عزت تقارير الطقس موجة الغبار التي شهدتها العديد من دول المنطقة مؤخرا، بالإضافة إلى بعض دول شرق المتوسط، إلى مصدر رئيسي، وهو "الصحراء الليبية".
وكشفت تلك التقارير التي اعتمدت على تحليل صور الأقمار الاصطناعية أن موجة الغبار انطلقت من عمق الصحراء الليبية، لتدفعها رياح جنوبية إلى جنوبية غربية نشطة عبر شمال أفريقيا باتجاه شرق البحر الأبيض المتوسط وبلاد الشام، لتسود أجواء مغبرة 11 دولة هي مصر، والسودان، وتشاد، واليونان، وقبرص، والأردن، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، والسعودية، إضافة إلى العراق.
ومسؤولية الصحراء الليبية عن الأجواء المغبرة في دول المنطقة وبعض دول شرق المتوسط، ليست حدثا طارئا يرتبط بالحالة المناخية الأخيرة، بل هو نمط صار معتادا في الطقس كشفت عنه العديد من الدراسات، ومنها دراسة تعود إلى عام 1982، حيث كشفت تلك الدراسة المنشورة بدورية "أتموسفيرك إنفايرنمنت" (Atmospheric Environment)، أن نحو 70 مليون طن من الغبار الصحراوي تتحرك سنويا شرقا من الصحراء الكبرى، في اتجاه منطقة شرق البحر المتوسط.
وأظهرت النتائج أن حوالي ثلث هذه الكمية، أي ما يقارب 23 مليون طن، ينجح في الوصول إلى سواحل شرق المتوسط، بعد أن يقطع مسافة تصل إلى نحو 2000 كيلومتر من مصدره في الصحراء، ما يعكس قدرة الغبار الصحراوي على الانتقال لمسافات بعيدة تحت تأثير الأنظمة الجوية.
وقبل نحو 20 عاما قدمت دراسة بريطانية نشرتها نفس الدورية "أتموسفيرك إنفايرنمنت" (Atmospheric Environment)، شرحا تفصيليا لحركة انتقال الغبار من ليبيا.
ووصفت تلك الدراسة شمال أفريقيا بأنها أكبر مصدر عالمي للغبار الصحراوي المحمول عبر الغلاف الجوي، وفي القلب منه الصحراء الكبرى في ليبيا التي تسهم بنحو نصف كميات الغبار المترسبة في محيطات العالم.
وتشير إلى أن ليبيا تمثل إحدى أكثر مناطق الصحراء نشاطا في إنتاج الغبار، ليس فقط في عمقها الصحراوي، بل أيضا في مناطقها الساحلية التي تُعد من أكثر بؤر انبعاث الغبار كثافة على مستوى الصحراء الكبرى.
وكشفت بالاعتماد على الرصد الميداني على مدار عام كامل، امتد من الساحل الليبي حتى عمق الصحراء، أن معدلات ترسيب الغبار في بعض المناطق الليبية تعد الأعلى، مقارنة بباقي مناطق شمال أفريقيا.
ولا يتوقف دور ليبيا، وفق الدراسة، عند كونها مصدرا رئيسيا للغبار، بل تمتد أهميتها إلى كونها ممرا محوريا لحركة التيارات الهوائية المحملة بالجسيمات الدقيقة، خاصة خلال فصل الربيع، حيث تنشط الرياح الجنوبية والجنوبية الغربية، وهي نفس الأنماط الجوية التي دفعت بالموجة الغبارية الأخيرة نحو شرق البحر المتوسط وبلاد الشام، وتؤكد هذه المعطيات أن ما رصدته الأقمار الاصطناعية مؤخرا يتسق مع أنماط مناخية معروفة ومدروسة علميا.
كما توضح الأبحاث أن الجزء الأكبر من الغبار الصحراوي يترسب خلال أول ألفي كيلومتر من نقطة انطلاقه، ما يجعل ليبيا لا تعمل فقط كمصدر للغبار، بل أيضا كمستقبل له، حيث تتجمع فيها كميات كبيرة من الجسيمات المحمولة جوا قبل أن تواصل رحلتها لمسافات أبعد.
وفي تفسير أكثر عمقا للموجة الغبارية الأخيرة التي انطلقت من الصحراء الليبية وامتدت إلى عدد كبير من دول المنطقة، تبرز أهمية مؤشر علمي حديث لرصد حركة الغبار الصحراوي عبر البحر المتوسط، وهو ما يساعد على فهم الكيفية التي تحولت بها هذه الموجة إلى ظاهرة إقليمية واسعة بهذا الشكل.
ويعتمد هذا المؤشر الذي طوره فريق أبحاث الغلاف الجوي بمعهد البحوث البيئية والتنمية المستدامة بأثينا في اليونان، على تحليل بيانات طويلة المدى تمتد لأكثر من عقدين، ويجمع بين عدة عوامل رئيسية تشمل كثافة الغبار في الغلاف الجوي، وتركيز الجسيمات الدقيقة قرب سطح الأرض، إلى جانب أنماط حركة الرياح والمؤشرات المناخية الكبرى المؤثرة في المنطقة. هذا الدمج بين العوامل المختلفة يفسر بدقة ما شهدته الحالة الأخيرة من انتقال سريع ومنتظم للغبار عبر مسافات شاسعة.
وتُظهر نتائج دراسة أجريت باستخدام هذا المؤشر نشرتها دورية "كلايمت" (Climate)، أن ذروة نشاط الغبار عادة ما تتزامن مع فصلي الربيع والصيف، وهي الفترة نفسها التي نشطت خلالها الرياح الجنوبية والجنوبية الغربية في الأيام الماضية، ما أدى إلى دفع كميات ضخمة من الغبار من شمال أفريقيا، مرورا بليبيا، وصولا إلى شرق المتوسط وبلاد الشام، وهو ما يتطابق بشكل واضح مع مسار الموجة الغبارية التي رُصدت مؤخرا عبر صور الأقمار الاصطناعية.
ويبقى السؤال عن كيفية تحرك تلك العواصف الغبارية؟ وهو ما تجيب عنه عضو المكتب الإعلامي بهيئة الأرصاد الجوية المصرية الباحثة منار غانم، التي كشفت عن أن الفارق الحراري بين الكتل الهوائية يلعب الدور الحاسم في تحريك هذه العواصف.
وقالت منار للجزيرة نت، إن الهواء الساخن يندفع فوق الصحراء الأفريقية باتجاه الكتل الهوائية الأبرد في شمال المتوسط، خاصة خلال الفترات الانتقالية بين الفصول، ما يؤدي إلى نشوء رياح قوية قادرة على حمل كميات ضخمة من الرمال والغبار لمسافات بعيدة، وهذه الآلية تُعد من أبرز المحركات الطبيعية لنقل الغبار الصحراوي خارج نطاقه الجغرافي.
وتضيف أن هذه الآلية مرشحة للتأثر بتغير المناخ خلال السنوات المقبلة، ما يعني انطلاق مزيد من العواصف، إذ قد يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الجفاف في شمال أفريقيا إلى تعزيز قدرة الرياح على حمل الغبار، ما يجعل العواصف الترابية أكثر شدة واتساعا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة