ليس سهلا الإبحار في لجّ وثائقي متلاطم الأمواج بحثا عن الحقيقة، ولكن القدس لمكانتها وتاريخها تستحق كل جهد ممكن لتدعيم وإسناد الرواية العربية الإسلامية المسيحية التي تتمسك بعروبتها ومسرى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وثباتها بقوة المضمون والحجة والمنطق في مواجهة الرواية التوراتية وكشف مزاعمها وزيفها وادعاءاتها تجاه المدينة المقدسة.
فما يحدث في القدس يصنفه مختصون بأنه مجزرة حضارية وجغرافية وثقافية مفتوحة، فالسلطة الإسرائيلية بصفتها قوة احتلال تواصل -دون اكتراث لتاريخ وواقع المدينة- حملاتها المسعورة لتحويلها إلى مملكة توراتية، وتمارس بغطرسة القوة أكبر حملة تزوير للتاريخ والتراث، حتى قرص الفلافل والثوب المطرز سرقته، ضمن مخططات متدرجة لاختلاق قدس ومملكة يهودية على أنقاض القدس بتاريخها ومقدساتها.
من هنا، تكشف المؤرخة والأديبة الأردنية الدكتورة هند أبو الشعر – في حديث للجزيرة نت- عن مشروع "أطلس القدس المصور" الذي يدعم ويساند الرواية العربية الإسلامية المسيحية، بمشاركة 52 باحثا غالبيتهم أكاديميون من فلسطين والأردن والقدس بالذات باعتبارهم الأولى والأقدر على استحضار الرواية الجديرة بأن تُعتمَد، بينما تضم هيئة تحرير المشروع الدكتور محمد هاشم غوشة وعمر الغول والدكتور معاوية إبراهيم إضافة إلى الدكتورة هند أبو الشعر.
تقول القاصّة الدكتورة هند أبو الشعر "نحن أمام مذابح ذاكرة وسردية توراتية مقابل سرديتنا العربية الإسلامية المسيحية التي تعتمد على المكان، هذا الصراع يعتمد على علم الآثار ومصادر تاريخية متعددة. زملاؤنا العاملون في علم الآثار يتقدمون المشروع الذي يُتوقع أن يكون جاهزا خلال أشهر".
وأشارت إلى أنها تشارك في ثلاثة بحوث كبيرة تتناول:
وحول مضمون مشروع "أطلس القدس المصور" تتحدث القاصة -الفائزة بجائزة مهرجان زهرة المدائن لأفضل كتاب عن القدس لعام 2024 بعنوان "القدس في أواخر العهد العثماني 1908 إلى 1914"- عن اشتغال الباحثين على الآثار، فـ"صراعنا مع السردية التوراتية يحسمه علماء الآثار"، مضيفة أن "أهالي القدس من مسلمين ومسيحيين يحاربون حتى في أسماء الأمكنة ومهنهم ونحن نتفرج".
وتوضح أن المشروع يعتمد على أرشيف المؤرخ المقدسي محمد هاشم غوشة الذي يضم 26 جزءا مدعومة بالصور والخرائط وتفاصيل جمعها من مختلف مكتبات العالم ومتاحفه، إضافة إلى أرشيف الكنائس التي استقر أتباعها في القدس، وفي مقدمته أرشيف الأوقاف الكنسية، وهو أرشيف "ثري جدا ومتنوع" أرثوذكسيا، كاثولوكيا، سريانيا، قبطيا، حبشيا، جورجياً، ومارونيا.
وتقول إن لكل كنيسة أرشيفها ولكن لم يتم استخدامه بشكل يخدم الرواية العربية الإسلامية المسيحية في القدس. وتضيف "لم نستطع فتح أرشيف الكنيسة الأرثوذكسية رغم أنه الأقدم ويعود إلى القرن الثالث الميلادي، وهناك إشكالية كبيرة مع أوقافها التي يتحكم فيها رجال دين يونانيون، وخاصة ما يتعلق ببيع بعض أملاكها للسلطة المحتلة"، مشيرة إلى لعب الحكومة الأردنية دورا كبيرا في وقف عمليات البيع، وتدخلها بحكم الوصاية الهاشمية على المقدسات التي تطبقها وزارة الأوقاف الأردنية.
حول دور الصهيونية المسيحية التي تروّج لأكاذيب توراتية حول القدس، تقول الدكتورة هند أبو الشعر "يجب التمييز بين المسيحيين العرب فدورهم ملموس، لأن الجانب المسيحي العربي -وتحديدا في الكنيسة الأرثوذكسية- وقف سدا منيعا أمام هذا التوجه، بينما الغرب سيطرت عليه الرواية التوراتية باعتبار التوراة سابقة للإنجيل الذي يكملها. لكن تفجر وعي في الغرب الآن باستغلال الصهيونية الرواية التوراتية لتمرير أهدافها، فقد استغلت المسيحية وبعض المسيحيين في الغرب الذي بدأ يصحو ويعرف خطورة هذا الاستغلال".
وحسب وجهة نظرها، فإن سجلات المحاكم الشرعية التي تعود إلى بداية العهد العثماني -وتحديدا منذ 1523- ومتوفرة لدى فريق البحث الخاص بمشروع "أطلس القدس المصور"، تعتبر من أكثر المصادر أهمية في تاريخ القدس وعروبتها، فهي توثق تاريخ المدينة: الأهالي وأسماءهم وعائلاتهم ومذاهبهم، والإدارة، والحالة الاقتصادية والاجتماعية التي نستطيع من خلالها معرفة كل جزئية في المكان، ممّا يدحض الرواية التوراتية.
وتقول الكاتبة الأردنية إن أهالي القدس ما زالوا موجودين على أرضها صامدين يؤكدون عروبة المدينة، وإن كل الفتوحات ارتبطت بالعروبة، وهذا يؤكد الوجود العربي المتسلسل عبر التاريخ في القدس، وليس هناك أي أساس لمزاعم توراتية.
وتختم بقولها إن "الوثائق -سواء أكانت كنسية أم غيرها- تقود إلى الحقيقة، وتمثل مصدرا مهما في دراسة أحوال المسيحيين في مدينة القدس، وعبر مختلف الحقب التاريخية التي مرت بها المدينة، وخاصة الفترة العثمانية التي استمرت قرابة أربعة قرون (1516-1917م)، ويمكن من خلالها رصد المعلومات عن المسيحيين وسجلات المحاكم الشرعية وكتب الرحالة والنقوش والنقود والمؤلفات العربية والأجنبية، إضافة إلى مصدر مهم وهو السجل الكنسي العثماني الذي يشمل وثائق خاصة بالكنائس وشؤونها".
بدوره يوضح الباحث في اللجنة الملكية لشؤون القدس الدكتور نصر الشقيرات أن دفاتر الديوان الهمايوني العثماني (يقابله مجلس الوزراء اليوم) تضم مراسيم سلطانية تتضمن الأمر بالسماح لمختلف الطوائف المسيحية ببناء وترميم الكنائس والأديرة في مدينة القدس، إضافة إلى معلومات اجتماعية واقتصادية وسياسية خاصة في مجال العلاقات الدولية.
وكما هو معلوم، فإن مسألة الوجود والحقوق المسيحية في الدولة العثمانية شكلت مادة خصبة لروايات ومناقشات المؤرخين والرحالة والدارسين التي تحامل بعضها كثيرا على الإدارة العثمانية للمدينة المقدسة "فالوثائق تزودنا بإشارات مهمة تظهر مدى عناية الدولة العثمانية وولاتها بالأماكن المقدسة في القدس، خاصة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث شهدت هذه المرحلة الاستعمار البريطاني ولاحقا الاحتلال الإسرائيلي"، وفق شقيرات في حديثه للجزيرة نت.
وكمثال على ذلك، يضيف شقيرات: جاء في الوثيقة المؤرخة بتاريخ 17 سبتمر/أيلول عام 1887م، والمنشورة في كتاب الكنائس العربية، والمتعلقة بمرسوم السماح بإقامة كنيسة لطائفة الأرمن الكاثوليك في مدينة القدس أنه "كان قد وقع الطلب من بطريركية طائفة الأرمن الكاثوليك حول إنشاء كنيسة فوق عرصة (فناء يخلو من بناء) تتصرف عليها تلك الطائفة في القدس الشريف، وأنه وعلى الرغم من أن طائفة الأرمن الكاثوليك المتوطنة في القدس الشريف لا تزيد عن 4 بيوت يبلغ عدد أفرادهم 22 من الذكور والإناث (وفقا لتعداد سنة 1903 هناك 1200 أرمني في القدس بينما قدر عددهم في 2025 بنحو 2200)، إلا أن الكنيسة سوف تخصص لإقامة طقوس الزوار الذاهبين إليها من باب سعادتنا ومن المحال والأماكن الأخرى، ولدى الاستئذان صدرت موافقتنا السنية الملوكية بإقامة وإنشاء الكنيسة المذكورة مع مشتملاتها على الوجه المشروح، وأنت أيها المتصرف المشار إليه عليك عدم الممانعة في إقامة وإنشاء الكنيسة المذكورة مع مشتملاتها شريطة عدم تجاوز المقاييس المشار إليها في الطول والعرض والارتفاع.
وتابع الباحث أن نظام الوقف كان منتشرا في الدولة العثمانية بما في ذلك مدينة القدس، بهدف الإنفاق على الكنائس ولضمان ديمومة وارداتها المالية، وقد أوقف الأرمن على الكنائس والأديرة والفقراء، واللافت أن أوقاف بعضهم اتبعت نظاما ما يمكن تسميته التدرج في وجوه الإنفاق، ليشمل ذلك المسلمين أيضاً، وهو مؤشر يعكس قيم التسامح والأخوة والألفة في المجتمع.
ويذكر من الأمثلة وقف بطريرك الأرمن في القدس "بن كرابيد بن يعقوب الأرمني" بتاريخ 13 أبريل/نيسان عام 1885م، جاء فيه "جميع الدارين المشتملين على ثماني غرف وصالون كبير وإيوان (قاعة واسعة) وعلى مطبخين مع ستة مخازن أسفلهما، أوقف الواقف هذا الوقف طيلة حياته، يكون وقفا على فقراء رهبان الأرمن، فإذا انقرضوا يكون وقفا لفقراء الأرمن أينما كانوا، فإن لم يوجد فعلى فقراء القدس جميعا، فإن لم يوجد فعلى الفقراء أينما كانوا"، كما ورد في وثيقة عن سجلات محكمة القدس، رقم 373، ص63-64، مبينا أن هذه الصيغة الوقفية نجدها تتكرر في الكثير من وثائق الوقف المسيحية في القدس.
ويتابع شقيرات أن الوقف لم يقتصر -في وجوه نفقته وصرفه- على المسيحيين في القدس فقط، بل كانت الأوقاف توضع في تصرف حتى الحجاج المسيحيين القادمين من خارج ولايات الدولة العثمانية، فقد أوقف أنطونين يوحنا سنة 1889م أرضا في عين كارم (غربي القدس) على نفسه مدى الحياة، ثم من بعده على فقراء الروم من روسيا المقيمين بالقدس الشريف. مبينا أن هذه الوثيقة -كغيرها من وثائق- تعرضت لتاريخ قرية عين كارم المقدسية، وذلك دليل على عروبة القرية التي احتلت عام 1948م، وكان يقطنها آنذاك حوالي 3690 نسمة من أبناء الشعب الفلسطيني، واليوم أقيمت على أرضها مستعمرات إسرائيلية مثل كريات مناحيم وإيفين سبير وبيت زيت.
وتكشف الوثائق -وفق الباحث- عن أوقاف يُمنح حق التصرف فيها بعد وفاة الواقف لبابا الفاتيكان، وأخرى لرئيس المجمع الروحاني الكنسي في بطرسبرغ (المدني، الأوقاف المسيحية، ص 40 و90)، وهذا مؤشر على عالمية النظرة المقدسة لمدينة القدس، واليقين بعروبتها والمكانة المركزية لمقدساتها الإسلامية في نفوس المسلمين وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، "ففي الوثائق الفاتيكانية يظهر حرص بابا الفاتيكان على أهمية الرعاية الرسولية على المقدسات المسيحية فيها، يقول البابا لاوون الثالث عشر 1878م-1903م: لتكن القدس والأماكن المقدسة محروسة ومصانة".
وحسب الشقيرات، فإن وثائق الوقف المسيحي تعكس حقيقة أن الدولة العثمانية ضمنت عمليا حرية التصرف في الأموال الوقفية، سواء في ذلك "الوقف الذُّري" (أي الخاص بذرية الواقف)، و"الوقف الخيري" (العام) المتعلق بالنفقة على المؤسسات التعليمية والدينية والفقراء بمتابعة ومراقبة من إدارة الدولة.
ويرى أن وثائق السجل الكنسي تشير أيضا إلى أن الرخصة بالإعمار والترميم كانت تعطى لبعض الدول الراعية لبعض الطوائف، ومن ذلك الموافقة على طلب بناء مبرة خيرية أسستها جمعية الراهبات الألمانية المعروفة باسم (soeurs de saint Charles Borromée)، وتحديدا في قرية المالحة الفلسطينية.
فقد ورد في الوثيقة المؤرخة بتاريخ 1 يوليو/تموز عام 1904م ما نصه: "جاء في الطلب أن البناء سوف يكون بطول 50 مترا وعرض 31 مترا وارتفاع 17 مترا، وبالنظر إلى ما جاء في الأوراق المرسلة -متضمنة التحقيقات التي أجريت والمحولة إلى مجلس شورى الدولة- فقد تبين أنه لا يوجد محظور من إقامة مبرة خيرية للمسنات من الراهبات، وعليكم عدم القيام في هذه المناسبة بجمع الأموال عنوة من الجمعية المذكورة أو إزعاجها بأي صورة أخرى، والحرص الشديد على تجنب الوقوع فيما يخالف ذلك" (الوثيقة عن: أبو حسين، الكنائس العربية، ص 310-311).
ويضيف الشقيرات أن "هذه الوثيقة الكنسية المهمة تؤكد هي الأخرى عروبة مدينة القدس، وتدل على أن نهج الأسرلة والتهويد والتهجير للمدن والقرى الفلسطينية لن يمحو هويتها العربية، ومن ذلك قرية المالحة المقدسية، التي احتلت عام 1948م وكان يقطنها آنذاك حوالي 2250 نسمة، وأقيم عليها العديد من الأحياء الاستيطانية والمستعمرات".
ويختم بأن وجود الكنائس والأديرة والأوقاف المسيحية في مدينة القدس -خلال وبعد الفترة العثمانية- يؤكد أن الإدارة كانت تتسم بالتسامح والحفاظ على الهوية الثقافية لأهلها، وهناك بعض النقوش الدالة على ذلك، منها النقوش المعروفة لدى علماء الآثار باسم "نقوش الحجاج المسيحيين" التي ما زال الكثير منها على أعمدة وجدران الكنائس خاصة كنيسة القيامة، ويمكن من خلالها التعرف على أسماء ومهن وحِرف الحجاج من مختلف أنحاء العالم.
ويعتبر الشقيرات أن بقاء هذه النقوش -على اختلافها- دون طمس أو تدمير دليل على أن الإدارة العثمانية للمدينة طوال قرون هي إدارة تسامح ومحبة وسلام، وليست احتلالا استعماريا إسرائيليا يسعى لطمس الأديان الإسلامية والمسيحية ومحو الهوية الثقافية المقدسية الفلسطينية الأصيلة.
المصدر:
الجزيرة