آخر الأخبار

كيف بنيت القارات؟ اكتشاف عميق يعيد رسم تاريخ الأرض

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

كشفت دراسة جديدة نشرت يوم 5 مايو/أيار في مجلة "نيتشر جيوساينس" عن آلية جيولوجية عميقة قد تغير فهم العلماء لكيفية نشأة القارات وتطورها عبر تاريخ الأرض.

وتشير الدراسة إلى أن أجزاء من القشرة القارية التي تنغرز إلى أعماق كبيرة أثناء تصادم القارات لا تختفي بالكامل داخل باطن الأرض، كما قد يتصور، بل يمكن أن تعود جزئيا إلى أعلى وتلتحم من جديد بقاعدة القشرة، في عملية تعرف باسم "إعادة الترصيف" أو "إعادة الترقق العميق".

وتساعد هذه العملية، بحسب الباحثين، على تكوين مصادر جديدة للصهارة تجمع بين مكونات القشرة القارية ومكونات الوشاح، وهو الجزء العميق والحار من الأرض الواقع تحت القشرة.

وبعبارة أبسط، لا تعمل الأرض كنظام يدفن الصخور القديمة فقط، بل يعيد تدويرها بطرق معقدة، فتغوص بعض المواد إلى الأعماق، ثم تعود لتشارك مرة أخرى في بناء القارات وتكوين الصخور الجديدة.

مصدر الصورة عندما تتصادم القارات، يمكن أن تنضغط الصخور بقوة وتندفع أجزاء من القشرة القارية إلى أسفل (شترستوك)

كيف تعود القشرة من الأعماق؟

اعتمدت الدراسة على مزيج من النماذج الحاسوبية والتجارب المعملية عالية الضغط والحرارة، لفهم ما يحدث عندما تتصادم القارات وتدفع أجزاء من القشرة إلى أعماق كبيرة. وحسب المؤلفين، فإن هذه المقاربة مهمة لأنها تجمع بين المحاكاة النظرية لما يحدث في باطن الأرض، وبين تجارب تحاول إعادة إنتاج بعض هذه الظروف داخل المختبر، وهي ظروف شديدة القسوة لا يمكن ملاحظتها مباشرة.

يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة، دانيال جوميز فروتوس، الباحث في معهد الأرض والبيئة بجامعة بورتسموث في المملكة المتحدة، أنه عندما تتصادم القارات، كما حدث مثلا في مناطق تكون الجبال الكبرى، يمكن أن تنضغط الصخور بقوة وتندفع أجزاء من القشرة القارية إلى أسفل.

ويضيف: "لكن القشرة القارية تختلف عن كثير من صخور الوشاح؛ فهي أخف نسبيا وغنية بالسيليكا، ولذلك لا تغوص دائما إلى الأعماق بشكل نهائي. ومن ثم، فإن بعض هذه المواد القشرية قد تنفصل عن الأجزاء الأثقل، ثم تبدأ في الطفو تدريجيا نحو أعلى، مثل جسم أخف يتحرك داخل وسط أكثر كثافة".

إعلان

ويقول فروتوس في تصريحات للجزيرة نت، إن هذه المواد عندما تعود إلى قاعدة الصفيحة التكتونية العلوية، لا تعود كما كانت تماما، بل تتفاعل مع صخور الوشاح المحيطة بها. وهنا تنشأ منطقة مختلطة أو هجينة، تجمع بين خصائص القشرة والوشاح. وهذه المنطقة يمكن أن تصبح لاحقا مصدرا للصهارة، أي الصخور المنصهرة التي تصعد في بعض الحالات إلى أعلى وتبرد لتكون صخورا نارية جديدة.

وتكمن أهمية هذه الفكرة، وفقا للباحث، في أنها تقدم تفسيرا لكيفية استمرار بناء القارات عبر الزمن؛ فالقارات لا تتشكل فقط بإضافة مواد جديدة من الوشاح، ولا بمجرد تراكم الصخور على السطح، بل أيضا عبر إعادة تدوير مواد قشرية قديمة عادت من أعماق الأرض، ثم امتزجت بمواد وشاحية أكثر عمقا.

حل لغز الصهارة بعد تصادم القارات

لعقود، لاحظ الجيولوجيون أن بعض الصخور التي تتكون بعد تصادم القارات تحمل بصمة كيميائية مزدوجة؛ فهي لا تبدو قشرية بالكامل، ولا وشاحية بالكامل، بل تحمل صفات من الاثنين معا.

كان السؤال المطروح: من أين جاءت هذه الصهارة المختلطة؟ تقدم الدراسة تفسيرا لهذا اللغز، إذ يرى المؤلفون أن عملية إعادة الترصيف تخلق مصدرا هجينا للصهارة. ففي هذا المصدر، تختلط مواد قادمة من القشرة القارية الغارقة مع صخور الوشاح، ثم تنصهر جزئيا تحت درجات حرارة وضغوط مرتفعة، منتجة صهارة لها تركيبة كيميائية مميزة.

ولاختبار هذه الفكرة، أجرى الباحثون تجارب معملية خلطوا فيها مواد تمثل القشرة القارية مع صخور من الوشاح، مثل صخر البيريدوتيت، تحت ضغط وحرارة مرتفعين.

وأظهرت النتائج أن الصهارة الناتجة تشبه في خصائصها كثيرا صخورا طبيعية معروفة بأنها تكونت في بيئات ما بعد التصادم القاري. كما حملت هذه الصهارة نسبا مميزة من عناصر مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم، وهي عناصر تساعد الجيولوجيين على تتبع مصدر الصخور وفهم تاريخها.

وتشير الدراسة إلى أن هذه العملية لا تفسر فقط ظواهر محلية أو حديثة، بل قد تكون لعبت دورا طويل الأمد في تاريخ الأرض. فالباحثون يرجحون أن إعادة الترصيف وتفاعل القشرة مع الوشاح كانا نشطين منذ مراحل مبكرة جدا من تاريخ الكوكب، ربما منذ العصر الأركي قبل أكثر من 2.5 مليار سنة.

وإذا صح ذلك، فإن هذه الآلية قد تكون من العمليات الأساسية التي ساعدت في نمو القارات وتطور تركيبها عبر مليارات السنين.

ورغم أهمية النتائج، يشير الباحثون إلى أن الدراسة لا تقدم الصورة النهائية الكاملة لهذه العملية، لأن ما يحدث في باطن الأرض شديد التعقيد. فالنماذج التي استخدمها الفريق تعتمد على محاكاة ثنائية الأبعاد، بينما تحدث العمليات الجيولوجية الحقيقية في فضاء ثلاثي الأبعاد أكثر تعقيدا، يتضمن حركة الوشاح، وزوايا مختلفة لانغراز الصفائح، وتغيرات كبيرة في الضغط والحرارة من مكان إلى آخر.

كما أن النماذج تبسط بعض مراحل الانصهار والتفاعل الكيميائي بين القشرة والوشاح، وهو أمر شائع في الدراسات التي تحاول تمثيل عمليات عميقة ومعقدة. أما التجارب المعملية، فرغم أهميتها، فقد أجريت تحت ظروف محددة من الضغط والحرارة، ولا يمكنها أن تمثل كل البيئات الجيولوجية الممكنة. لذلك، يؤكد الباحثون الحاجة إلى نماذج أكثر تطورا وتجارب إضافية لفهم هذه العملية بدرجة أدق.

إعلان

ووفقا للمؤلف الرئيسي للدراسة، فإن هذا العمل أنجز بدعم من مؤسسات أكاديمية وبحثية أوروبية، من بينها المجلس الأعلى للبحث العلمي في إسبانيا وجامعة "إي تي إتش زيورخ" (ETH Zurich)، في إطار تعاون دولي يجمع بين الجيولوجيا التجريبية والنمذجة الحاسوبية وعلوم الأرض العميقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار