قبل أيام قالت إيران إن مضيق هرمز مفتوح مرة أخرى، بينما أكدت الولايات المتحدة أن الحصار لا يزال قائما، أُغلق المضيق مجددا، وتجمد الوضع، حيث ظلت التجارة حبيسة السفن. وهذا هو الواقع الذي لم يتغير.
في ظرف غير هذا كان ينبغي أن تكون إيران واحدة من أغنى دول العالم. فهي تمتلك ما يقارب 12% من احتياطيات النفط العالمية، وهي ثالث أكبر احتياطي في العالم، بعد فنزويلا، والمملكة العربية السعودية فقط، كما لديها ثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي.
لكن مع ذلك، يعيش المواطن الإيراني العادي على معدل دخل يقارب الكفاف، بينما يرتفع هذا المعدل بشكل كبير في الضفة الأخرى من الخليج.
لا تتعلق هذه الفجوة بالموارد بل بالقرارات. فقد وجّه النظام الإيراني الموارد على مدى عقود إلى وكلائه والصواريخ والقدرات النووية. يضخ ملايين الدولارات سنويا إلى شبكات الوكلاء الإقليمية، حيث يتلقى حزب الله وحده عشرات الملايين كل عام.
وقد بنت إيران واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط، وطورت برنامجا نوويا يقترب الآن من القدرة على صنع الأسلحة.
بيد أن إيران تواجه ضغوطا عسكرية واقتصادية مستمرة منذ سنوات. فعلى مدى حوالي 40 يوما، ضربت القوات الأمريكية أكثر من 13 ألف هدف، مما أدى إلى إضعاف القدرات العسكرية والصناعية الرئيسية. وإلى جانب سنوات من العقوبات، أثرت تلك الضغوط بشكل كبير على اقتصادها.
لقد أصبح هذا الضغط واضحا اليوم مع انهيار عملتها، وتصاعد التضخم، خاصة في السلع الأساسية، بينما تكافح الحكومة لتسديد رواتب الموظفين.
وفي خضم احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026 والقمع الذي صاحبها، كان رد النظام إقرار منحة قدرها 7 دولارات شهريا، وهو مبلغ بالكاد يكفي لشراء زجاجة زيت طهي في بلد يمتلك أحد أكبر احتياطيات الطاقة في العالم. وهذا يؤثر على الرواتب وأسعار المواد الغذائية والحياة اليومية.
شددت الولايات المتحدة حصارها، وتؤكد أنه لا يزال ساريا ضد النظام، حتى في الوقت الذي كان قد قال فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن مضيق هرمز بات مفتوحا مرة أخرى أمام حركة الملاحة التجارية. يجسد هذا التوتر اللحظة الراهنة بكل وضوح، ويؤكد أن الولايات المتحدة ستبقي على الضغط.
إن ما يحدث الآن ليس إعادة فتح للمضيق بشكل سلس، وعلينا أن نفهم أننا الآن إزاء ممر مائي متنازع عليه تتقاطع فيه المخاطر والإشارات البينية وعمليات لإنفاذ الإرادة بين الولايات المتحدة وإيران، كل ذلك يحدث في آن واحد.
لم يبدأ ذلك في البحر.
ففي إسلام آباد، جلس الطرفان في لقاء استمر 21 ساعة كان أقرب إلى اختبار للضغط منه إلى مفاوضات. كان ذلك بمثابة إعادة ضبط للأمور، ومحاولة لفهم الخطوط الحمراء، لا لحلها.
وقد عززت أحداث الأيام الماضية هذه النقطة؛ حيث لم تسفر المحادثات عن أي تقدم يذكر، لكنها لم تفشل أيضا. لا يزال المسار متذبذبا وهادئا وغير محسوم.
ليس المهم ما يقال علنا، بل ما يحدث وراء الكواليس. فما زالت القنوات مفتوحة، ولا يزال الطرفان يستكشفان الموقف دون استعداد أيّ منهما للتنازل، لكن دون انسحاب أحدهما أيضا.
ما يجري الآن في مضيق هرمز هو امتداد مباشر لتلك اللحظة؛ فالمفاوضات لم تتوقف، بل انتقلت من غرف الاجتماعات إلى المياه.
وضعية الحصار
إن الحصار تكتيك وليس إستراتيجية، كما أنه ليس مجرد إجراء رمزي، بل هو إجراء حاسم. وفي اللحظة التي تقرر فيها منع مرور السفن، تصبح مسؤولا عن كل سفينة تمر عبر مضيق هرمز، وإن فاتتك سفينة واحدة، تبدأ الإستراتيجية بأكملها في الانهيار.
وهذا هو الموضع الذي تزداد فيه احتمالات حدوث سوء تقدير، ولا مجال للخطأ.
إن الضغط يرفع التكاليف، وسلوك النظام يتغير فقط عندما يضطر إلى ذلك، والسلوك المعني هنا ليس هامشيا في حالة إيران بل أساسيا لبقاء النظام. لذا فشلت المفاوضات الهامشية؛ لأنها مست أطراف نظام مبني على المقاومة والعنف بالوكالة والسيطرة.
هذا النظام يمارس العنف من أجل البقاء. ففي يناير/كانون الثاني 2026، رد النظام على الاحتجاجات بعمليات قمع واسعة أودت بحياة عدد كبير.
وإذا كان النظام مستعدا لفعل ذلك بالمحتجين، فمن غير المرجح أن تؤدي بضعة أسابيع من تعطيل حركة ناقلات النفط إلى فرض تغيير جذري. هذه ليست مشكلة سياسية بل هيكلية.
لقد واجهت الولايات المتحدة هذا التحدي لمدة 47 عاما. واجهت كل إدارة المعضلة نفسها: ممارسة الضغط والمخاطرة بالتصعيد، أو السعي إلى الانخراط والمخاطرة بتمكين النظام، وجربت العقوبات والدبلوماسية والإشارات العسكرية، لكن لم ينجح أي منها، إذ لا يتغير الهيكل بالضغط وحده.
وحتى الآن، ولو أعيد فتح المضيق جزئيا مع رد فعل إيجابي من الأسواق، تظل القضية الأساسية دون تغيير. فعشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين، وقواعد، ومليارات الدولارات التي أنفقت، ساهمت في احتواء المشكلة لكنها لم تحلها.
يجب أن تحدث أربعة أمور بعد ذلك:
عندما تؤثر العقوبات على الرواتب والاستقرار، فإنها تخلق تكاليف لا يمكن للنظام تجاهلها. لكن هذا لا يحدث إلا إذا نفذت بشكل صحيح، وهذا يعني أن تتحرك الولايات المتحدة، وأوروبا، وآسيا ودول المنطقة معا لقطع الإيرادات، وليس لمجرد إثبات وجهة نظر.
ثالثا: تقديم مسار اقتصادي حقيقي يمكن المضي فيه قدما، ولكن شريطة أن تغير إيران مسارها. ليس إعفاء رمزيا صغيرا، بل وصولا كاملا إلى الأسواق العالمية بما في ذلك النفط والبنوك والتجارة، حتى يكون لدى النظام سبب لاختيار النمو بدلا من المواجهة.
ويمكن لإمكانات إيران في مجال الطاقة وحدها أن تولد عشرات المليارات من الإيرادات الإضافية إذا تم استغلالها بالكامل.
يجب على الولايات المتحدة توسيع نطاق المحتوى الموثوق باللغة الفارسية، والاستثمار في التوزيع الرقمي داخل إيران، وتعزيز الأدوات السيبرانية التي تربط الناس عبر الحدود، بالتعاون مع الشركاء الأوروبيين والخليجيين والآسيويين لتوسيع نطاق الوصول.
لن نغيّر طبيعة هذا النظام بين عشية وضحاها. هذه ليست صفقة عقارية، وما حدث في إسلام آباد لم يكن اتفاقا، بل كان اختبارا، وما يحدث في مضيق هرمز هو تجسيد لهذا الاختبار على أرض الواقع مع مخاطر أكبر بكثير.
لم تنجح الضغوط وحدها في إحداث أي تغيير على مدى 47 عاما، ولم تؤد المفاوضات وحدها أيضا إلى تغيير سلوك النظام الإيراني.
سيحدث التغيير الحقيقي عندما يصبح الضغط مسارا لإحداثه. والسؤال المطروح الآن لا يتعلق بما إذا كان النظام سيفشل أو يتغير، بل إذا كنا نفعل كل ما هو ضروري لتحقيق ذلك.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة