ليس كل ما يخوضه الإنسان يُرى ولا كل ما يؤلمه يُقال ، فثمة معارك تدور في أعماق البشر بصمت ، لا يُسمع لها ضجيج ولا تظهر لها ندوب ، ومع ذلك قد تستنزف من الروح ما لا تستنزفه أشد المعارك ظهوراً !

نلتقي بأصحابها في الطرقات ومجالس العمل وبين الأصدقاء ، فنرى وجوهاً هادئة ونسمع أصواتاً طبيعية ، ولا ندري أيَ أثقال تخفيها تلك الطمأنينة الظاهرة ، ولا كم من الانكسارات لملمها أصحابها قبل أن يخرجوا إلينا بهذا التماسك ، ولعل هذا وحده سببٌ كافٍ لأن نكون أكثر لطفاً مع بعضنا البعض .

إن الإنسان لا يصل إلينا حاملاً سيرته كاملة ، ولا يضع أمامنا قائمةً بما فقد وما قاوم ، وما أخفاه كي يستطيع مواصلة يومه ، نحن نلتقي منه بالجزء الظاهر فقط ، ثم نقع أحياناً في خطأ بالغ القسوة وهو أن نحكم على الكل من خلال الجزء .

نرى موقفاً فنُصدر حكماً ، ونشهد عثرةً فنصنع منها وصفاً دائماً ، ونلمح تقصيراً فننسى تاريخاً كاملاً من المحاولات ، وما أظلم الأحكام حين تُبنى على مشهدٍ ناقص ، فخلف كل تصرف حكاية قد لا نعرفها ، وخلف بعض الصمت تعب ، وخلف بعض الغياب إنطفاء ، وخلف بعض الحِدّة وجعٌ لم يجد صاحبه لغةً أفضل ليُعبّر عنه .

ومن هنا نخلُص إلى أن ترك البحث في خفايا الناس أكثر من مجرد خُلُق ، فالانشغال بعثرات الآخرين قد يمنح الإنسان وهماً بالتفوق ولكنه لا يجعله الأفضل ، ومن يُطيل النظر في نقائص الناس قد ينسى أن في نفسه ما يستحق النظر ، وأن العمر الذي يُهدر في تفتيش خبايا الآخرين كان أولى أن يُصرف في تهذيب الذات .

الحقيقة أن الإنسان كلما ازداد وعياً بنفسه قلَّت رغبته في محاكمة غيره ، لأنه يعرف مقدار ما يُخفيه هو عن العالم ويُدرك بالضرورة أن للآخرين أيضاً مساحات مخفيه لا تُرى .

ثم إن أجمل التحولات التي يبلغها الإنسان هي تلك اللحظة التي يتحول فيها بصره من الخارج إلى الداخل ، حينها سيتوقف عن السؤال : لماذا أخطأ فلان ؟

ويبدأ بالسؤال : ماذا ينبغي أن أصلح في نفسي؟

حينها سيصبح أكثر انشغالاً بتهذيب طبعه من تقويم طباع الآخرين ، وأكثر حرصاً على مراجعة كلماته من إحصاء كلماتهم ، وأكثر خوفاً من أثره في الناس من خوفه على صورته أمامهم .

ولعل أسمى ما يمكن أن يصل إليه المرء ألا يكون سبباً في زيادة ثقل الحياة على أحد ، وحين لا نستطيع أن نحمل عن الآخرين معاركهم ، فلنحرص على ألا نكون معركةً أخرى في حياتهم .