في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
خلف باب حديدي محكم الإغلاق وقف زوجان مسنان يتحدثان باستعلاء إلى رجل يجلس على كرسي متحرك وبجانبه سيدة محجبة، وصلا للتو لإلقاء نظرة على المنزل الذي غادراه قبل 70 عاما.
وقد كانت هذه الصورة رباعية الأبعاد: عائلة تنظر لمنزلها الذي آل إلى أخرى بموجب قرار اتخذه طرف ثالث للتكفير عن ذنب اقترفه طرف رابع.
وإذا علمنا أن المتحصنيْن خلف الشباك الحديدي قدما من بروكلين، وأن المنزل الكائن في "إجزم" بجنوب حيفا يعود للفلسطينييْن الموجوديْن في الشارع، يتضح أن هذه واحدة من متعلقات وعد بلفور الذي بموجبه أقامت بريطانيا إسرائيل على أرض فلسطينية لتعويض اليهود عما لحق بهم من أذى على أيدي الألمان.
وليست الصورة التي التقطتها كاميرات الجزيرة في 2020 سوى مثال بسيط من مخلفات الوعد البريطاني الذي تجسد في صورتي النكبة عام 1948 والنكسة عام 1967، ثم في عمليات القتل والتجريف والاستيطان خلال 77 عاما وصولاً إلى إبادة غزة في 2023 والتطهير العرقي في الضفة 2026.
ولكن بريطانيا مسها الضر من سم البذرة التي غرستها في الشرق الأوسط، وبدأت قبل يومين مراجعة حساباتها، فأعلن وزير خارجيتها بأعلى صوته: لم نعد نحب الظالمين.
والظالمون الذين يقصدهم: بنيامين نتنياهو المطلوب للجنائية الدولية ووزيرا أمنه وماليته بن غفير وسموتريتش، وآخرون لم يرتووا حتى الحين من دماء أطفال فلسطين ولا تملأ أجوافهم إلا تراب الضفة كلها بما يعنيه ذلك من موجة تهجير جديدة تطال 3.5 ملايين فلسطيني ليلتحقوا بأزيد من 8 ملايين آخرين في الشتات عبر العالم.
وقد ضاق البريطانيون وغيرهم من الأوروبيين بارتفاع عدد المستوطنين في الضفة من 270 ألفا عام 1993 إلى 770 ألفا في 2026.
والثلاثاء، أعلنت المملكة المتحدة أنها ستفرض عقوبات على أفراد وكيانات متورطة في بناء مستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، وتشمل حظرا على استيراد البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية.
وأمام مجلس العموم قال وزير الخارجية إد ميليباند إن بريطانيا "لن تصمت بعد الآن" وتدين المعاناة وتدعم المساءلة عما يحدث في غزة، بعد أن خلصت التقارير إلى ارتكاب جرائم حرب في القطاع.
ميليباند الذي سبق أن تقلب في عدة مناصب وزارية، قال إن "الحكومة البريطانية تقرّ بأن تطهيرا عرقيا يجري في الضفة الغربية، ينفذه مستوطنون إرهابيون".
ثم هاجم حكومة إسرائيل بالقول إنها "غضّت الطرف عن هذا الوضع في كثير من الأحيان، والأسوأ من ذلك أن بعض أعضائها أدلوا بتصريحات واتخذوا إجراءات تهدف إلى دعم التهجير القسري للفلسطينيين".
ويبدو أن بريطانيا أرادت تأكيد جديتها في هذا المسار عبر حشد 11 دولة غربية هي إسبانيا وفرنسا وكندا والدانمارك وفنلندا وآيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال والسويد.
وجاء في بيان لهذه الدول أنها كلها "تؤكد عزمها فرض قيود وطنية على تجارة السلع مع المستوطنات غير القانونية بموجب القانون الدولي".
ولم يكن متصورا أن تصطف حكومات غربية ضد إسرائيل التي غرستها لندن في قلب فلسطين 1948، ثم تكفلت واشنطن بسقيها وتمكينها من التمدد في الشرق الأوسط: لبنان وسوريا، ومصر لبعض الوقت.
لكن المتاريس التي أقامها الغرب حول إسرائيل جرفها طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فعندما شنت المقاومة عمليتها عند 6:00 صباحا وسيطرت على القواعد العسكرية واقتادت الضباط والجنود للأسر، فهم الناس أن أي "نبتة ضارة" في تربة غريبة يمكن اجتثاثها ولو بعد 70 عاما.
ولمّا انتقمت إسرائيل بقتل 73 ألفا و669 فلسطينيا معظمهم نساء وأطفال وتهجير وتجويع كافة السكان، ضجت الأرض من فظاعة المنكرات، وبدا لكثيرين في الغرب أنه لم يعد بإمكانهم تسديد ثمن الفاتورة الأخلاقية لبقاء إسرائيل.
في البداية، بادرت إسبانيا لرفض الإبادة في غزة وفرضت عقوبات على إسرائيل واعترفت بالدولة الفلسطينية لتلحق بها النرويج وأيرلندا في 2024 ثم فرنسا وبريطانيا وسلوفينيا في وقت لاحق.
وحتى في الولايات المتحدة التي تحمي إسرائيل عسكريا وسياسيا، تزحزحت المواقف وارتفعت الأصوات المنددة بقتل الأطفال والنساء وتفجير المنازل.
وفي يوم مشهود قبل 11 شهرا، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنه "في الماضي، كانت كلمة سيئة واحدة عن إسرائيل كفيلة بإنهاء مستقبلك السياسي، أما اليوم، فإن كلمة جيدة واحدة عنها قد تؤدي إلى النتيجة ذاتها".
وبهذا الاعتراف كان ترمب يعبّر عن ضيق المجتمع الأمريكي بما ترتكبه إسرائيل من قتل وسجن وتدمير وتهجير وتجويع في فلسطين.
في هذا المناخ، يأتي خطاب إد ميليباند أمام مجلس العموم ليشكّل لأول مرة ندما صريحا على ما فات من السكوت عن قتل الفلسطينيين وقطع الطريق على قيام دولتهم المستقلة.
وردا على صحوة الضمير في "داوننغ ستريت"، أعلنت حكومة نتنياهو إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، التي تتولى إدارة العلاقات مع السلطة الفلسطينية.
كذلك، قامت بطرد دبلوماسيين وضباط عسكريين بريطانيين كانوا يعملون ضمن قوة مهام في غزة بقيادة الولايات المتحدة، وأنهت مهمة تدريب عسكرية بريطانية في الضفة الغربية، وأعلنت أنها ستمنع 12 شخصية بريطانية من دخول أراضيها، ومن بينهم الزعيم السابق لحزب العمال جيريمي كوربين المدافع البارز عن القضية الفلسطينية.
وقد دعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى طرد السفير البريطاني فورا، وهاجم المملكة المتحدة واصفا إياها بأنها "معادية للسامية"، ومضيفا: "لقد انتهى الانتداب البريطاني في أرض إسرائيل".
أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، فحث إسرائيل على الاعتراف بسيادة الأرجنتين على جزر فوكلاند المتنازع عليها مع بريطانيا.
لكن المعركة غير متكافئة، فبريطانيا هي التي أوجدت إسرائيل، وأي فتور أو ندم يصيب الأولى قد ينتقص من شرعية الثانية ويثير شكوكا في قدرتها على البقاء.
ومن هذا المنطلق، ينظر المحلل عبد الله العتيبي إلى الخطوة البريطانية، على أنها "ليست انتصارا نهائيا ولن تغير واقع الاحتلال بمفردها، لكنها تكشف بوضوح هزيمة إسرائيل في معركة الرواية".
ولطالما كانت الرواية المحور الأساسي في معركة إسرائيل من أجل الوجود والبقاء.
وبينما قضت فظائع غزة على مصداقية هذه الرواية، يعود الإسرائيليون أنفسهم لأدبيات الدين والتاريخ التي تتوقع لدولتهم عمر رجل واحد يعاني أمراضا مزمنة.
وسبق لنتنياهو أن صرح في أكثر من مناسبة بأن "المملكة الحشمونية عاشت نحو 77 عاما، وسنعمل على أن تتجاوز إسرائيل الحالية سن الـ80 وتصل إلى مئويتها".
أما إيهود باراك رئيس الوزراء الأسبق فكتب مقالاً في صحيفة يديعوت أحرونوت حذّر فيه من أنه "عبر التاريخ اليهودي لم تعمر لليهود دولة أكثر من 80 سنة إلا في فترتين، وفي كلتا المرتين بدأت بالانفكاك في العقد الثامن".
وجاء في افتتاحية الغارديان، الأربعاء، أن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند وضع بلاده في صدارة ائتلاف يضم 12 دولة تبحث قيودا اقتصادية على المستوطنات، مع التزام بريطانيا وفرنسا وكندا بحظر تجاري وطني.
ووفق الصحيفة، فإن هذا الموقف يمثل "أشد إدانة رسمية بريطانية" للسلوك الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب محامي حقوق الإنسان الإسرائيلي مايكل سفارد، فإن العقوبات تعيد رسم الخط الفاصل بين إسرائيل داخل حدود الهدنة لعام 1949 والأراضي المحتلة، وتربط العلاقات الاقتصادية مجددا بقواعد القانون الدولي.
وتتضمن الخطوات البريطانية:
ومما يعزز خطورة القرار البريطاني أنه لا يلقى معارضة من واشنطن، طبقا لما نقله موقع أكسيوس عن مسؤولين أمريكيين ودبلوماسيين غربيين.
وقد نقل الموقع عن مصدرين مطلعين، أن ترمب لم يعترض على العقوبات البريطانية في مكالمة مع رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام.
هذا عن الجانب السياسي، أما في الجانب الاقتصادي، فقد قررت لندن وشركاؤها الغربيون:
وترى الغارديان أن استهداف البنوك وشركات التأمين والمؤسسات التي تمول مشاريع الاستيطان قد يكون أكثر تأثيرا، لأن تلك المؤسسات قد تضطر للاختيار بين مصالحها التجارية في بريطانيا ونشاطها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي مقال بمجلة فورين بوليسي، يرى الباحثان سفن كوبمانس وغريس ويرمبول أن التحول في الرأي العام الأمريكي والأوروبي، وتصاعد الانتقادات لحرب إسرائيل على غزة والاستيطان، يمنح أوروبا فرصة لاتباع سياسة أكثر استقلالاً.
ويقترح الكاتبان ربط التعاون الأوروبي مع إسرائيل باحترام القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.
ويشمل ذلك وقف التجارة مع المستوطنات، ومنع تصدير المواد التي تساعد في بنائها، ومطالبة إسرائيل بتعويضات عن تدمير مشروعات إنسانية موّلتها أوروبا.
أما الكاتب باتريك كوكبيرن، فاعتبر أن العقوبات على إسرائيل ضرورة أخلاقية في مواجهة العنف والتهجير في حق الفلسطينيين.
ولئن كانت هذه المواقف ليست بتلك القوة التي تشكل تهديدا كبيرا لإسرائيل، فإنها تأتي في ظرف خاص يحتم النظر إليها ضمن مخاوف إسرائيل المتعلقة بالوجود والبقاء.
فبالإضافة لمؤشرات على تفكك المجتمع وتآكل الردع الإسرائيلي في المنطقة، يرتفع صوت اليهود غير الصهيونيين المطالبين بزوال إسرائيل.
وفي خطوة نادرة من نوعها، استقبل ترمب مؤخرا في البيت الأبيض قيادات من طائفة "ساتمار" اليهودية "المعروفة تاريخيا بموقفها الرافض للصهيونية وقيام دولة إسرائيل "قبل ظهور المسيح".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة