آخر الأخبار

مليونا قتيل وجريح ومفقود.. كيف تستنزف روسيا وأوكرانيا أجيالهما المقبلة؟

شارك

إذا كنت ممن يطالعون أخبار العالم باستمرار، فستجد نصيبا لا بأس به للحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، ففي أيام قلائل ستصادف عشرات الأخبار عن انفجارات وإسقاط مسيّرات واستهدافات لمواقع عسكرية وأخرى اقتصادية وحتى مدنية.

ستجد أيضا حديثا عن تكلفة اقتصادية تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات التي أُنفقت على التسليح، وعن المدن والمنشآت التي تعرضت للتدمير، وعن مساحات الأرض التي انتقلت من طرف إلى آخر.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 روسيا ترحّب بمقترح ترمب "الجيد" حول هدنة في قطاع الطاقة مع أوكرانيا
* list 2 of 2 المسيّرات الأوكرانية تخفض إنتاج نصف مصافي الديزل الروسية end of list

ومع ذلك دعني أخبرك أن هذا ليس هو الأمر الأسوأ في الحرب المستمرة منذ فبراير/شباط 2022، والتي اندلعت شرارتها فعليا في الشهر نفسه من عام 2014 عندما شنت روسيا هجوما للسيطرة على شبه جزيرة القرم.

ففي العام الخامس للحرب، تبرز تكلفة ربما تكون أبعد أثرا من كل ذلك، وهي استنزاف الرصيد البشري في بلدين يعانيان أصلا من تراجع المواليد وشيخوخة السكان، وفي قارة تواجه أزمة ديموغرافية متصاعدة جعلتها توصف بالقارة العجوز.

يتفاخر المتحاربون بالخسائر التي ألحقها كل طرف بالآخر، وهذه طبيعة الحروب، لكن أرقاما توالت هذا العام، وبعضها في بداية هذا الأسبوع تكشف جانبا أكبر من حجم المأساة التي لا يبدو واضحا إن كان العالم المتحضر مدركا لها أم لا.

الحديث عن الخسائر البشرية لم يعد بالعشرات أو المئات أو حتى الآلاف، بل أصبحت لفظة المليون حاضرة في حرب تجمع بين بلدين جارين، بل وكانا ضمن دولة واحدة هي الاتحاد السوفيتي على مدى سبعين عاما امتدت من 1922 إلى نهاية عام 1991.

مصدر الصورة يقول الجيش الأوكراني إن عدد قتلى وجرحى العسكريين الروس منذ بداية الحرب وصل إلى مليون ونصف (رويترز)

خسائر بالجملة

قبل أيام، أصدر الجيش الأوكراني بيانا تحدث فيه عن خسائر ألحقها بالجانب الروسي منذ بداية الحرب في 2022، وشمل ذلك تدمير 12338 دبابة، و25290 مركبة قتالية مدرعة، و49383 نظام مدفعية، و2105 من أنظمة راجمات الصواريخ متعددة الإطلاق، و1613 من أنظمة الدفاع الجوي.

إعلان

كما تحدث البيان عن تدمير 441 طائرة حربية روسية، و355 مروحية، و506188 طائرة مسيّرة، و5103 صواريخ كروز، و35 سفينة حربية، وغواصتين، و146008 من المركبات وخزانات الوقود، و4650 من وحدات المعدات الخاصة.

لكننا سنترك هذا جانبا فهو ينال حظه دائما من التغطية الإخبارية الآنية، وسنركّز على رقم صادم يتعلق بالخسائر البشرية، حيث يقول الجيش الأوكراني إن عدد قتلى وجرحى العسكريين الروس منذ بداية الحرب وصل إلى مليون ونصف، بل تجاوز هذا بقليل، وإن شئت الدقة فالرقم من سبع خانات وهو 1500870 عسكريا.

قبل أيام أيضا، تحدث أيضا رئيس هيئة أركان الدفاع البريطانية ريتشارد نايتون عن رقم مماثل للخسائر الروسية، مع تقسيمه إلى مليون قتيل ونصف مليون جريح.

يتسق هذا مع ما أعلنه مركز أبحاث أمريكي قبل شهرين، حيث تحدث وقتها عن إجمالي مليوني ضحية عسكرية من الجانبين، ارتفاعا من 1.8 مليون هو تقدير المركز نفسه في يناير/كانون الثاني الماضي.

وفي التفاصيل، تحدث تقرير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي عن خسائر بشرية روسية قدّرها بنحو 1.4 مليون، نسبة القتلى فيهم هي الثلث مقابل ثلثين للجرحى، وفيما يخص أوكرانيا تحدث عن ثلاثة أرباع المليون من الضحايا بينهم ما يقرب من 150 ألف قتيل و625 ألف جريح.

هنا لا بد من استدراك يؤكد أن الأرقام السابقة تقديرية فضلا عن كونها خرجت من أحد طرفي الصراع، أو من مركز أبحاث في دولة يفترض أنها حليفة لهذا الطرف، وإن كانت، بالتالي، لم تحظ بالتأكيد من الطرف الآخر أو من مصدر مستقل، إلا أنها لا تبدو مستبعدة بالنظر إلى طبيعة الحرب.

وإن تساءلت عن حقيقة خسائر أوكرانيا في ظل عدم الكشف عنها كما هو حال روسيا، فلدينا هنا ما قالته صحيفة تايمز البريطانية في موضوع لافت أواخر العام الماضي، حين أكدت في تقرير لها أن أوكرانيا تعتبر عدد قتلاها في حربها ضد روسيا سرا لا يمكن أن تفصح عنه، لكن المقابر المتزايدة تفضح الحقيقة.

< h2 id="ازمة-الديموغرافيا">أزمة الديموغرافيا

سنترك أرقام الضحايا مؤقتا ونذهب إلى الدولتين وحالهما مع إحصاءات الجغرافيا من موقع ومساحة وسكان.

أما عن الموقع فأوكرانيا جزء من قارة أوروبا، في حين أن الأدق بالنسبة لروسيا هو وصفها بأنها دولة أوراسية؛ لأنها تتمدد بمساحتها الهائلة في آسيا وأوروبا.

ورغم أن ثلاثة أرباع مساحتها في الجانب الآسيوي لكنها تبدو أوروبية لدى الكثيرين لأن عاصمتها موسكو ومعظم سكانها يعيشون في الجانب الأوروبي، ناهيك عن أسباب تاريخية وثقافية.

وأما عن المساحة، فروسيا هي الدولة الأولى عالميا بمساحة تتجاوز قليلا 17 مليون كيلومتر مربع، منها نحو 4 ملايين في أوروبا تجعلها الأولى أيضا فيما يتعلق بالمساحة على الصعيد الأوروبي.

وربما تبدو مساحة أوكرانيا البالغة نحو 600 ألف كيلومتر مربع، صغيرة مقارنة بروسيا، لكن الصورة تكتمل عندما ندرك أنها الأكبر أوروبيا بعد روسيا، وتأتي بعدها على التوالي كل من فرنسا وإسبانيا والسويد والنرويج وألمانيا، ثم فنلندا وبولندا وإيطاليا.

لكن مربط الفرس في موضوعنا هذا هو السكان، وهنا سنجد أرقاما ربما تكون صادمة لكثير من القراء، فإذا كانت الشكوى في الدول العربية مثلا هي من زيادة السكان، فهذه الدول تعاني تراجعا سكانيا يتعلّق أساسا بأزمة الخصوبة وانخفاض معدل الإنجاب، قبل أن تأتي الحرب لتزيد الطين بلة.

إعلان

وما يزيد صعوبة الأمر في هذه الحرب وسائر الحروب بشكل عام أن الفئة الأكثر تضررا بالقتل والإصابة في الحروب هي غالبا الفئة الشابة المنتجة التي تتراوح أعمارها بين 20 و45 عاما.

أضف إلى ذلك خسائر أخرى تتعلق بفئة من المصابين لا تتمكن من العودة إلى سوق العمل بسبب إعاقات دائمة، كما أن الخسائر البشرية لا تقتصر على القتلى والمصابين، فهناك أيضا اللاجئون وهم بالملايين، ناهيك عن هجرة الكفاءات وتعطل التعليم والأثر الصحي والنفسي طويل الأجل، ما يجعل فاتورة الحرب على الصعيد السكاني تمتد إلى أجيال لم تولد بعد.

قارة تشيخ

ما زاد الأمر صعوبة، أن الحرب الروسية الأوكرانية جاءت بينما تعاني أوروبا أساسا من اختلال سكاني متزايد، حيث تشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى انخفاض معدل الخصوبة إلى 1.34 طفل لكل امرأة عام 2024، وهو ما ينخفض كثيرا عن مستوى الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1 طفل.

ومنذ عام 2012، أصبح عدد الوفيات في دول الاتحاد يفوق عدد المواليد، بمعدل وفيات 10.7 مقابل معدل مواليد 7.9 لكل ألف نسمة، ولم يمنع سكان الاتحاد من التراجع حتى الآن سوى صافي الهجرة الإيجابي.

وتحذر تقارير أوروبية من أن عدد سكان الاتحاد الأوروبي، البالغ نحو 452 مليون نسمة حاليا، مرشح للانخفاض إلى نحو 445 مليونا عام 2050 وأقل من 400 مليون بحلول نهاية القرن إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

وهكذا فإن كارثة الحرب الحالية تصيب قارة لا تمتلك فائضا من الشباب، بل هي من أسرع مناطق العالم شيخوخة، وتحتاج اقتصاداتها إلى مزيد من العاملين والمساهمين في أنظمة التقاعد والرعاية الصحية.

دعونا نتحول إلى الأرقام لمزيد من التوضيح، فبالنسبة لروسيا هي تاسع أكثر دول العالم سكانا، ومع ذلك فهي من أقل الدول كثافة سكانية في العالم بالنظر لمساحتها الشاسعة.

وبينما تحتاج هذه الدولة إلى طفرة سكانية، نجد الأرقام تشير إلى غير ذلك، فبعد أن وصلت إلى ذروة سكانية تقدر بـ148 مليونا في عام 1993، انخفض العدد إلى 146 مليونا، مع تقارير تتحدث عن رقم أصغر هو 144 مليونا من السكان بمعدل تراجع نحو 2.5%.

الوضع في أوكرانيا أكثر صعوبة، حيث انخفض العدد في أوكرانيا من نحو 50 مليون نسمة عام 1993 إلى نحو 38 مليونا فقط في ظل غياب تقديرات رسمية حديثة بسبب الحرب؛ أي معدل تراجع يتجاوز 20%.

أرقام أوكرانية أخرى قد تكون أكثر دلالة، وهي أن آخر تعداد سكاني شامل جرى في 2001 أحصى نحو 48.5 مليون نسمة، في حين تقول الحكومة الأوكرانية إن الموجودين حاليا في الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة يبلغون نحو 31.1 مليون شخص فقط.

ولا يوجد إحصاء للأوكرانيين المقيمين على الأراضي التي ضمتها روسيا، في حين تتحدث بيانات أوروبية عن نحو خمسة ملايين لاجئ أوكراني اضطروا إلى مغادرة بلادهم.

وحسب بيانات "معهد دراسة الحرب"، فإن روسيا تسيطر على ما يقرب من 20% من الأراضي الأوكرانية، بينها شبه جزيرة القرم التي ضمتها عام 2014.

مصدر الصورة

ما العمل؟

وهكذا يخسر البلدان الرجال ما بين قتيل وجريح ومعاق ونازح أو مهاجر، كما يتأثر الاقتصاد وأسواق العمل ويتضرر الاجتماع وأحوال العائلات والأسر، في بلاد ستحتاج بعد أن تفرغ من الحرب يوما ما إلى جهد مضاعف لإعادة البناء والتعمير.

ولهذا تحاول روسيا مواجهة الأزمة عبر سياسة سكانية تستهدف رفع معدل الخصوبة إلى 1.6 طفل بحلول 2030 ثم إلى 1.8 بحلول 2036، إلى جانب برامج دعم الأسر والأمهات والإسكان والرعاية الصحية، والاستعانة بالعمالة الأجنبية لسد بعض النقص في سوق العمل.

وفي الشهر الماضي حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صراحة من تداعيات انخفاض معدل المواليد، معتبرا أن الحفاظ على عدد السكان وزيادته يمثلان هدفا إستراتيجيا للدولة، وأن التركيبة السكانية يجب أن تظل في صلب السياسات الروسية، سواء خلال فترات الاستقرار أو في مواجهة الأزمات.

إعلان

بدوره، دعا موقع "نيوز رو" إلى التخلي عن المصطلحات المخففة، مثل "التحديات الديمغرافية" و"الركود السكاني"، والتعامل مع الوضع باعتباره أزمة ذات أبعاد إستراتيجية، لأن استمرار الانكماش السكاني لا ينعكس على الاقتصاد وسوق العمل فحسب، بل يشمل مستقبل الدولة وقدرتها على إدارة أراضيها والحفاظ على مواردها البشرية.

ويستند هذا الطرح إلى رؤية مفادها أن أي قوة اقتصادية أو جيوسياسية تحتاج إلى قاعدة سكانية قادرة على دعم التنمية والإنتاج والدفاع عن البلاد، ومن ثم فإن استمرار انخفاض عدد السكان يفرض تحديات متزايدة على المدى الطويل.

وفي مواجهة النقص السكاني، تُطرح الهجرة كأحد الحلول الرئيسية لتعويض النقص في القوة العاملة والسكان، لكن هذا الخيار يواجه بدوره تحديات سياسية واجتماعية.

لكن موقع "إكسبرت" الروسي ينتقد الاعتماد المتزايد على الهجرة، مشيرا إلى تنامي التشدد المجتمعي والتشريعي تجاه المهاجرين، في ظل الجدل المتصاعد حول الاندماج والأمن والجريمة.

وفي المقابل، أقرت كييف إستراتيجية ديموغرافية حتى عام 2040، تتضمن إجراءات عديدة، وترتكز على زيادة المواليد، والعمل على تحسين الرعاية الصحية لخفض الوفيات، وتشجيع اللاجئين على العودة، عبر تحسين الإسكان وفرص العمل.

لكن الحوافز المالية وسياسات الأسرة وحدها يصعب أن تعوض الخسائر ما دامت الحرب نفسها مستمرة؛ لأن قرار الإنجاب داخل البلاد أو العودة من الهجرة يرتبط قبل كل شيء بالأمن والاستقرار وإمكانية التخطيط للمستقبل.

مصدر الصورة ملايين القتلى سقطوا في الحرب العالمية الثانية (غيتي)

عقود من الدم

الأزمة الراهنة في أوروبا نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية تُعيد إلى الأذهان مفارقة تاريخية ثقيلة الوطأة، حيث كانت أوروبا مسرحا لأكثر حروب القرن العشرين دموية.

فخلال الحرب العالمية الأولى فقد العالم نحو 8.5 إلى 10 ملايين عسكري، وأُصيب نحو 21 مليونا، إضافة إلى ملايين القتلى المدنيين، وكانت أوروبا المركز الرئيسي لهذه الخسائر.

وبعد نحو عقدين فقط، جاءت الحرب العالمية الثانية لتحصد نحو 60 إلى 70 مليون قتيل بحسب اختلاف التقديرات، منهم نحو 39 مليونا في أوروبا وحدها، فضلا عن عشرات الملايين من الجرحى والنازحين.

صحيح أنه لا يمكن مقارنة خسائر الحرب الروسية الأوكرانية بالحربين العالميتين، لكن ما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد، هو أن أوروبا التي استطاعت تعويض قسم كبير من خسائر النصف الأول من القرن العشرين كانت آنذاك قارة أكثر شبابا وأعلى خصوبة.

أما حرب روسيا وأوكرانيا فتقع اليوم في قارة باتت أقل شبابا وأكثر شيخوخة، وفي دولتين تنخفض فيهما أعداد السكان ومعدل المواليد، وتنخفض بالتالي أعداد القادمين إلى سوق العمل، وهو ما يضاعف الآثار السلبية للحرب فيما يتعلق بالوضع الديمغرافي.

ومن هنا، فإن خسائر الحرب لا تقتصر على من يسقطون في الخنادق؛ فكل قتيل شاب قد يعني أسرة لم تتشكل وأطفالا لم يولدوا، وكل لاجئ يستقر نهائيا في الخارج يمثل عاملا أو مهندسا أو طبيبا قد لا يعود للمشاركة في إعادة البناء.

ولذلك ربما يكون الإرث الأطول للحرب، بعد أن تصمت المدافع، موجودا لا على الخرائط العسكرية وإنما في الثروة البشرية التي سيفيقون متأخرين على فقدها، في روسيا وأوكرانيا، وأوروبا معهما.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا إيران أمريكا السعودية مصر

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا