أصدر مني أركو مناوي، رئيس حركة جيش تحرير السودان، المساندة للجيش، قرارا يقضي بترقية عدد من قيادات الحركة إلى رتبة اللواء. شمل القرار كلاً من بشارة آدم داؤود أسو (بِشا) ورضوان علي أحمد أبو قرون. تأتي هذه الخطوة في توقيت حساس يمر به السودان، حيث تسعى الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام إلى تعزيز بنيتها القيادية لفرض السيطرة الميدانية وغيرها من الأهداف.
على الرغم من الأهداف التنظيمية المعلنة، يثير ملف الترقيات والتجنيد في السودان جدلاً واسعاً، لا سيما في ظل انتشار ظاهرة التجنيد العشوائي التي شملت معظم الأطراف المتصارعة.
وتتجلى مخاطر هذه الظاهرة في المعايير العسكرية حيث تعاني الحركات من “تضخم الرتب”، حيث يتم منح رتب رفيعة (مثل لواء وفريق) دون استناد إلى تأهيل أكاديمي عسكري كلاسيكي، بل بناءً على الولاء أو الثقل القبلي أو الأقدمية الميدانية.
على جانب أخر، يبرز التجنيد القائم على التحشيد والذي أدى استمرار الحرب إلى فتح باب التجنيد بشكل واسع، مما تسبب في دخول عناصر غير مدربة بشكل كافٍ، وهو ما يطلق عليه “التجنيد العشوائي” الذي يهدف لزيادة العدد على حساب الكيف.
كما يترتب على هذه الترقيات العشوائية الكثير من التبعات الاقتصادية والأمنية لجهة أن هذه الأعداد الهائلة من الرتب والجنود تشكل عبئاً على ملف “الترتيبات الأمنية” مستقبلاً، حيث يصعب دمج هذه الأعداد في جيش وطني موحد دون معايير واضحة.
ويرى مراقبون أن قرارات مناوي الأخيرة تأتي في إطار موازنة القوى، خاصة مع انخراط الحركة بشكل مباشر في العمليات العسكرية الجارية، مما يتطلب قيادة ميدانية برتب رفيعة تمتلك صلاحيات واسعة.
وتقرأ الترقيات الأخيرة في حركة جيش تحرير السودان، ومن بينها ترقية “بِشا” و”أبو قرون” إلى رتبة اللواء، في سياق قانوني وسياسي معقد، خاصة عند ربطها بتصريحات رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، الذي أكد مراراً أن قوات حركات الكفاح المسلح تعمل تحت إمرة القوات المسلحة في العمليات الحالية.
وعتبر مراقبون أن هذا الوضع يثير إشكالات قانونية وإدارية عميقة؛ فمن الناحية العسكرية، طالما أن هذه القوات تقاتل تحت قيادة الجيش، فإن القوانين العسكرية (قانون القوات المسلحة السودانية) تقتضي توحيد منظومة القيادة والسيطرة، بما في ذلك ضبط الرتب العسكرية وفقاً للجداول والملاكات المعتمدة، وهو ما يجعل الترقيات المنفردة من قبل قادة الحركات دون تنسيق مع هيئة الأركان خروجاً عن الضبط والربط العسكري وتكريساً لظاهرة “تعدد الجيوش” داخل الجبهة الواحدة.
أما من المنظور القانوني المرتبط باتفاق جوبا للسلام، فإن هذه الترقيات العشوائية تعتبر مخالفة صريحة لبنود “الترتيبات الأمنية”. فالاتفاق ينص على خضوع كافة القوات لعمليات التدقيق والفرز (Screening) قبل الدمج، لتحديد الرتب المستحقة بناءً على التأهيل العسكري والخدمة الفعلية. إن منح رتب قيادية عليا مثل “لواء” خارج إطار اللجنة العسكرية المشتركة يُعد استباقاً لنتائج الدمج وفرضاً لواقع جديد يصعب التعامل معه لاحقاً، حيث ستواجه الدولة معضلة قانونية ومالية في تسوية أوضاع آلاف الضباط الذين نالوا رتباً رفيعة دون اجتياز الدورات الحتمية أو استيفاء شروط القيد الزمني، مما ينسف مبدأ الكفاءة المهنية ويحول المؤسسة العسكرية إلى هيكل متضخم برتب عليا دون قواعد عسكرية متناسبة.
علاوة على ذلك، يبرز التجنيد العشوائي كخطر قانوني إضافي، إذ تمنح القوانين الدولية والمحلية حق التجنيد حصراً لمؤسسات الدولة الرسمية. وإن استمرار الحركات في التجنيد المستقل مع منح الرتب القيادية يضعف من موقف البرهان الذي يحاول تصوير هذه القوات كجزء من كيان الدولة. قانونياً، قد تُفسر هذه التصرفات على أنها بناء “مليشيات موازية” حتى وإن كانت تساند الجيش حالياً، لأن غياب المعايير الموحدة في الترقية والتجنيد يفتح الباب أمام انتهاكات لا يمكن محاسبة مرتكبيها وفق التراتبية العسكرية المعتادة، كما أنه يعرقل أي مسعى مستقبلي لإصلاح القطاع الأمني، حيث ستتحول هذه الرتب إلى أداة للمساومة السياسية والمطالبة بمخصصات مالية وإدارية ترهق خزينة الدولة وتُفقد الرتب العسكرية هيبتها واعتبارها المهني.
المصدر:
الراكوبة