آخر الأخبار

6 سنوات في الدوحة.. ما تعلمته عن الدبلوماسية ومصير منطقتنا

شارك

حين وصلت إلى الدوحة سفيرا للجمهورية التركية قبل 6 سنوات، كنت أعرف جيدا طبيعة المهمة التي تنتظرني، وحجم العلاقات التي تربط تركيا بقطر، والملفات السياسية والاقتصادية والدفاعية التي سيكون علينا العمل عليها.

لكن ما لم أكن أعرفه آنذاك هو حجم التحولات التي ستشهدها المنطقة والعالم خلال هذه السنوات، ولا مقدار ما ستضيفه هذه التجربة إلى فهمي للدبلوماسية نفسها.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 الذكاء الاصطناعي بين السلامة والاحتكار.. كيف تدير الصين هذا التنافس؟
* list 2 of 2 "شبكات".. المنصات تتفاعل مع هدف هالاند واحتجاجات سوريا end of list

أغادر اليوم وقد أصبحت أكثر اقتناعا بأن الدبلوماسية لا تُختبر في الظروف العادية وحدها، ولا تقاس فقط بما يُوقّع من اتفاقيات أو بما يُنجز من زيارات رسمية.

قيمتها الحقيقية تظهر حين تتسارع الأحداث، وتشتد الأزمات، ويصبح على الدول أن تحدد خياراتها، وعلى الدبلوماسي أن يفهم المجتمع الذي يعمل فيه بقدر ما يفهم السياسة التي يمثلها.

لقد كانت السنوات الست الماضية بالنسبة لي تجربة في الاثنين معا: في السياسة وفي الناس.

في المجالس، مثلا، تفهم معنى العلاقة الشخصية في الثقافة الخليجية، ومكانة الوفاء، وقيمة الذاكرة والموقف، والطريقة التي تنظر بها الأسرة والمجتمع إلى الدولة وإلى محيطها؛ وهذه أشياء لا تظهر دائما في التقارير السياسية. كنت سفيرا لتركيا، لكنني كنت في الوقت نفسه متعلما، وكلما عرفت قطر أكثر، أصبحت أقدر على فهم العلاقة بين بلدينا بصورة أعمق.

الدبلوماسي لا يعرف البلد من مكتبه

من السهل على الدبلوماسي أن يمضي سنوات في بلد ما وهو يعرف مؤسساته أكثر مما يعرف مجتمعه، يجتمع بالمسؤولين، يقرأ التقارير، يتابع المؤشرات، ويحضر المناسبات الرسمية، ثم يظن أنه أصبح يعرف البلد.

تجربتي في قطر علمتني أن الصورة لا تكتمل بهذه الطريقة.

أردت منذ البداية أن أخرج من الإطار الرسمي بقدر ما تسمح به المهمة. دخلت المجالس القطرية، وجلست مع الأكاديميين والإعلاميين ورجال الأعمال والشباب، وحضرت مناسبات اجتماعية كثيرة. ومع الوقت اكتشفت أن فهم مجتمع ما يغيّر حتى الطريقة التي تقرأ بها مواقفه السياسية.

إعلان

في المجالس، مثلا، تفهم معنى العلاقة الشخصية في الثقافة الخليجية، ومكانة الوفاء، وقيمة الذاكرة والموقف، والطريقة التي تنظر بها الأسرة والمجتمع إلى الدولة وإلى محيطها؛ وهذه أشياء لا تظهر دائما في التقارير السياسية.

كنت سفيرا لتركيا، لكنني كنت في الوقت نفسه متعلما، وكلما عرفت قطر أكثر، أصبحت أقدر على فهم العلاقة بين بلدينا بصورة أعمق.

لهذا أعتقد أن الدبلوماسي الذي لا يفتح نافذته على المجتمع يفقد جزءا مهما من أدواته. فالدول لا تتعامل مع مؤسسات فقط؛ خلف كل دولة مجتمع وذاكرة وثقافة وحساسيات وطموحات، ومن لا يفهمها يبقى فهمه ناقصا مهما امتلك من المعلومات.

6 سنوات لم تعرف الهدوء

تزامنت سنوات عملي في قطر مع مرحلة استثنائية في تاريخ المنطقة.

عشنا جائحة كورونا وما أحدثته من إغلاق للحدود واضطراب في الاقتصادات وسلاسل الإمداد. ثم جاءت استضافة قطر لكأس العالم 2022، بما مثلته من حدث عالمي للمنطقة كلها.

وبعدها واجهت تركيا واحدة من أكبر الكوارث في تاريخها الحديث مع زلزال فبراير/شباط 2023، ثم دخلت المنطقة مرحلة شديدة القسوة مع الحرب على غزة وما تبعها من توترات امتدت إلى أكثر من ساحة.

كانت أحداثا مختلفة في طبيعتها، لكنها علمتني درسا واحدا: في هذه المنطقة لا تستطيع دولة أن تتعامل مع ما يجري حولها وكأنه شأن بعيد عنها.

حين ضرب الزلزال تركيا، لم أشعر في الدوحة أن ما حدث قضية تركية بعيدة. رأينا تحركا قطريا سريعا، وفرق إنقاذ ومساعدات ومستشفيات ميدانية، كما لمسنا تضامنا مجتمعيا حقيقيا. يومها رأيت كيف تتحول العلاقات بين الدول، في لحظة إنسانية صعبة، من نصوص واتفاقيات إلى مواقف يذكرها الناس.

وفي أزمة غزة، رأينا من زاوية أخرى مقدار الترابط بين أمن المنطقة وأزماتها، فما يحدث في غزة لا يبقى في غزة، والتوتر في ساحة واحدة سرعان ما ينعكس على ساحات أخرى، وعلى الاقتصاد والطاقة والملاحة والاستقرار السياسي، ومن هنا ازداد اقتناعي بأن أمن منطقتنا لا يمكن تجزئته.

نتحدث كثيرا عن "وحدة المصير " بين دول المنطقة، وقد تبدو العبارة للبعض ذات طابع وجداني أو خطابي، لكن السنوات الأخيرة أثبتت أنها حقيقة سياسية واقتصادية وأمنية قبل أن تكون تعبيرا عاطفيا

وفي التجربة التركية-القطرية تحديدا، كان للتواصل المستمر على مستوى القيادة أثر واضح في منح العلاقات زخما واستقرارا على مدى السنوات الماضية.

فالتفاهم الذي جمع الرئيس رجب طيب أردوغان وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لم يبقَ في الإطار الشخصي أو البروتوكولي، بل تحول إلى مساحة سياسية ساعدت مؤسسات البلدين على التحرك بثقة أكبر، وفتحت الطريق أمام توسيع التعاون في ملفات عديدة.

ومن خلال عملي في الدوحة، لمست كيف يمكن للتواصل المباشر بين القادة، حين يقترن بمتابعة مؤسسية، أن يختصر كثيرا من المسافات ويمنح العلاقات قدرة أكبر على التطور والاستمرار.

وحدة المصير ليست تعبيرا عاطفيا

نتحدث كثيرا عن "وحدة المصير " بين دول المنطقة، وقد تبدو العبارة للبعض ذات طابع وجداني أو خطابي، لكن السنوات الأخيرة أثبتت أنها حقيقة سياسية واقتصادية وأمنية قبل أن تكون تعبيرا عاطفيا.

إعلان

إذا اندلعت حرب في دولة، تتحرك موجات النزوح وتتأثر التجارة والطاقة والأمن في الدول المحيطة، وإذا اهتزت سلاسل الإمداد في منطقة ما، تشعر الأسواق بذلك في غضون أيام، وإذا اتسعت دائرة الإرهاب أو الفوضى، فمن الصعب أن توقفها الحدود وحدها.

وبالمقابل، عندما تستقر دولة وتتطور وتزداد قدرتها الاقتصادية، تنتقل فرص ذلك أيضا إلى محيطها.

لهذا لا ترى تركيا أن استقرار الدول العربية أو ازدهارها مسألة منفصلة عن مصالحها، نحن جزء من الجغرافيا نفسها، ونتشارك فضاء سياسيا واقتصاديا وأمنيا مترابطا.

هذا لا يعني أن دول المنطقة ستكون متفقة في كل ملف، ولا أن مصالحها ستكون متطابقة دائما. الاختلاف بين الدول أمر طبيعي، لكن المهم هو كيف ندير هذا الاختلاف: هل نحوله إلى خصومة مفتوحة تستنزف الجميع، أم نحتفظ بقنوات الحوار ونبحث عن المساحات التي تسمح لنا بالعمل معا؟

أعتقد أن مستقبل المنطقة سيتحدد إلى حد كبير بالإجابة عن هذا السؤال.

تركيا وجوارها.. توسيع مساحة الحوار

خلال السنوات الأخيرة، أعطت تركيا أهمية كبيرة لتطوير علاقاتها مع دول الجوار والمنطقة، وفتح قنوات أوسع للحوار والتعاون.

ولا أرى هذا التوجه مجرد إعادة ترتيب تكتيكية في السياسة الخارجية، بل تعبيرا عن قراءة أعمق لما تحتاجه منطقتنا.

تركيا دولة كبيرة في هذه الجغرافيا، وتربطها بالعالم العربي علاقات تاريخية واقتصادية وإنسانية واسعة.

ومن الطبيعي أن توجد بين دول المنطقة ملفات تتقاطع فيها المصالح، وأخرى تختلف فيها الرؤى. لكن السياسة الرشيدة لا تُقاس بغياب الخلاف، بل بالقدرة على إدارته من دون أن يغلق أبواب التعاون.

لقد رأينا خلال السنوات الأخيرة أن الحوار المباشر قادر على فتح مساحات جديدة حتى في الملفات التي تبدو معقدة.

أغادر الدوحة بعد 6 سنوات وأنا أحمل معي كثيرا من الملفات والذكريات، لكنني أحمل أيضا قناعة سياسية وإنسانية أصبحت أكثر وضوحا لدي. مستقبل منطقتنا لن يُصنع فقط بموازين القوى، بل بقدرة دولها على إدراك مقدار ما يجمعها من مصالح، وعلى تحويل الجوار من مصدر للقلق إلى مساحة للتعاون.

بالنسبة لتركيا، تحسين العلاقات مع محيطها العربي والخليجي ليس مسارا منفصلا عن رؤيتها لأمنها ومصالحها؛ بل هو جزء منها.

فكلما اتسعت شبكة الحوار والتجارة والاستثمار والتعاون السياسي بين دول المنطقة، تقلصت المساحات التي تستطيع الأزمات أن تنمو فيها.

وتجربتنا مع قطر تقدم مثالا واضحا على ما يمكن أن تفعله الثقة حين تتحول إلى عمل مؤسسي مستمر، خلال سنوات عملي شهدت العلاقات توسعا في السياسة والاقتصاد والدفاع والتعليم والثقافة، لكن القيمة الأهم في رأيي كانت القدرة على التشاور المستمر، حتى عندما كانت المنطقة تمر بأشد مراحلها تعقيدا.

المنطقة تحتاج إلى أن تتحدث أكثر

ربما يكون أحد أهم الدروس التي خرجت بها من هذه السنوات أن منطقتنا لا تعاني نقصا في القضايا المشتركة، بقدر ما تحتاج إلى مزيد من آليات الحوار حولها.

لدينا ملفات الأمن والطاقة والمياه والغذاء والهجرة والتكنولوجيا والتنمية، فضلا عن الأزمات السياسية التي لم تجد حلولا منذ سنوات طويلة. ولا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تدير كل هذه الملفات منفردة.

نحتاج إلى أن تتحدث عواصم المنطقة مع بعضها أكثر، وأن تحافظ على قنوات الاتصال حتى عندما تختلف.

ونحتاج إلى ألا يظل هذا التواصل حكوميا فقط، فالجامعة، ومركز الأبحاث، والإعلام، ورجال الأعمال، والشباب، جميعهم قادرون على بناء طبقات إضافية من العلاقة تجعل التفاهم بين الدول أكثر رسوخا.

لقد رأيت ذلك بنفسي خلال سنواتي في قطر، العلاقات السياسية القوية تصبح أعمق عندما تعرف المجتمعات بعضها، وعندما تتوسع الصلات بين المؤسسات والناس.

وأنا أغادر الدوحة

أغادر الدوحة بعد 6 سنوات وأنا أحمل معي كثيرا من الملفات والذكريات، لكنني أحمل أيضا قناعة سياسية وإنسانية أصبحت أكثر وضوحا لدي.

إعلان

مستقبل منطقتنا لن يُصنع فقط بموازين القوى، بل بقدرة دولها على إدراك مقدار ما يجمعها من مصالح، وعلى تحويل الجوار من مصدر للقلق إلى مساحة للتعاون.

لقد جاءت بي الدبلوماسية إلى قطر، لكن المجتمع القطري منح تجربتي معنى أوسع من المهمة الرسمية، وبين الاجتماعات والأزمات والمجالس والزيارات، تعلمت أن العلاقة الأكثر قوة بين بلدين هي تلك التي تجد لها مكانا في مؤسسات الدولة وفي ذاكرة الناس في آن واحد.

وأغادر وأنا أكثر ثقة بأن تركيا والعالم العربي أمامهما فرصة كبيرة لبناء مرحلة تقوم على مزيد من الحوار، والتعاون، والاحترام المتبادل، وعلى إدراك بسيط لكنه بالغ الأهمية: أن استقرار أحدنا لا ينفصل عن استقرار الآخر.

بعد 6 سنوات في هذه المنطقة من موقع مختلف، أستطيع أن أقول إن الجغرافيا التي جمعتنا طويلاً لا ينبغي أن تكون مجرد قدر نتعايش معه، بل فرصة نبني عليها.

وهذا، ربما، هو أهم ما سأحمله معي من الدوحة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا