آخر الأخبار

مسرح جرائم ريا وسكينة.. كيف انهارت "زنقة الستات" بالإسكندرية؟

شارك

وجّهت سؤالي إلى أول إنسان التقيتُ به عن أين تقبع تلك المساحة من العيش، والتي ترتبط في خيالنا الشعبي جميعًا، قاهريين وسكندريين، بأكبر تواريخ خيبتنا الاجتماعية "ريا وسكينة". فرفع يده إلى أعلى ورسم خطا في الهواء وقال: "اذهب من هنا مستقيما ولا تلتفت بظهرك حتى لا تتوه".

ربت على كتفي وقال: "انتبه لي، عليك أن تقطع شارع الصاغة، ستجد نفسك في سوق لبيع الأقمشة يُسمّى سوق الخيط، ومن هناك اسأل عن زنقة الستات". شكرته قبل أن يوقفني وهو يختنق بالضحك: "ولكن احذر، لأنهم يتصيدون الغرباء". وكان عليّ أن آخذ تلك الجملة على محمل الجد بعد ثلاث ساعات من التجوال.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 شارع النبي دانيال بالإسكندرية.. قبلة المثقفين التي نسيها المصريون
* list 2 of 2 "الفتاة الغجرية" تسحر آلاف الزوار في أكبر متحف للفسيفساء بتركيا end of list

زنقة الستات

عليك أن تعي أولًا أن "سوق المغاربة"، أو ما سيُعرف لاحقا بزنقة الستات، ليست حارة كما يُشاع، بل حيّ بأكمله يضم شيخَتين، ويتفرع منه قرابة ست حارات وأربعة أزقة وعطفتين تحوّلتا إلى مكبّ للنفايات.

يتصل بعضها ببعض في تصميم هندسي أُسس تحت ضغط الحاجة العسكرية للفرنسيين، والذين اتخذوا منها موقعًا لإسطبل للخيول ومخزنا لبارود مدفعيتهم، والتي كانت تصوّب فوهاتها نحو قلعة (قايتباي).

ومع رحيل الحملة الفرنسية خطر لأحدهم تحويل تلك الجغرافيا المختنقة إلى سوق تجاري لعرض بضاعته المجلوبة من الشمال الأفريقي، وتوافد إلى ذلك السوق عشرات التجار الليبيين والمغاربة والجزائريين، حاملين معهم الأواني الخزفية والشراشف والأمتعة المنزلية والأعشاب الطبية، محدثين ضجيجا جاذبًا معه يهودًا أقاموا سوقًا للذهب والصرافة، وهو ما يُسمّى الآن شارع "الصاغة"، وأتراكًا عرضوا سحر فنونهم في الأقمشة والحلويات التركية، طاردين بالمذبات أزيز الذباب الذي يحوم حول حلوَاهم، فضلًا عن عشرات المتسولين والشحاذين في ميدان متاخم للزنقة، وهو ما يُعرف الآن بميدان المنشية.

مصدر الصورة سوق زنقة الستات في الإسكندرية (الجزيرة)

من ريا وسكينة حتى أمين الحرامي

في الأماكن الضيقة والمختنقة تولد الأسطورة من تلقاء نفسها. لا تحتاج الأسطورة في مثل تلك الأماكن إلى من يرسّخها، وإنما يكفي غلق غرفة مظلمة على أحدهم حتى يولد من الظلام شياطين وزواحف تعود إلى عصر ما قبل التاريخ. "يكفي أن تخاف كي تموت خوفًا"، سمعت أمي تقول ذات مرة.

إعلان

تُعدّ زنقة الستات مثالًا لهواجس الخوف الإنساني، فعلى مدار سنوات نُسجت حول المكان أساطير عديدة. وأكثر هذه الأساطير رسوخًا هي قصة ريا وسكينة، والتي يُشاع أنها وُلدت بين جنبات الزنقة، حيث كانت بالنسبة إليهن مركز استطلاع ورصد لطرائدهن من النساء اللواتي كن يأتين لشراء حاجاتهن التزينية، دون أن يدركن أن الموت ينصب لهن فخًا في الجانب الآخر من الطريق.

مصدر الصورة "ريا وسكينة" القاتلتان المتسلسلتان أثارتا الرعب بالإسكندرية في عشرينيات القرن الماضي (مواقع التواصل الاجتماعي)

أمام صف طويل من مجسّمات بلاستيكية حاول سلطان عبد المجيد (50 عاما) أن يسترد ما كان بالنسيان قابعا، وقال: "ريا بنت همام وأختها سكينة بنت همام كنّ يأتين إلى هنا لاصطياد ضحايا من النساء والذهاب بهن حيث سيرقدن إلى الأبد بلا مصاغ وأوشحة فاخرة…".

قاطعته: "المعذرة، ولكنك لم ترَ؟". نظر إليّ وقال: "ولكني أؤمن".

وأضاف للجزيرة نت: "الزنقة ضيقة للغاية، ويتوافد عليها مئات النساء يوميا. بإمكان أي محتال أن يمارس بحرية نشاطه المشبوه دون أن يثير الظنون. أعتقد أن ريا وأختها سكينة كانتا تعيان ذلك تمامًا".

مستطردًا: "لا تنسَ أيضًا أنه كان لهن بيت قريب من المنشية اسمه بيت النجاة، وجدت عناصر البحث فيه أربع جثث من أصل 18 قتيلا، وكان ذلك البيت جزءًا منهم".

سألته إن كانت هناك حكايات أخرى، فأجاب مطلقًا ضحكة صبي: "هل تعرف مسرحية ريا وسكينة؟ في أحد المشاهد تقول شادية: مين عم أمين الحرامي!! هل تتذكر ذلك؟ يسعدني إخبارك أنها شخصية حقيقية، كانت تبيع القماش واشتهر بهذا الاسم لفنونه في بيع الرديء على أنه جيد، والمصنوع محليًا على أنه قادم من بلاد الخواجات".

سألته إن كانت الزنقة قد تحولت إلى مركز لبيع الأشياء التي يحرّمها القانون، فأجاب: "ما تسمعه صحيح. بعد غلق المحال تتحول الزنقة إلى منشط لكل شيء، بدءًا من تجارة الممنوعات حتى مركز تعارف، ولكنك لا يمكنك كتابة ذلك، فكونك غريبًا لا يعطيك الحق أن تصف كم وردة وجدت على الشرشف".

أنهيت حديثي معه بمصافحة صديق، قبل أن ينصحني بأن أذهب إلى بطرس ملاك جاد، أقدم تجار الزنقة، ورئيس "البيت الأبيض" المختص بفضّ المنازعات.

من قاهري إلى سكندري

أخبرته أني غريب وآتٍ لمعرفة قصص الزنقة، فقال: "لست سائحًا؛ السائح يلتقط الصور ويرحل، أما أنت فتريد الاثنين، صحفي أم باحث؟". أجبت: أريد الاثنين، فضحك وأجلسني بجواره.

رفض الحديث معي في البداية بحجة أن قلبه لا يطيق حنينًا كذلك، ولكني كسبت ثقته فقال: "أنا أبلغ من العمر ثمانين عامًا، شهدت كل ما مرّ بداخل الزنقة من مجدها وانحطاطها. الجانب المظلم هو أن الأشياء لم تعد كما كانت.

انظر حولك؛ لقد أصبحت مرتعًا للبضائع المضروبة والمضاربات المصرفية المحرّمة، والتجار الصغار الذين لا يحترمون المهنة ويحاولون اصطياد الفتيات لعلاقات غرامية وحب مستعجل".

مضيفًا للجزيرة نت: "فيما مضى كان يمكننا السيطرة على تلك الأمور، أما الآن فأصبحت ألاعيب الشباب أقوى من عظامنا المسكينة".

وعند سؤاله عن أسباب انحطاط الزنقة أجاب: "زنقة الستات مكان ضيق، والأماكن الضيقة ازدهارها وانحطاطها مرهون بقدرة الآخرين على الحفاظ عليها. نحن السبب، لقد نصبوني أمينًا على بيت المنازعات لخمسة وعشرين عاما ولا زلت، برغم أن الزمن يمضي وقواي لم تعد تتحمل صراخ الآخرين".

إعلان

وعند سؤاله هل هناك من يبيع المحظورات، قال: "نعم يوجد، ونضطر في بعض الأحيان أن نطاردهم بالعصا والمكانس، ولكنهم يعودون ليلًا بعد غلق محالنا ويفعلون كل شيء، ولكننا ننام مرتاحي الضمير، لأن ذلك يحدث ونحن في أسرّتنا لا في دكاكيننا".

مصدر الصورة رغم الطابع التقليدي إلا أن السوق يواكب أحدث صيحات الموضة (الجزيرة)

انهيار متأن

لم تنهَر زنقة الستات دفعة واحدة، ولا بقرار إداري، بل انهارت دون احتضار، كما تنهار الأشياء من تلقاء نفسها.

كل يوم كانت تسقط منها قطعة صغيرة، حتى استيقظت ذات صباح فوجدت نفسها أقلّ مما كانت، وأفقر مما يُحتمل أن يُحب. في المساء، بعد أن تُغلق الدكاكين أبوابها، تتبدل ملامح الزنقة.

الصمت لا يحلّ، بل يُستبدل بضجيج آخر: خطوات مترددة، همسات، أشياء تُباع ولا تُسجّل. الزنقة التي كانت تُدار بالعين والسمعة، صارت تُدار بالفراغ.

سألنا هاجر عبد النور (26 عاما) عن الحال الذي وصلت إليه الزنقة، فقالت: "أعتقد أن الزنقة أصبحت مكانًا لا يُطاق بالنسبة للنساء، لما يتعرضن له من ابتزاز ومعاكسات عابرة من قبل أصحاب المحلات والزبائن الرجال.

لا يوجد شيء هنا يمكن السيطرة عليه، بدءًا من الأسعار غير المراقبة، حتى الأجساد التي يتم تفحّصها". مطلِقة زفرة كآبة: "الزنقة باتت مكانًا يصعب المجيء إليه".

وعند سؤالها عن أن ذلك الخوف يضاهي خوف ريا وسكينة، ضحكت وقالت: "لا طبعاً، نحن النساء نُفضّل معاكساتنا على أن نموت بمنديل مبلل بالماء على وقع أغنية تبعث على الضجيج".

وبحسب شهود آخرين، فإن زنقة الستات تتحول ليلًا إلى وكر لبيع المواد المخدرة، فضلًا عن بعض الوافدين الذين يتقمصون دور المرشدين السياحيين في محاولة لاستغلال السائحين، ويُطلق عليهم تجار الزنقة "صبيان بحري"، يرتدون قمصانًا استوائية وقبعات مرشد سياحي، ويمارسون مهنة الإرشاد السياحي المزيّفة لاعتصار آخر ما تبقّى في جيوب السائحين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار