتقل إلى الفوز.
أعلنت مجلة الخيال العلمي الأميركية "كلاركس وورلد" (Clarkesworld)، عام 2023، توقفها مؤقتا عن استقبال القصص، بسبب فيض هائل من النصوص المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وجاءت آلاف القصص المكررة بسرعة من أنظمة مثل "تشات جي بي تي" (ChatGPT)، ما جعل فريق التحرير يغرق في نصوص مكررة أو ضعيفة، ويوقف باب التقديم حتى يتم إيجاد آلية جديدة للتعامل مع هذه الظاهرة.
وصف رئيس التحرير نيل كلارك الوضع بأنه مشكلة لا تتعلق بقدرة الآلة على "الإبداع" بقدر ما هي فيض ضخم يهدد قدرة المجلة على خدمة الكتاب الحقيقيين. وأشار إلى أن كثيرا من هذه النصوص كانت "نتيجة لعروض جانبية للعمل عبر أدوات الذكاء الاصطناعي من أشخاص ليسوا كتابا من الأصل"، وأن العديد منها "يفتقد لأي فهم لقواعد السرد الأساسية".
وتناولت صحافة التكنولوجيا الأمر باعتباره تجسيدا للأخطار المحتملة للذكاء الاصطناعي في سياق المؤسسات الإبداعية، ووصفت المشهد بأنه لا يتعلق فقط بالكفاءة، بل بتآكل سدود الحماية التقليدية التي كانت تجعل الإبداع الأدبي عملا بشريا بامتياز .
ولا تعكس الأزمة قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص بكميات هائلة فحسب، بل التحديات المؤسسية التي يفرضها ذلك على دور نشر وتحرير تعتمد على التدقيق البشري، وعلى حماية الكتاب
الحقيقيين من الطغيان الآلي.
إذا كانت الحالة اليابانية رمزية، فإن الأزمة التي عصفت بمجلة كلاركس وورلد عام 2023 كانت هيكلية.
في نهاية عام 2025 اندلعت في العراق أزمة ثقافية واسعة بعدما أثار الكاتب والباحث العراقي صادق الطائي شكوكا حول عدد من الكتب التي طرحتها دار "ألكا" للنشر، معتبرا أن معظمها لا أصل حقيقي له، وأن مؤلفيها المعلن عنهم غير موجودين في سجلات علمية أو أدبية معترف بها.
القضية باتت من أكثر الملفات إثارة للجدل في الوسط الثقافي العراقي والعربي، وانتقلت من مجرد حديث على منصات التواصل الاجتماعي إلى مناقشات أوسع بين مثقفين، وجمعيات نشر، وقانونيين، معتبرين أن ما حدث يتجاوز خطأ مهنيا إلى احتمال تضليل ثقافي أو تزوير معرفي.
وقبل انطلاق معرض العراق الدولي للكتاب في بغداد، روّج الروائي علي بدر عبر حسابه على فيسبوك لمجموعة كتب صدرت عن دار "ألكا"، صنف معظمها على أنها ترجمات لأعمال أجنبية.
ووفق ما ذكر الطائي، فإن النصوص تبدو قريبة مما ينتجه الذكاء الاصطناعي من لغة عامة، وأسلوب إنشائي، وغياب المراجع والهوامش الأكاديمية، وهي أمور غير اعتيادية في ترجمات الكتب الحقيقية.
ومن العناوين المثيرة للجدل، مثلا، "عاصفة ستالين: كيف قتل ستالين رفاقه"، و"الحسن الصباح: قراءة جديدة في السيرة والتاريخ"، و"الإمبراطورية الصفوية: كيف غيّرت الشرق الأوسط إلى الأبد"، و"هتلر والنساء". لم يتم العثور على أي أصل موثق لهذه الكتب أو مؤلفيها في المصادر العلمية أو الدوريات العالمية.
وتبين أن أرقام الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN) المثبتة على أغلفة الكتب غير مسجلة دوليا، وأن بعضها يستخدم على أكثر من عنوان، وهو ما يخالف المعايير المهنية للنشر.
ردا على الاتهامات، نفت دار "ألكا" أن تكون الكتب "مكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي" أو مزيفة، وأكدت أن أرقام ISBN صحيحة، وأن الأعمال تمت مراجعتها بواسطة مختصين وبرامج للتحقق، وأنها جزء من نشاطها في معرض الكتاب.
لكن اتهامات الطائي جعلت النقاش يتسع ليشمل بنية النشر في العراق، ليس فقط حول دار واحدة، بل حول آليات الرقابة، وضمان حقوق المؤلفين، وحدود استخدام التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، في صناعة النصوص الثقافية.
جمعية الناشرين والكتبيين في العراق أبلغت دار "ألكا" رسميا بضرورة توضيح أصل هذه الكتب، إلا أن الإجابات لم تكن كافية لتهدئة الجدل، مما دفع الجمعية في وقت سابق إلى سحب عضوية الدار ومنعها من النشاط داخل الجمعية لمدة ثلاث سنوات.
تشير هذه اللحظات إلى خوف ثقافي أعمق. لم يكن الأدب يوما مقتصرا على اللغة، بل كان تعبيرا عن الصوت والوعي، وعن فكرة أن النص لا ينفصل عن الحياة، والرواية، تاريخيا، شكل إنساني يحمل في طياته الذاكرة والرغبة والصدمة والتناقض. حتى عندما تبتكر الرواية، فإنها تنبثق من التجربة.
يعطل الذكاء الاصطناعي هذه الصلة. فهو ينتج نصوصا بلا سيرة ذاتية، ويولد قصصا بلا معاناة، بلا تاريخ، بلا ضرورة داخلية. يستطيع محاكاة الأسلوب، لكنه لا يستطيع استيعاب المعنى.
إذا أصبح بإمكان أي شخص إنتاج الكتابة فورا، فإن المكانة الثقافية للأدب تتغير، لن يكون الكاتب مبدعا فريدا. يكمن الاحتمال المخيف في أن يصبح سرد القصص مجرد محتوى منفصل عن الحالة الإنسانية.
لا نعيش بعد في عالم حل فيه الذكاء الاصطناعي محل الروائيين، لكننا نعيش في عالم يصنع معايير جديدة للكتابة.
أظهرت المسابقة اليابانية أن الذكاء الاصطناعي قادر على تجاوز عتبة الشرعية الأدبية. وأظهرت مسابقة كلاركس وورلد أن المؤسسات قد تطغى عليها الأعمال الروائية المصطنعة. يشير هذان المثالان معا إلى أن مستقبل السرد لن تحدده الآلات وحدها، بل الخيارات البشرية.
لكن الأزمة أعمق، ماذا لو استطاع الروبوت كتابة رواية فريدة لا تشبه غيرها، تبدو أصيلة تحت كافة الاختبارات؟ هل سيصمد "الأدب"، هل سيبقى باعتباره أكثر من مجرد لغة؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة