في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
حين اخترقت سيارة مفخخة، فجر السبت، الحاجز الأمني لمدينة كاتي ودمرت منزل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، كانت الرصاصات تنطلق في الوقت ذاته في كيدال وغاو وسيفاري ومناطق من باماكو.
لم يكن الهجوم متفرقا، بل عملية واحدة مشتركة بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بالقاعدة، ومن "جبهة تحرير أزواد" الطوارقية ضد نظام الجنرال رئيس المجلس العسكري الحاكم أسيمي غويتا.
ومع أن التنسيق بين الجماعتين (نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد) بدا لافتا نظرا للاختلافات الكبيرة بينهما، لكنه ليس الأول من نوعه، حيث تعد الجماعتان امتدادا لجماعات أخرى كانت قائمة، بعضها ينشط في شمال مالي منذ أكثر من عقدين من الزمن.
فجماعة أنصار الدين (التي شكّلت مع جماعات أخرى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) قد تحالفت في عام 2012 مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد، التي تمثل الطوارق، وتعد جزءا مهما ومكونا رئيسيا ضمن جبهة تحرير أزواد، وتمكّن هذا التحالف من اجتياح مساحات واسعة من شمال مالي في عام 2012، حيث سيطر على المدن الكبرى في تلك المنطقة.
فعقب انهيار نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، وتدفق المقاتلين الطوارق من ليبيا إلى شمال مالي، وخلال أسابيع معدودة، انهارت قبضة الجيش المالي على غاوة وتمبكتو وكيدال، وأعلنت الحركة الوطنية في 6 أبريل/نيسان 2012 استقلال "دولة أزواد"، لكنّ الشراكة بين الطرفين لم تعمّر طويلا، بسبب الخلاف حول قضايا من بينها هوية الدولة المنشودة والصلاحيات بين مكونات التحالف.
تُفسّر شخصية آغ غالي ذاتها ما يبدو مستحيلا، فحسب سيرته التي نشرتها صحيفة لوموند، وُلِد غالي عام 1958 في كيدال من قبيلة إفوغاس الطوارقية، وهاجر إلى ليبيا في سبعينيات القرن الماضي ضمن موجة الجفاف، ثم قاد التمرد الطوارقي عام 1990، قبل أن يعمل دبلوماسيا ماليا في جدة، ثم وسيطا مع تنظيم القاعدة في صفقات الرهائن، فهو طوارقي بالولادة، إفوغاسي بالقبيلة، إسلامي بالأيديولوجيا.
وحين رفضت "الحركة الوطنية" قيادته عام 2011 لميوله الإسلامية، أسس "أنصار الدين" التي تحولت لاحقا إلى "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" عام 2017، بعد انضمام جماعات أخرى إليها، هذا الجسر الشخصي يجعله اليوم الوسيط القادر على الجمع بين مكونات "نصرة الإسلام والمسلمين" و"جبهة تحرير أزواد" تحت سقف واحد.
تأسست جبهة تحرير أزواد (FLA) في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عبر دمج "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" و"المجلس الأعلى لوحدة أزواد" وفصائل أخرى، مطالبة صراحة باستقلال أزواد أو حكمه الذاتي. وجاء ميلادها ردا على انسحاب باماكو من اتفاق الجزائر للسلام (2015)، السقف الوحيد الذي قبلت تحته القوى الطوارقية وضع السلاح.
لم يكن التقارب الراهن ارتجاليا، ففي مارس/آذار 2025، التقى وفد من "هيئة علماء أزواد" وفدا من "نصرة الإسلام"، وأعلنت الجبهة قبولها تطبيق الشريعة ورفضها العلمانية، وطلبت من الجماعة التخلّي عن البيعة لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، بحسب منصة "أفريكان بيرسبشنز" المهتمة بشؤون شمال أفريقيا والساحل، وهو شرط لم يُستَجب له.
ومنذ منتصف 2025، رصد معهد جيمس تاون الأمريكي كمائن متعاقبة نفّذتها الحركتان ضد القوات المالية و" الفيلق الأفريقي" الروسي، في تتابع زمني يُوحي بتنسيق فعلي.
ثلاثة عوامل تُفسّر هذا التحالف غير المسبوق:
رغم ذلك، فإن حدودا صلبة تبقى تواجه هذا التحالف، خصوصا ما يتعلق بالتحالفات والاختلافات الفكرية والأيديولوجية والنظرة لهوية الدولة المستقبلية وحدودها، وغير ذلك من التناقضات.
ويبقى السؤال المعلّق: هل ما نراه زواج مصلحة سرعان ما ينتهي كما حدث في عام 2012، أم إعادة تشكيل عميقة لخرائط الصراع في الساحل، تجمع في حالة نادرة جناحا قوميا طوارقيا وآخر جهاديا تحت راية واحدة في وجه دولة هشة؟ ربما يكون الجواب في أيدي إياد آغ غالي وحده، الرجل الذي يجلس على مفترق العالمين وقد عبر بينهما مرات عدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة