لامست التطورات المتسارعة التي شهدتها كرة القدم الحديثة مختلف جوانب اللعبة، من التحكيم وأساليب التدريب، إلى الخطط التكتيكية واستخدام التكنولوجيا، وصولا إلى الأدوات المساندة مثل الأحذية والكرات ونوعية الألبسة الرياضية.
ولم تقف هذه التحولات عند الجوانب التقنية فقط، بل امتدت إلى الفكر والخطاب الكروي ذاته، وما يحمله من مصطلحات جديدة باتت تعكس مفاهيم مختلفة للأداء داخل الملعب.
وأصبح لاعب كرة القدم اليوم مطالبا بالإحاطة بهذه التحولات، ليس بوصفه منفذا للتعليمات فحسب، بل باعتباره جزءا محوريا من الفكرة التكتيكية.
ولم يعد كافيا أن يعرف اللاعب مركزه التقليدي، بل بات لزاما عليه فهم الدور الوظيفي الجديد المرتبط بمركزه، سواء كان حارس مرمى أو مدافعا أو لاعب وسط أو مهاجما.
في السابق، كان المدربون يكتفون بتقسيم اللاعبين إلى مدافعين ولاعبي وسط ومهاجمين، وهي توصيفات عامة مرتبطة بالتمركز داخل الملعب. ثم تطور الأمر تدريجيا نحو دقة أكبر، فظهرت مسميات مثل قلب دفاع حر، وقلب دفاع مسّاح، وظهير أيمن وأيسر، ولاعب وسط دفاعي وآخر هجومي، وصانع ألعاب، إلى جانب الجناحين والمهاجم.
هذا التطور عكس آنذاك محاولة للجمع بين تموضع اللاعب ودوره الكلاسيكي داخل المنظومة، فكان لكل مركز خصائص جسدية وفنية محددة.
فقلب الدفاع المسّاح، مثلا، اختير تقليديا بناء على القوة البدنية وطول القامة والقدرة على الالتحام والارتقاء لإبعاد الكرات العالية، في حين أسندت لقلب الدفاع الحر مهام القيادة، وضبط خط التسلل، والمساهمة في بناء اللعب، باعتباره آخر المدافعين.
أما في خط الوسط، فقد فرضت الحاجة توصيفا أدق للأدوار، فظهر لاعب الوسط الدفاعي المكلّف بكسر هجمات الخصم وحماية الدفاع، ولاعب الوسط الهجومي الذي يربط بين الخطوط، وصانع اللعب الذي عُدّ العقل المدبر للفريق، وصاحب اللمسة الأخيرة والتمريرات الحاسمة، كما جسد ذلك نجومٌ مثل مارادونا وزين الدين زيدان وميشيل بلاتيني.
اختفاء المصطلحات القديمة غير أن الطفرة الكبيرة في أساليب التدريب والأنظمة التكتيكية خلال العقدين الأخيرين دفعت المنظّرين والمدربين إلى إعادة تعريف المراكز، بل والتخلي عن بعض المصطلحات التي كانت راسخة في القاموس الكروي، مثل المسّاح، وصانع اللعب الكلاسيكي، والوسط الدفاعي والهجومي بمفهومهما التقليدي.
وأحد أبرز الأمثلة على ذلك ما طرأ على مركز قلب الدفاع، حيث اختفى ثنائي "المسّاح" و"الحر"، ليحل محلهما مصطلح محوري الدفاع.
وعند الحديث عن التحولات الكبرى في كرة القدم الحديثة، لا يمكن تجاوز اسم أريغو ساكي، المدرب الإيطالي الذي غيّر قواعد اللعبة وأضاف إليها بعدا فكريا وتكتيكيا غير مسبوق.
قبل ظهور ساكي، كانت أغلب الفرق تعتمد على نظام الليبرو، اللاعب المتأخر قليلا خلف خط الدفاع أو أمامه، بوصفه صمام الأمان الأخير. غير أن المدرب الإيطالي كسر هذه القاعدة، وفتح الباب أمام فهم جديد للمساحات والتحرك الجماعي داخل الملعب.
فلسفة ساكي قامت على مبدأ بسيط في صياغته، عميق في تطبيقه: المسافة بين آخر مدافع وأول مهاجم لا تتجاوز 25 مترا. معنى ذلك أن الفريق يهاجم كتلة واحدة ويدافع كتلة واحدة، دون فواصل بين الخطوط. هنا تحديدا بدأ الابتكار، وهنا تحولت كرة القدم من لعبة مراكز ثابتة إلى منظومة حركة جماعية منسجمة.
اعتمد ساكي في ميلان على خط دفاع رباعي متقدم، ضم فرانكو باريزي، باولو مالديني، أليساندرو كوستاكورتا، وماورو تاسوتي، ليؤسس لواحد من أشهر نماذج الضغط العالي والدفاع المتقدم في تاريخ اللعبة. لم يعد الدفاع انتظاريا، بل صار أداة هجومية بحد ذاته، تبدأ من قطع الكرة في مناطق متقدمة.
وفي خط الوسط، شكّل ثنائي الارتكاز فرانك ريكارد وكارلو أنشيلوتي نموذجا للتكامل في الأدوار، معلنين نهاية التقسيم الكلاسيكي بين لاعب وسط دفاعي وآخر هجومي. في ميلان ساكي، لم يعد هناك لاعب يدافع وآخر يهاجم، بل فريق كامل يتحرك بوصفه وحدة واحدة.
كان أريغو ساكي يؤمن بأن الفوز لا يتحقق بالموهبة الفردية وحدها، بل بالفكر والتنظيم والعمل الجماعي. وكما قال في إحدى عباراته الشهيرة 1989: "لكي تفوز، عليك استخدام عقلك وقدمك معًا، اختر خطواتك بحكمة، وتذكر أن الفريق فقط هو من ينتصر".
بهذه الفلسفة، لم يغيّر أريغو ساكي طريقة لعب ميلان فحسب، بل أعاد صياغة مفاهيم الدفاع والهجوم، ومهّد الطريق لمدارس كروية لاحقة، من بينها برشلونة غوارديولا وألمانيا يواخيم لوف، لتصبح كرة القدم الحديثة مدينة لرجل آمن بأن العقل يسبق القدم.
فرض أسلوب الاستحواذ وبناء اللعب من الخلف نموذجا جديدا للتعامل مع المدافعين. صحيح أن المهمة الأساسية لقلب الدفاع ما زالت تتمثل في حماية المرمى وتغطية العمق وإيقاف خطورة المنافس، لكن الأدوار توسعت بشكل واضح. اليوم، يفضل المدربون وجود محوري دفاع يجيدان اللعب بالقدمين، أو على الأقل أحدهما باليسرى والآخر باليمنى، لما لذلك من أهمية في تحسين جودة الخروج بالكرة وتسهيل البناء عبر الأطراف. كما بات من الشائع أن يتخصص أحد محوري الدفاع في البناء القصير عبر التمرير الدقيق بينه وبين الحارس ولاعبي الوسط والظهيرين.
في المقابل، يُكلَّف المحور الآخر، إضافة إلى واجباته الدفاعية، بلعب دور أكثر تنوعا في البناء، عبر الكرات الطويلة التي تستهدف المساحات خلف دفاع الخصم، سواء باتجاه المهاجمين أو الأجنحة، مستغلا ضغط المنافس أو عملية تدوير اللعب من جهة إلى أخرى.
من مدافع إلى ظهير
لسنوات طويلة، درج مدربو كرة القدم وخبراؤها على استخدام مصطلحي مدافع أيمن ومدافع أيسر، في إطار تقسيم تقليدي لأدوار لاعبي الفريق بين مهام دفاعية وأخرى هجومية.
غير أن تطور اللعبة، وتغير فلسفات اللعب، وارتفاع متطلبات كرة القدم الحديثة، فرضت مراجعة هذا التصنيف، ودفعت إلى اعتماد مصطلح أشمل وأكثر دقة: الظهير.
فمصطلح المدافع، في دلالته الكلاسيكية، يختزل دور اللاعب في الجانب الدفاعي فقط، بينما يعكس مصطلح الظهير طبيعة المهام المركبة التي بات يُطالب بها لاعب الطرف في الخط الخلفي.
إن الظهير الحديث لم يعد مكلفاً فقط بالتغطية الدفاعية وقطع الكرات، بل أصبح عنصراً أساسياً في بناء اللعب من الخلف، وصناعة التفوق العددي في الوسط، وتوفير الحلول الهجومية على الأطراف.
وتعتمد الخطط العصرية بشكل متزايد على الظهيرين في تدوير الكرة، وتبادل الأدوار مع لاعبي الأجنحة، والتقدم لخلق المساحات، سواء عبر الانطلاق في ظهر دفاعات الخصم، أو إرسال العرضيات، أو حتى التسديد والمشاركة في إنهاء الهجمات، كما جسّد ذلك بوضوح البرازيلي داني ألفيش في أوج عطائه.
وتزامن هذا التحول مع انتشار فكرة الأجنحة المقلوبة، حيث يلعب الجناح بقدمه العكسية، ما يدفعه للدخول إلى عمق الملعب بحثاً عن التسديد أو التمرير الحاسم. هذا التحرك يفتح المساحات على الطرف، ويجعل من دور الظهير عاملاً حاسماً في استغلالها، سواء عبر التقدم على الخط أو الاندماج في الهجوم.
في كرة القدم الحديثة، لم يعد الإبداع حكراً على لاعبي الوسط أو الأجنحة، فقد أظهرت تجارب عدة أن الظهير بات أحد أهم مفاتيح صناعة اللعب.
في مانشستر سيتي -على سبيل المثال- تحوّل كايل ووكر وجواو كانسيلو في فترات مختلفة إلى لاعبي وسط إضافيين أثناء الاستحواذ، يشاركان في تدوير الكرة وكسر خطوط الضغط، بدلاً من الاكتفاء بالتمركز على الخط.
هذا التوظيف سمح للفريق بخلق تفوق عددي في العمق، وتحرير لاعبي الوسط المتقدمين من الرقابة، وهو ما جعل الظهير جزءاً من العقل التكتيكي للفريق، لا مجرد منفّذ على الطرف.
مع ارتفاع وتيرة اللعب والاعتماد على الضغط المتقدم، بات الظهير مطالباً بأدوار دفاعية أكثر تعقيداً. فهو أول من يضغط على الجناح المنافس، وآخر من يغطي المساحات خلف الدفاع عند فقدان الكرة. هذا التوازن بين التقدم الهجومي والارتداد السريع جعل من اللياقة البدنية والقراءة الجيدة للعب شرطين أساسيين في الظهير العصري.
ويفسر ذلك تراجع بعض الأظهرة التقليديين، مقابل بروز لاعبين يجمعون بين القوة البدنية، والسرعة، والذكاء التكتيكي، مثل أشرف حكيمي، وثيو هيرنانديز، وترينت ألكسندر-أرنولد.
يُعد ألكسندر-أرنولد أحد أبرز النماذج التي كسرت القالب التقليدي لمركز الظهير. ففي ليفربول، لم يقتصر دوره على إرسال العرضيات، بل تحوّل إلى لاعب صناعة لعب من العمق، بتمركزه بين خطوط الوسط، وقدرته على تمرير الكرات الطولية والحاسمة، ما جعله أقرب إلى صانع ألعاب متأخر حديث ينطلق من الخلف.
هذه التجربة أكدت أن قيمة الظهير لم تعد تُقاس بعدد التدخلات الدفاعية فقط، بل بتأثيره المباشر في نسق اللعب وصناعة الفرص. ورغم شيوع استخدام مصطلح الظهير، فإن ذلك لا يعني اختفاء توصيف المدافع الأيمن أو الأيسر بشكل كامل.
وفي بعض المباريات، ووفقاً لمتطلبات تكتيكية محددة، قد يُطلب من الظهير الالتزام بالأدوار الدفاعية البحتة، ما يعيد توصيفه كمدافع تقليدي.
يبرز مصطلح لاعب الرواق في الأنظمة التي تعتمد على ثلاثي أو خماسي في الخط الدفاعي، مثل (3-5-2) أو (5-3-2) أو (3-4-3).
في هذه الخطط، يحتاج المدرب إلى لاعبين على الطرفين يتحملان كامل المسؤولية الدفاعية والهجومية على الجهتين.
هنا، لا يعود اللاعب ظهيراً بالمعنى التقليدي، بل يصبح لاعب رواق أو لاعب طرف، يجمع بين أدوار الظهير والجناح في آن واحد. فهو يغطي المساحة كاملة، من الخط الخلفي حتى الثلث الهجومي، كما كان الحال مع الكولومبي خوان كوادرادو والبرازيلي أليكس ساندرو في يوفنتوس تحت قيادة أنطونيو كونتي بنظام (3-5-2).
كونتي قاد فريقه يوفنتوس لنيل لقب الأسكوديتو في 2013 (الفرنسية)في الأنظمة ذات الثلاثة مدافعين، يُعد لاعب الرواق من أكثر المراكز تطلباً بدنياً وتكتيكياً. فهو مطالب بتغطية الخط كاملاً، والقيام بالأدوار الدفاعية عند الارتداد، والهجومية عند التقدم، دون وجود جناح صريح أمامه في كثير من الأحيان.
ولهذا يفضّل المدربون في هذا المركز لاعبين يملكون خبرة اللعب في مركزي الجناح والظهير معاً، كما فعل سيموني إنزاغي المدرب السابق لإنتر ميلان، حيث يُبنى جزء كبير من المنظومة الهجومية عبر لاعبي الرواق.
يعتبر خط الوسط أكثر الخطوط تعرضاً لهذه التحولات بعد أن كان التصنيف الكلاسيكي يقسم لاعبي الوسط إلى وسط دفاعي ووسط هجومي وصانع لعب، ظهرت أدوار جديدة أبرزها:
هو اللاعب الذي يمشط وسط الميدان من منطقة جزاء فريقه إلى منطقة جزاء الخصم، وتتنوع أدواره بحسب حالة اللعب. كما يشارك في بناء اللعب والانتقال بين الخطوط الثلاثة ويتواجد في منطقة الجزاء للتسجيل أو التمرير الحاسم.
يشارك في الالتحامات الثنائية والصراعات الهوائية، ويكون أول لاعبي الوسط في المساندة الدفاعية والتغطية.
مصطلح إيطالي يُطلق على لاعب الوسط المنظِّم للعب، غالباً ما يتمركز أمام خط الدفاع مباشرة أو في عمق الوسط، كما كان يفعل أندريا بيرلو.
دوره الرئيسي: استلام الكرة من الدفاع، توزيع اللعب، التحكم في إيقاع الفريق، بدء الهجمات الطويلة، وقراءة المباراة.
يختلف عن لاعب الوسط الدفاعي التقليدي في أن التركيز هنا على الإبداع من العمق أكثر من الاندفاع البدني.
يشبه هذا الدور لاعب الوسط الدفاعي الكلاسيكي في حماية الدفاع وتنظيم البناء من الخلف، لكنه أقل حرية في الوسط مقارنة بالريجستا، ولا يشمل عادة إرسال الكرات الطويلة أو ضبط الإيقاع الكامل.
يلعب في نصف ملعب المنافس غالباً، ويكون مسؤولا عن الانطلاق بالهجمة وتطويرها والمساهمة في إنهائها.
يختلف عن صانع اللعب التقليدي (No.10) الذي يتحكم في إيقاع اللعب ويبني الهجمات من العمق.
لاعب يشغل طرف الملعب في الهجوم دون أن يكون جناحاً تقليدياً على الخط.
يختلف عن الجناح الحقيقي الذي يفتح الملعب لاستغلال المساحات مثل (لامين جمال و رافينيا مع برشلونة وصلاح وماني سابقاً مع ليفربول كأسلوبين تقليدين إلى الآن).، بينما الجناح الوهمي يتموضع بين الوسط والخط ليكون لاعب وسط هجومي أكثر من جناح.
ويظهر الجناح الوهمي غالباً في أنظمة 4-4-2 و4-2-3-1.
والمهاجم الصريح هو رأس الحربة التقليدي الذي يركز على التمركز أمام المرمى وتسجيل الأهداف.
بينما المهاجم الوهمي (False 9) هو من يتحرك بين الخطوط لسحب المدافعين وخلق المساحات لزملائه، ويجمع بين دور المهاجم وصانع الألعاب، لكنه يركز على ربط الوسط بالهجوم وصناعة الفرص أكثر من إنهاء الهجمات بنفسه.
واخترع هذا الدور اللاعب النمساوي ماتياس زينديلار حين لعب لأندية نمساوية في العشرينات والثلاثينات، بينما أفضل مثال حديث هو ليونيل ميسي في برشلونة تحت قيادة بيب غوارديولا.
وأمثلة أخرى: أنطوان غريزمان مع أتلتيكو مدريد، روبيرتو فيرمينو مع ليفربول، كاي هافيرتز مع تشلسي.
روبرتو فيرمينو أبرز من تألقوا في مركز المهاجم الوهمي (غيتي)وكأبرز مثال عن المهاجمين الصريحين يمكن أن نذكر روميلو لوكاكو، أوليفر جيرو، روبرت ليفاندوفسكي، إيرلينغ هالاند.
احتفال جيرو بأحد أهدافه في مونديال قطر (الفرنسية)في كرة القدم الحديثة، لم تعد المراكز مجرد خطوط على الملعب، بل قصص تتحرك مع كل تمريرة وكل خطوة. المدافع لم يعد حصناً دفاعياً فقط، وصانع اللعب لم يعد يجلس في العمق بلا تحرك، والمهاجم لم يعد فقط ساعياً وراء الكرة في منطقة الجزاء.
من صانع اللعب المتأخر الذي يوجه الإيقاع من الخلف، إلى الأظهرة التي تصنع اللعب، والجناح الوهمي الذي يخلّق المساحات، كل لاعب أصبح جزءاً من آلة تكتيكية متقنة.
التحولات الحديثة تؤكد شيئاً واحداً: العقل يسبق القدم، والفكر الجماعي أهم من المهارة الفردية. وكل مباراة، مهما كانت بسيطة أو كبرى، تصبح لوحة فنية متحركة، يحكي فيها كل لاعب دوره، ليبقى ملعب كرة القدم مسرحاً مفتوحاً للإبداع والتفكير الذكي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة