لم يعد الدفاع عن الأوطان محصورًا في حدودٍ يحرسها جندي، ولا في سلاحٍ يحمله مقاتل؛ فهناك حدودٌ أخرى تُرسم في الوعي، ومعاركُ تُدار بالكلمة والصورة والمعلومة.

ولهذا لم يعد الإعلامي الوطني وصانع المحتوى المسؤول مجرد ناقلٍ للحدث، بل أصبح أحد حرّاس الصورة الوطنية؛ يبرز المنجز، ويصحح المعلومة، ويفكك الشائعة، ويقدم وطنه للعالم كما هو: قويًا بإنجازه، راسخًا بقيمه، واثقًا بمستقبله.

وقد قال فرانسيس بيكون: «المعرفة قوة»؛ وفي عصر الإعلام المفتوح لا تكفي الحقيقة وحدها، بل يجب أن نُحسن روايتها، ونقدمها قبل أن تسبقها الرواية الزائفة.

وفي المملكة اليوم نخبة من الإعلاميين والكتّاب وصنّاع المحتوى والمؤثرين، يملكون حضورًا واسعًا وقدرةً على الوصول إلى الملايين. وهذه قوة وطنية ناعمة متى اجتمع فيها الوعي والمهنية والمصداقية تحولت من حضورٍ شخصي إلى أثرٍ يخدم الوطن.

ومن هنا أطرح فكرة إنشاء «منصة الأثر الإعلامي الوطني» تحت مظلة وزارة الإعلام؛ منصة لا تقيس الإعلامي بعدد متابعيه، ولا تمنحه قيمته بضجيج حضوره، وإنما بما صنعه من أثر، وما قدمه لوطنه من محتوى صادق، وما أسهم به في إبراز المملكة والدفاع عن حقيقتها بالحجة والصورة والمعلومة.

القيمة في الأثر… لا في الضجيج.

وتكون للمنصة معايير واضحة للترشيح والعضوية، تقوم على جودة المحتوى، والمصداقية، وخدمة الصورة الوطنية، واحترام المهنية، والقدرة على مواجهة التضليل دون تهور أو إسفاف.

ولا تكون العضوية وسامًا شرفيًا، بل مسؤولية وتأهيلًا والتزامًا؛ عبر برامج في الاتصال الوطني، والتحقق من المعلومات، وإدارة الأزمات الإعلامية، وصناعة المحتوى الدولي، ومواجهة الشائعات، والتعريف بإنجازات الوطن بلغة الرقم والصورة والوثيقة.

والأهم ألا تتحول هذه المنصة إلى نادٍ للأسماء المعروفة، بل تفتح أبوابها لكل من أثبت أثره.

نريدها منصةً تكتشف المخلص قبل أن يشتهر، وتؤهل الموهوب قبل أن يتصدر، وتحول الانتشار من رقمٍ إلى مسؤولية.

لقد تغيرت ساحات المواجهة؛ فقد تبدأ الإساءة إلى وطن من هاتف، وتنطلق الشائعة من حساب مجهول، ثم تتحول خلال ساعات إلى رأي عام مزيف.

حين تصبح الصورة أسرع من الحقيقة، يصبح حارس الحقيقة ضرورة وطنية.

والجندي الذي يقف على الحدود يحرس الأرض بسلاحه، والإعلامي الوطني يحرس الوعي والصورة بالكلمة والمعلومة.

هذا يحرس الأرض… وذاك يحرس الوعي والصورة.

إن المملكة التي تبني مدن المستقبل، وتستضيف العالم، وتفتح أبوابها للاقتصاد والسياحة والثقافة والرياضة والتقنية، تحتاج بالتوازي إلى حضور إعلامي واعٍ، يواجه المعلومة بالمعلومة، والحجة بالحجة، والصورة المشوهة بالصورة الحقيقية.

نحتاج إلى أصوات تقول للعالم بثقة:

هذه السعودية… كما هي، لا كما يريد الآخرون أن يصوروها.

وهنا تصبح «منصة الأثر الإعلامي الوطني» أكثر من مجرد منصة؛ تصبح مشروعًا لصناعة الوعي، وحماية الحقيقة، وإبراز المنجز.

فثمة من يحرس الوطن بسلاحه، وثمة من يحرس صورته بقلمه وعدسته وصوته… والوطن بحاجة إلى كليهما.