آخر الأخبار

ماذا فعلت حرب إيران باقتصاد الخليج؟ | الحرة

شارك

في لحظة واحدة، تحولت منشأة “رأس لفان” في قطر، وهي أكبر شريان لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، من مركز ثقل للطاقة إلى بؤرة أزمة عالمية، بعد أن أدى هجوم صاروخي إلى توقفها، معطلا نحو 17% من القدرة التصديرية السنوية لقطر لمدة قد تمتد إلى خمس سنوات.

وهكذا، وبحسب صندوق النقد الدولي، لم تبق تداعيات الحرب بين أميركا وإسرائيل، وإيران محصورة في اضطراب إمدادات الطاقة، بل امتدت لتضغط على كامل المنظومة الاقتصادية في المنطقة.

وتواجه دول الخليج المصدرة للنفط والغاز تباطؤا حادا، بينما تجد الدول المستوردة للطاقة، مثل مصر والأردن، نفسها في مواجهة مباشرة مع ارتفاع تكاليف السلع الأساسية واحتمال تراجع تحويلات العاملين في الخليج.

وكما تكشف الأرقام، هبط النمو المتوقع لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 1.1% هذا العام، منخفضا بمقدار 2.8 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة للحرب، مع تأجيل أي تعاف ملموس إلى عام 2027. ووصف البنك الدولي الوضع بأنه يحمل “تكلفة بشرية واقتصادية جسيمة”، في ظل اضطراب طرق الطاقة وتصاعد التقلبات المالية، ما يضعف آفاق 2026 بشكل واضح.

داخل الخليج، من المتوقع أن يتراجع نمو دول مجلس التعاون إلى 2% فقط هذا العام، مقارنة بـ4.3% سابقا. وتبرز سلطنة عمان كأسرع الاقتصادات نموا عند 3.5% رغم خفض طفيف، فيما تحافظ السعودية على قدر من المرونة بفضل تنوع اقتصادها وقدرتها على إعادة توجيه صادراتها بعيدا عن مضيق هرمز، مع توقع نمو يبلغ 3.1% في 2026.

لكن هذه المرونة ليست عامة. فالكويت تتجه نحو انكماش بنسبة 0.6% بعد مراجعات حادة، وكذلك البحرين بانكماش يبلغ 0.5%. ودفعت الإمارات كلفة مباشرة للهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت الطاقة والموانئ، ما أدى إلى خفض توقعات نموها لعام 2026 إلى 3.1% بانخفاض 1.9 نقطة مئوية.

وكانت الضربة الأشد، مع ذلك، من نصيب قطر. إذ خفض صندوق النقد توقعاته لاقتصادها بنحو 14.7 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات يناير، مع ترجيح انكماش يصل إلى 8.6% هذا العام، وهو تراجع يعكس حجم الاعتماد على قطاع الغاز وحساسية البنية التحتية للطاقة في أوقات النزاع.

في هذا السياق، يرى الاقتصادي الإماراتي حسين القمزي أن خفض صندوق النقد الدولي توقعات النمو يعكس تبدلا في طبيعة الضغوط على اقتصادات الخليج، التي لم تعد مرتبطة بأسعار النفط وحدها، بل باتت تتأثر أكثر باضطراب سلاسل الإمداد وثقة المستثمرين واستمرار النشاط التجاري.

ويربط القمزي التباطؤ بتداعيات الحرب، من تعطل جزئي للتجارة والنقل البحري والجوي إلى ارتفاع كلف التأمين والشحن. لكنه يقول إن المنطقة لا تواجه ركودا شاملا، بل “تباطؤا حادا وغير متكافئ”، إذ تواصل بعض الاقتصادات النمو بينما تقترب أخرى من الانكماش.

وتضيف التطورات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز طبقة أخرى من المخاطر، إذ يضغط على حركة التجارة العالمية ويرفع أسعار السلع الأساسية، ما ينعكس مباشرة على توقعات النمو لعامي 2026 و2027، مع اختلاف التأثير بين الدول بحسب اعتمادها على الطاقة والغذاء المستورد. ولا تقف هذه الضغوط عند حدود التباطؤ، إذ حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن كلفة الحرب على الاقتصادات العربية قد تصل إلى 200 مليار دولار، مع انكماش متوقع في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 3.7% و6%.

ومن جهته، يقول الاقتصادي السعودي جمال بنون إن خفض توقعات النمو وارتفاع التضخم يضعان اقتصاد الخليج تحت ضغوط أكبر، وسط سؤال عما إذا كان التباطؤ مؤقتا أم مقدمة لركود.

ويرى بنون أن المسار يتوقف على أمد الحرب: فإذا انتهت سريعا قد يستعيد النمو زخمه، أما استمرارها، خصوصا مع تعطل مضيق هرمز، فقد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود، ويعمق مؤشرات الانكماش في بعض دول الخليج.

ويحذر من أن ارتفاع أسعار النفط في هذه الحالة قد لا يتحول إلى مكاسب صافية، إذ قد يترافق مع تراجع الصادرات والطلب العالمي، وخسائر في السياحة والخدمات اللوجستية والاستثمار الأجنبي.

أما القمزي فيحذر من أن استمرار الصراع قد يحول الأزمة من صدمة مؤقتة إلى تغير هيكلي، مع احتمال تراجع جاذبية المنطقة للاستثمار، وارتفاع كلف التمويل، وانحسار دور الخليج كمركز لوجستي عالمي، بما يفرض مسارا أبطأ للنمو لسنوات.

التصنيف الائتماني لدول الخليج

وسط هذه الضغوط، قالت وكالة فيتش إن اقتصادات دول الخليج أظهرت قدرا من الصمود منذ اندلاع الحرب، لكنها حذرت من أن هذا الصمود قد يتعرض لاختبار حقيقي إذا تصاعدت العمليات العسكرية مجددا أو طال أمد تعطل النشاط الاقتصادي، ما قد يزيد الضغوط على التصنيفات الائتمانية خلال الفترة المقبلة مقارنة بما شهدته حتى الآن.

في هذا الإطار، يقول الدكتور أحمد بن سعيد كشوب، رئيس مكتب المؤشر للاستشارات الاقتصادية، إن وكالات التصنيف لا تنظر إلى العجز والاقتراض وحدهما، بل إلى الأصول السيادية والاحتياطيات والدين العام وجودة الإدارة المالية ومرونة الاقتصاد والمؤسسات والاستقرار.

ويرى أن دول الخليج ما زالت تملك هوامش حماية قوية، خاصة عبر الصناديق السيادية والاحتياطيات والإصلاحات المالية، لكن إطالة الحرب قد ترفع كلفة المخاطر والاقتراض وحساسية المستثمرين، حتى إن لم تؤد مباشرة إلى خفض التصنيف.

ويضيف أن تقديرات فيتش تمنح التصنيفات الخليجية قدرة على تحمل صراع قصير ومحدود التصعيد، بينما قد تتحول المواجهات الممتدة أو أضرار البنية التحتية للطاقة إلى مخاطر ائتمانية فعلية.

ويرى القمزي، من جهته، أن دول الخليج ما زالت في وضع مريح نسبيا ائتمانيا، مستفيدة من الفوائض والاحتياطيات والصناديق السيادية، خصوصا في السعودية والإمارات. لكنه يشير إلى أن الخطر الأبرز لم يعد الدين أو العجز وحدهما، بل قدرة هذه الاقتصادات على استمرار تدفق الإيرادات، إذ إن تعطل الصادرات أو تراجع الثقة قد يضغط حتى على أقوى الميزانيات.

الاقتصاد الخليجي بين التباطؤ والتضخم

وإذا كان الحديث عن خفض التصنيفات ما زال مشروطا بطول الحرب واتساعها، فإن أثرها على النشاط الاقتصادي يبدو أوضح. ويرى الدكتور أحمد بن سعيد كشوب أن الحديث عن ركود خليجي شامل ما زال مبكرا، لكن التباطؤ يحمل مخاطر مرتفعة. فاقتصادات الخليج أصبحت أقوى مما كانت عليه في دورات سابقة، لكنها أكثر انكشافا على الاقتصاد العالمي عبر السياحة والطيران والخدمات اللوجستية والعقار والأسواق المالية والاستثمار الأجنبي.

ويحذر كشوب من أن استمرار الحرب أو امتدادها إلى الممرات البحرية قد يضغط مباشرة على الشحن والطيران والسياحة والتجزئة والعقار والاستثمار الخاص، عبر ارتفاع كلف الشحن والتأمين والطاقة، وصولا إلى صدمة أوسع إذا تضررت البنية التحتية للطاقة أو طرق التجارة.

وفي ما يتعلق بإمكانية تزامن التضخم مع التباطؤ، يقول كشوب إن هذا السيناريو وارد في الخليج، لكن التضخم سيكون مدفوعا أساسا بالتكاليف المستوردة، لا بالطلب المحلي، نتيجة ارتفاع كلف الشحن والتأمين والسلع والطاقة والتمويل، في مقابل تراجع الثقة وتأجيل الاستثمار وتشدد البنوك.

ويرى جمال بنون أن هذا السيناريو لم يعد نظريا، إذ قد تتحسن إيرادات الحكومات مع ارتفاع النفط، بينما يضعف النشاط الداخلي بفعل تعطل التجارة وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع التكاليف، في حالة أقرب إلى التضخم الركودي.

أما القمزي فيرى أن ارتفاع أسعار الطاقة يمنح الخليج دعما ماليا، لكنه قد يتزامن مع تراجع الكميات المصدرة وارتفاع كلف التشغيل، لينتج مزيجا من نمو أضعف وضغوط سعرية معتدلة، إلى أن تفقد الأسعار المرتفعة قدرتها على تعويض تباطؤ النشاط.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا