بعد أيام من التهديد بشن أكبر هجوم أمريكي على إيران منذ بدء الحرب، غيّر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مساره فجأة، فبدلا من حملة جوية كانت قد تمتد لأسبوعين، توقفت الغارات الأمريكية، وعادت لغة المفاوضات إلى الواجهة.
الإدارة الأمريكية تؤكد أن القرار جاء لإفساح المجال أمام الدبلوماسية، لكنّ تقارير أمريكية تكشف في المقابل عن عامل آخر لا يقل أهمية، وهو تراجع مخزونات الذخائر الدفاعية الأمريكية، مما يطرح تساؤلات حول الدافع الحقيقي وراء وقف التصعيد.
بحسب صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، يقول البيت الأبيض إن ترمب أراد منح المفاوضات مع إيران "بعض المساحة"، مع إبقاء جميع الخيارات العسكرية مطروحة.
وأكد السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن المحادثات مستمرة على مستويات متعددة، نافيا أن يكون تعليق الضربات مرتبطا بنقص الذخائر، ومشددا على أن الجيش الأمريكي يمتلك كل ما يحتاجه لمواصلة عملياته إذا صدر القرار السياسي بذلك.
كما تتزامن هذه الجهود مع وساطة خليجية تقودها سلطنة عمان وقطر لإعادة فتح قنوات الحوار، بينما يستعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لبحث الملف الإيراني مع ترمب في واشنطن.
في المقابل، تكشف صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أن قرار تأجيل الهجوم لم يكن مرتبطا بالدبلوماسية وحدها.
وتنقل الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين أن الجيش كان جاهزا لبدء حملة مكثفة قد تستمر بين 10 و14 يوما، قبل أن تؤجل العملية لإفساح المجال أمام المسار السياسي، وأيضا بسبب نقاش داخل الإدارة حول تأثير استنزاف مخزون صواريخ باتريوت ومنظومات الدفاع الجوي الأخرى.
وبحسب التقرير، أبلغ رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين البيتَ الأبيض بأن انخفاض مخزونات صواريخ الاعتراض لا يمنع استئناف العمليات، لكنه يضعف قدرة واشنطن على مواجهة خصوم آخرين، خصوصا الصين، ويزيد المخاطر العسكرية.
ورغم نفي ترمب وجود أي أزمة، فإن خبراء مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية يقدرون أن الولايات المتحدة استخدمت ما لا يقل عن 1500 صاروخ باتريوت منذ اندلاع الحرب، مما يعني أن الصواريخ المتبقية تقل عن ألف صاروخ.
كما تواجه دول الخليج بدورها انخفاضا في مخزون صواريخ الاعتراض بعد استخدامها خلال المواجهات، وهو ما أصبح مصدر قلق للبنتاغون.
لا يقتصر القلق على حجم المخزون فحسب، بل يمتد إلى طبيعة التهديد الإيراني، إذ يشير مسؤولون أمريكيون إلى أن الصواريخ الإيرانية باتت تستخدم مسارات وسرعات مختلفة تجعل اعتراضها أكثر تعقيدا، مما يزيد استهلاك صواريخ الدفاع الجوي، وفق وول ستريت جورنال.
ورغم تصريحات وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بأن برنامج الصواريخ الإيراني "دُمر فعليا"، تشير تقديرات استخباراتية أمريكية وإسرائيلية إلى أن إيران لا تزال تمتلك آلاف الصواريخ الباليستية القادرة على استخدامها من مخازن تحت الأرض.
كما أن الضربة التي استهدفت قاعدة أمريكية في الأردن وأوقعت قتلى من الجنود الأمريكيين، عززت المخاوف من أن أي تصعيد جديد قد يستنزف منظومات الدفاع الأمريكية بشكل أكبر، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات أخرى مرتبطة بردع روسيا والصين، بحسب ما نقلته الصحيفة الأمريكية.
ويذهب تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن قرار وقف التصعيد يعكس مأزقا إستراتيجيا يواجهه ترمب.
ويرى مراسل البيت الأبيض والأمن القومي للصحيفة ديفيد سانغر أن الحرب كشفت حدود القوة الأمريكية، إذ لم ينجح ترمب في السيطرة على ارتفاع أسعار النفط أو الحد من انعكاساتها على أسواق المال.
ورغم تهديد ترمب باستهداف جزيرة خارك، التي تُعَد المنفذ الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، أو السيطرة على مخزون إيران من اليورانيوم المخصب المدفون تحت الأرض، فإنه أقر علنا بعدم وجود رغبة داخل الولايات المتحدة في إرسال قوات برية إلى إيران، مما يعكس حدود الخيارات العسكرية المتاحة أمامه.
ويقول سانغر -استنادا إلى ما كشفه مقربون من ترمب- إن هذه القيود تركت الرئيس الأمريكي في حالة إحباط شديدة، وأصبحت قراراته أكثر تقلبا حتى مقارنة بأسلوبه المعروف، في ظل عجزه عن تحقيق أهداف الحرب أو إيجاد مخرج سريع منها.
وعلى الصعيد الداخلي، يؤكد الكاتب أن الحرب أصبحت عبئا سياسيا على ترمب، مع تراجع التأييد الشعبي لإدارته للملف الإيراني، إذ أظهر استطلاع أجرته صحيفة "واشنطن بوست" بالتعاون مع "إيبسوس" أن 29% فقط من الأمريكيين يؤيدون طريقة تعامله مع الحرب.
كما بدأت شخصيات بارزة في الحزب الجمهوري تطالب بإنهاء الصراع، من بينها رئيس مجلس النواب مايك جونسون الذي دعا إلى "إنهاء الأمر"، في وقت لا يملك فيه ترمب إستراتيجية واضحة لتحقيق ذلك، بحسب التحليل.
ويعرض سانغر 3 خيارات رئيسية أمام الرئيس الأمريكي الحائر، ولكن لا يوفر أي منها مخرجا سهلا من الأزمة:
ويخلص التحليل إلى أن الحرب مع إيران كشفت أن القوة العسكرية الأمريكية، رغم ضخامتها، لا تكفي وحدها لتحقيق الأهداف السياسية، وأن ترمب -الذي بنى صورته على الحسم واستخدام القوة- بات يواجه واقعا أكثر تعقيدا، حيث أصبحت جميع الخيارات المتاحة أمامه مكلّفة، ولا توفر مخرجا سهلا من الأزمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة