آخر الأخبار

الأسر المنتجة تنتظر التنظيم

شارك
في مشهد بات يلفت أنظار زوار منطقة البسطات في أبحر شمال جدة، لم تعد «البسطة» نشاطًا يقتصر على أصحاب الدخل المحدود أو الباحثين عن مصدر رزق يومي، بل شهدت دخول مستثمرين وأشخاص ميسوري الحال، بعضهم يملك شركات أو سجلات تجارية قائمة، اختاروا خوض تجربة البيع عبر البسطات من باب التجربة الاجتماعية أو «البرستيج». هذا التحول أثار جدلًا واسعًا حول أبعاد الظاهرة وانعكاساتها على صغار الباعة وطبيعة النشاط نفسه.

أطعمة ومشروبات

أوضح أبو محمد، صاحب بسطة في أبحر، أن البسطات ارتبطت تاريخيًا بأصحاب الدخل المحدود، خصوصًا خلال المواسم ذات الحركة الشرائية المرتفعة مثل شهر رمضان، إلا أن الفترة الأخيرة شهدت تحوّلًا ملحوظًا بدخول بعض الميسورين إلى هذا المجال، عبر تقديم منتجات مغلّفة بعناية أو أطعمة ومشروبات تُسوَّق بأساليب حديثة لجذب الزوار.


وفي السياق ذاته، قال أحد الباعة القدامى في بسطات أبحر، محمد باعمر: «كنا نبيع بشكل بسيط ونرضى بالقليل، لكن اليوم هناك من يملك رأس مال كبير، يشتري بكميات ضخمة للبسطة، ويعرض بأسعار منافسة، إضافة إلى استئجار عمالة لتنظيمها». وأوضح أن هذا العام شهد بروز ظاهرة دخول أبناء بعض الأثرياء لتجربة البيع عبر البسطات، خاصة في منطقة أبحر، ما أدى إلى منافسة قوية مع الباعة البسطاء.

وطالب باعمر بضرورة تنظيم نشاط البسطات، بحيث يقتصر الترخيص على أصحاب الدخل المحدود أو الأسر المنتجة، مع إصدار تصاريح مخصصة لهذه الفئات، حفاظًا على هدف هذا النشاط.

منافسة غير متكافئة

يرى اقتصاديون أن دخول أصحاب رؤوس الأموال إلى قطاع البسطات يخلق فجوة واضحة في القدرة التنافسية. فالبائع البسيط يعتمد غالبًا على مدخراته المحدودة، بينما يستطيع المستثمر المقتدر تحمّل الخسارة المؤقتة بهدف الانتشار أو بناء علاقة اجتماعية مع أن الاقتصاد الحر يتيح لأي شخص ممارسة النشاط التجاري وفق الأنظمة، لكن الإشكالية تكمن في العدالة التنافسية. حين يتحول نشاط صُمم أساسًا لدعم محدودي الدخل إلى مساحة مفتوحة للمقتدرين، فإن ذلك قد يغيّر طبيعته الاجتماعية.

بين التجربة والاستثمار

في المقابل، يؤكد أحد أبناء التجار الذين دخلوا هذا المجال - تحتفظ «الوطن» باسمه: أن الأمر لا يتعلق بمزاحمة أحد، بل بتجربة تسويقية مختلفة أو دعم للمشاريع الصغيرة عبر توظيف شباب وشابات للعمل في هذه البسطات، موضحا أن دخوله لعالم البسطات الرمضانية جاء من باب التغيير والاختلاط بالمجتمع كنوع جديد من «البرستيج» الذي يظهر فخامة ما يقدمه من أطباق مختلفة ومتنوعة حازت على إعجاب الكثير.

أحد المستثمرين الشباب عادل طلعت أشار إلى أن البسطة منصة مباشرة للتواصل مع العملاء، واختبار المنتجات الجديدة دون تكاليف تشغيل عالية كما في المحلات الكبرى، مضيفًا أن السوق يتسع للجميع، وأن الجودة والسعر هما الفيصل.

أبعاد اجتماعية

أشار المستشار الأسري عبد الرحيم الأحمدي إلى أن البعض يعبّرون عن قلقهم من أن تتحول البسطات من رمز للكفاح الشعبي إلى ساحة استثمار تنافسية قد تُقصي الفئات الأكثر احتياجًا، مضيفا أن تنظيم النشاط ومنح الأولوية في بعض المواقع للمستفيدين من الضمان الاجتماعي أو الأسر المنتجة قد يحقق التوازن المطلوب، حيث تتميز جدة كل رمضان بالفعاليات الموسمية والواجهات البحرية، وتشهد إقبالًا كبيرًا على البسطات المتنوعة من المأكولات الشعبية إلى الإكسسوارات والمنتجات اليدوية، ما يجعلها فرصة مغرية لأي مستثمر يبحث عن عائد سريع وحضور مباشر في السوق.

تنظيم يحسم الجدل

من جانبها، أوضحت أم محمد من الأسر المنتجة أن الحسم في يد الجهات المنظمة، عبر وضع اشتراطات واضحة تضمن عدم الإضرار بصغار الباعة، وفي الوقت ذاته تفتح المجال للابتكار والتطوير.

وبين من يراها فرصة اقتصادية مشروعة، ومن يعتبرها مزاحمة غير عادلة، تبقى "بسطة جدة" مرآة لتحولات أوسع تشهدها المدينة، لكن لابد من إعطاء محدودي الدخل والأسر المنتجة فرصة خاصة في المواسم كشهر رمضان باعتباره مصدر دخل لهم.

الوطن المصدر: الوطن
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا